العلماء المهتمون بذكر السعة والضيق
في الأبواب الفقهية
تختلف طرق العلماء ﵏ في تناولهم للمسائل الفقهيَّة، فمن العلماء من له عناية ببيان المعتمد في المذهب، ومنهم من له عناية بالخلاف العالي، ومنهم من له عناية بالخلاف النازل، ومنهم من له عناية برؤوس المسائل، ومنهم من له عناية بأسباب الخلاف، ومنهم من له عناية بالاستدلال بوجه عام، ومنهم من له عناية بالاستدلال العقلي والأقيسة بوجه أخص، ومنهم من له عناية بربط الفروع بأصولها، ومنهم من له عناية بمناقشة أدلة المخالفين، ومنهم من له عناية ببيان الفروق الفقهيَّة، ومنهم من له عناية بذكر تفاريع المسائل، ومنهم من له عناية بذكر قيود المسائل، ومنهم من له عناية بذكر القواعد الكليَّة في الخلاف العالي، وهذا الاختلاف له ثمرة عظيمة من جهة اختصاص كل كتاب بطريقة خاصة.
والاتِّساع والضِّيق في الأبواب الفقهية له ارتباط وثيق بالتقعيد الكلي في الخلاف العالي، وقد برز من أهل العلم ثلَّة يلحظ القارئ في مدوناتهم جملة من القواعد الكليَّة التي تسهِّل فهم الخلاف بين المذاهب الفقهية.
ومن أعيان من تكلَّم في القواعد الكليَّة في الخلاف العالي: ابن رشد الحفيد، وابن تيمية، وابن القيم ﵏:
فأمَّا ابن رشد فكتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) فيه ذكر لبعض القواعد الكلية التي يَسهل من خلالها فهم الخلاف، وابن رشد له نَفَسٌ خاص في (البداية) لا أعلم عالمًا سبقه إلى هذا.
[ ٧٧ ]
وبالجملة فقد أبان ابن رشد عن منهجه في مقدمة الكتاب؛ إذ يقول: «فإنَّ غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها، ما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع» (^١).
وقال في أثناء الكتاب: «القصد هو إثبات المسائل المشهورة التي وقع الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار مع المسائل المنطوق بها في الشرع، وذلك أن قصدنا في هذا الكتاب كما قلنا غير مرة: إنما هو أن نثبت المسائل المنطوق بها في الشرع المتفق عليها والمختلف فيها، ونذكر من المسائل المسكوت عنها التي شهر الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار، فإن معرفة هذين الصنفين من المسائل هي التي تجري للمجتهد مجرى الأصول في المسكوت عنها وفي النوازل التي لم يشتهر الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار سواء نقل فيها مذهب عن واحد منهم أو لم ينقل، ويشبه أن يكون من تدرب في هذه المسائل وفهم أصول الأسباب التي أوجبت خلاف الفقهاء فيها أن يقول ما يجب في نازلة من النوازل، أعني: أن يكون الجواب فيها على مذهب فقيه من فقهاء الأمصار، أعني: في المسألة الواحدة بعينها، ويعلم حيث خالف ذلك الفقيه أصله وحيث لم يخالف، وذلك إذا نقل عنه في ذلك فتوى، فأما إذا لم ينقل عنه في ذلك فتوى أو لم يبلغ ذلك الناظر في هذه الأصول فيمكنه أن يأتي بالجواب بحسب أصول الفقيه الذي يفتي على مذهبه، وبحسب الحق الذي يؤديه إليه اجتهاده» (^٢).
_________________
(١) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ٩).
(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ١٦٩).
[ ٧٨ ]
وهذا ملمح في غاية الأهميَّة، وهو أنَّ من فَهِم أصول مذهبه، وتدرَّب عليها أوشك أن يقول فيما لم يبلغه في تلك المسائل بحسب تلك الأصول، وأوشك أن يقول في الحوادث والنوازل على مقتضى تلك الأصول والقواعد أيضًا، ولا شك أنَّ هذا في منتهى الفهم للمذهب الذي ينتسب إليه.
ومن هنا جاءت بعض عبارات محققي فقهاء المذاهب بأن تلك المسألة جارية على قواعد المذهب أو غير جارية (^١).
_________________
(١) هذا الاصطلاح يستعمله العلماء كثيرًا عند عدم الوقوف على نصٍّ في المسألة، أو في ردِّ قول جرى على خلاف القواعد، وبالجملة فاستعمال هذا مستفيض في كل المذاهب. انظر: التجريد للقدوري (٤/ ١٨٢٣)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (٥/ ٢٤١)، مجمع الضمانات (ص: ١٧٠)، المختصر الفقهي لابن عرفة (٩/ ٧٧)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٥/ ٤٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (٨/ ٢٦٨)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٩/ ١١٤)، مجموع الفتاوى (٣٠/ ٢٩٩)، تصحيح الفروع (١/ ١٣٢، ٢/ ١٠٧)، قواعد ابن رجب (١/ ٥٠٥). وهنا فوائد: الأولى: أنَّه قد يُعرف عن عالم الخروج عن قواعد مذهبه، من ذلك اللخمي ﵀ يقول عنه القاضي عياض ﵀ في ترتيب المدارك وتقريب المسالك (٨/ ١٠٩): «ربما اتبع نظره فخالف المذهب فيما ترجح عنده فخرجت اختياراته في الكثير عن قواعد المذهب». والفائدة الثانية: أن ما تقتضيه قواعد المذهب لا يكون هو المذهب ضرورةً، بل قد يكون الصحيح من المذهب خلاف ما تقتضيه القواعد، ومن تتبع الإنصاف وتصحيح الفروع للمرداوي ﵀ وجد مسائل من هذا النوع، ودونك هذا المثال: قال المرداوي في تصحيح الفروع (٢/ ١٠٧): «قوله [يعني ابن مفلح]: ويصلي فيها، يعني الأمكنة المنهي عن الصلاة فيها التي عددها للعذر، وفي الإعادة روايتان، انتهى، وأطلقهما ابن تميم. إحداهما: لا يعيد، وهو الصحيح، قال في الحاوي الصغير: وإن تعذر تحوله عنها صحت، قلت وهو الصواب. والرواية الثانية: يعيد، وقواعد المذهب تقتضي ذلك، لأن المنع من الصلاة فيها تعبد على الصحيح». فالصحيح هنا -عند المرداوي وغيره- عدم الإعادة، ولكن قواعد المذهب -كما ذكر المرداوي- تقتضي الإعادة. وانظر أيضًا: كشاف القناع (١/ ٢٩٧). والفائدة الثالثة: قال الحطاب ﵀ في مواهب الجليل (١/ ٣٨): «سئل ابن عرفة هل يجوز أن يقال في طريق من الطرق هذا مذهب مالك فأجاب بأن من له معرفة بقواعد المذهب ومشهور أقواله والترجيح والقياس يجوز له ذلك بعد بذل وسعه في تذكره في قواعد المذهب، ومن لم يكن كذلك لا يجوز له ذلك إلا أن يعزوه إلى من قاله قبله كالمازري وابن رشد وغيرهم، نقل ذلك عنه البرزلي في أوائل كتابه».
[ ٧٩ ]
وأما ابن تيميَّة فهو من أوسع العلماء فَهْمًا وتحقيقًا لأصول الخلاف بين المذاهب، وكتبه زاخرة بالعبارات التي تدل على سبقه في هذا، و(القواعد النورانية) (^١) مثال جليٌّ على ذلك.
ومن جملة ما قرَّره في أصول الخلاف قوله: إن مذهب أهل المدينة في الأطعمة «الغالب عليهم فيها عدم التحريم، فيبيحون الطيور مطلقًا وإن كانت من ذات المخالب، ويكرهون كل ذي ناب من السباع، وفي تحريمها عن مالك روايتان، وكذلك في الحشرات عنه -هل هي محرمة، أو مكروهة - روايتان، وكذلك البغال والحمير، وروي عنه أنها مكروهة أشد من كراهة السباع، وروي عنه: أنها محرمة بالسنة دون تحريم الحمير، والخيل أيضًا يكرهها، لكن دون كراهة السباع» (^٢).
وذكر أيضًا: أنَّ «أهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس، ليست الخمر عندهم إلا من العنب، ولا يحرمون القليل من المسكر إلا أن يكون خمرًا من العنب، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيء، أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه، وهم في الأطعمة في غاية التحريم حتى حرموا الخيل والضباب» (^٣).
_________________
(١) نازع أ. د عبد السلام السحيمي -حفظه الله- في صحة تسمية هذا الكتاب، وذكر أن الاسم الصحيح للكتاب هو (القواعد الفقهية)، وذهب د. محيسن المحيسن إلى أنَّ الاسم الصحيح للكتاب هو (القواعد الكليَّة). انظر: الإبهاج في حسن المنهاج (ص: ٣)، القواعد النورانية الفقهية باسمها الصحيح القواعد الكلية (ص: ١٣).
(٢) القواعد النورانية (ص: ٢٢)، وسيأتي الكلام على سعة المالكية في باب الأطعمة مفصَّلًا.
(٣) القواعد النورانية (ص: ٢٢). والضباب جمع ضب وهو (حيوان بري معروف يشبه الورل). انظر: حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٠٧)، موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي (ص: ٢٤٩). وسيأتي الكلام على سعة الحنفيَّة في باب الأشربة مفصَّلًا.
[ ٨٠ ]
وذكر أيضًا: أنَّ «أوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإنَّه نص على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل، ويجوز في ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك، ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة نص عليه أحمد» (^١).
وقال أيضًا: «أمَّا الغرر: فأشد الناس فيه قولًا أبو حنيفة والشافعي ﵄ أمَّا الشافعي: فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء»، ثم عدَّد جملة من المسائل الدالَّة على ضيق أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله-، ثم قال: «لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك»، ثم قال: «أما مالك: فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود …، وأحمد قريب منه في ذلك» (^٢). وهذا التقسيم والترتيب من تقي الدين ابن تيمية ﵀ إنما جاء بعد سبرٍ دقيقٍ لجملةٍ وافرةٍ من مسائل الغرر، فخلص إلى ما قال.
وحتى يفهم القارئ عظيم عناية تقي الدين ابن تيمية بالقواعد الكلية في الخلاف؛ ينظر كلامه حول أصول الأئمة في المسائل الخلافيَّة، فمثلًا يقول: «أصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره» (^٣). ولما ذكر قول من قال: إن (الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته) قال: «هذا قول أهل
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٨) بتصرف. وسيأتي الكلام على سعة الحنابلة في باب الجمع بين الصلاتين مفصَّلًا.
(٢) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٣١ - ٣٣) بتصرف. وسيأتي الكلام على ضيق الشافعيَّة في باب الغرر مفصلا.
(٣) القواعد النورانية (ص: ١٧٢)، مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٦).
[ ٨١ ]
الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، وكثير من أصول الشافعي» (^١). ولما ذكر القول الثاني وهو (أن الأصل في الشروط والعقود الجواز والصحة) قال: «أصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه» (^٢).
بل بلغت قوة التمكُّن منه في فهم الأصول إلى ردِّ بعض الأقوال معتمدًا في ذلك على عدم موافقتها لأصول إمام المذهب (^٣).
ويكفي أنَّ الذهبي ﵀ قال في ابن تيمية: «أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف، حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف» (^٤).
_________________
(١) القواعد النورانية (ص: ٢٥٦)، مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٢٦).
(٢) القواعد النورانية (ص: ٢٦١)، مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٣٢).
(٣) اختار ابن حامد ﵀ وجماعة من الأصحاب أنَّ النكاح لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، وردَّ الشيخ هذا القول، ثم بيَّن أن «أصول أحمد ونصوصه تخالف هذا». مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٣٤). وذكر أيضًا أن «تعيين اللفظ العربي في مثل هذا [يعني في عقد النكاح] في غاية البعد من أصول أحمد ونصوصه وعن أصول الأدلة الشرعية». مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٢). وأنبه إلى أن الحنابلة في المعتمد من مذهبهم صاروا إلى قول ابن حامد. انظر: التنقيح المشبع (ص: ٣٤٩)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٦٣١)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (٥/ ٤٦).
(٤) ثلاث تراجم نفيسة للأئمة الأعلام (ص: ٢٣). وقال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (٢/ ٢٧٩):» ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة، إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح. وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات، واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته». وقال الشوكاني ﵀ في الثناء على ابن تيمية: «لا أعلم بعد ابن حزم مثله، وما أظنُّ سمح الزمان ما بين عصري الرجلين بمن يشابههما أو يقاربهما». البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (١/ ٦٤).
[ ٨٢ ]
وأما ابن القيم ﵀ فليس ببعيد عن شيخه في تقرير أمثال هذه القواعد الكليَّة، ومن ذلك قوله في (باب ما تجوز فيه المسابقة): «مذهب أبي حنيفة في هذا الباب أوسع المذاهب، ويليه مذهب الشافعي، ومذهب مالك أضيق المذاهب، ويليه مذهب أحمد» (^١).
وأختم هذا المبحث بالقول: إنَّ الملاحظ لصنيع ابن تيمية، وكذا ابن القيم في تقريرهما لهذه الأصول الكلية يجد أنهما يُتبِعان الأصل بذكر المسائل الدالَّة على صحته، وكأنَّ المسائل هنا من القاعدة المقرَّرة بمنزلة الدليل من المسألة، أو الفرع من القاعدة.
وبالجملة: فهذه التقريرات قضايا نظريَّة تحتاج إلى براهين، وهذه البراهين هي أعيان المسائل؛ ولذا جهدت في هذه الأطروحة على جمع كل مسألة تؤيِّد صحة النتيجة التي خرجت بها في انفراد مذهب بالسَّعة أو الضيق في الباب، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) الفروسية المحمدية (ص: ٣٢٣). وتقدم في المبحث الماضي جملة من الضوابط التي حكاها ابن القيم في السعة والضيق بين الأبواب الفقهية.
[ ٨٣ ]