الفرق بين السعة والضيق في الأبواب الفقهية،
والسعة والضيق في المسائل المفردة
درج العلماء ﵏ على جمع النظائر من المسائل في كتب وأبواب مفردة، ثم في فصول مقسَّمة.
والكتاب في اللغة: الجمع (^١)، وهو في اصطلاح المُصنِّفين: «اسم لجنس من الأحكام ونحوها تشتمل على أنواع مختلفة؛ كالطهارة مشتملة على: المياه، والوضوء، والغسل، والتيمم وإزالة النجاسة وغيرها» (^٢).
والباب في اللغة: المدخل إلى الشيء (^٣)، ثم استعمل مجازًا «على ما يتوسل به إلى ما تحت الباب من الأحكام، والمسائل، والفوائد، وما أشبه ذلك» (^٤).
والفصل في اللغة: الحاجز بين الشيئين (^٥)، ثم استعمل في كتب العلماء على الحجز بين أجناس المسائل وأنواعها (^٦).
_________________
(١) انظر: مقاييس اللغة (٥/ ١٥٨) مادة (كتب)، لسان العرب (١/ ٧٠١) (حرف الباء، فصل الكاف).
(٢) المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ١٤). والنص وارد في بعض نسخ المطلع كما نبه إلى ذلك المحقق. وانظر أيضًا: بداية المحتاج في شرح المنهاج (١/ ١٠٥).
(٣) انظر: مقاييس اللغة (١/ ٣١٤) مادة (بوب)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ١٥)، تاج العروس (٢/ ٤٧) مادة (بوب).
(٤) شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (٣/ ٣٩٩). وانظر أيضًا: غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٢٩). فائدة: قال ابن دقيق ﵀: «أقدم من رأيت عنه استعمل هذه اللفظة المصطلح عليها عند العلماء عامر بن شراحيل، وكان من كبار فضلاء التابعين» شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (٣/ ٣٩٩).
(٥) انظر: مقاييس اللغة (٤/ ٥٠٥) مادة (فصل)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (٢/ ٤٧٤) مادة (فصل)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ١٨).
(٦) انظر: المبدع في شرح المقنع (١/ ٢٨).
[ ٥٩ ]
ومعلوم مما تقدَّم أنَّ الفصلَ جزءٌ من الباب وأنَّ الباب جزءٌ من الكتاب (^١).
إذا تبيَّن هذا فإن الفرق بين الباب وبين أفراد المسائل ظاهر من حيث اصطلاح الفقهاء؛ ولذا فالسَّعة أو الضيق واقع في أفراد عامَّة المسائل، ولكن لا يستلزم من ذلك السَّعة أو الضيق في الباب بعمومه؛ إذ إن المذاهب تتجاذب السَّعة والضيق في مسائل الأبواب، فقد يكون ضيِّقًا في مسألة واسعًا في أخرى، ولكن إذا برزت سعة مذهب أو ضيقه في عامَّة مسائل الباب صحَّ إطلاق السَّعة أو الضيق عليه في الباب.
وعليه فقد يردُ عن بعض أهل العلم ﵏ إطلاق لفظ السَّعة أو الضيق على مسألة بعينها، ولا يكون مرادهم في ذلك الاتساع والضيق في الباب، ومحل هذه الدراسة هو السَّعة والضيق في الأبواب بعمومها لا في المسائل بأعيانها، وذلك أنّ الثاني لا يمكن حصره من وجه، والفائدة الواقعة من جمعه وبيانه أشبه بالمنعدمة من وجه آخر؛ إذْ لا تكاد تخلو عامَّة المسائل من موسِّع أو مضيِّق.
ومن أمثلة كلام العلماء على السَّعة والضيق في المسائل المفردة: قول ابن تيمية ﵀ في حكم نقل الوقف للمصلحة: «كان الإمام أحمد يتوسع في هذا الباب ما لا يتوسع غيره، والناس محتاجون إلى ذلك» (^٢)، وذكر الكشميري الحنفي ﵀ في مسألة قبض
_________________
(١) انظر: الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (١/ ١٢). نكتة: نصَّ الحطاب ﵀ في مواهب الجليل (١/ ٤٣) على فائدة التقسيم بين الكتب والأبواب والفصول بقوله: «وحكمة تفصيل المصنفات بالكتب والأبواب والفصول تنشيط النفس وبعثها على الحفظ والتحصيل بما يحصل لها من السرور بالختم والابتداء ومن ثم كان القرآن العظيم سورًا، والله أعلم. وفي ذلك أيضًا تسهيل للمراجعة والكشف عن المسائل».
(٢) جامع المسائل لابن تيمية (٩/ ٢٥٢). ومراد الشيخ بالباب هنا ليس المعنى الاصطلاحي المتقدِّم ذكره، وإنما مراده عموم مسألة نقل الوقف. وقد جرى بعض أهل العلم على تسمية بعض المسائل المهمة بالأبواب.
[ ٦٠ ]
المبيع والتصرف فيه أنَّ «أضيق المذاهب مذهب الشافعي» (^١)، وذكر الكنكوهي ﵀ أنَّ أوسع المذاهب في ملاقاة النجاسة للماء هو مذهب مالك (^٢)، فهذه النصوص وأجناسها يريد بها قائلوها عين تلك المسألة لا الباب بأصله (^٣)، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) فيض الباري على صحيح البخاري (٣/ ٤١٩).
(٢) انظر: الكوكب الدري على جامع الترمذي (١/ ٨٩).
(٣) لابن المبرد كلام حسن في حال مذهب أحمد من السعة أو الضيق، نقله عنه أحمد المنقور. انظر: الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (١/ ٥٢ - ٥٥).
[ ٦١ ]