السعة والضيق بين الأبواب الفقهية
يلحظ القارئ في المدونات الفقهيَّة تداخل بعض الأبواب فيما بينها، وهذا التداخل يحتاج إليه الفقيه في التصوُّر العامِّ للأبواب، ومن أجناس هذا التداخل: السَّعة والضيق بين الأبواب الفقهيَّة.
والمراد بالسَّعة بين الأبواب: أن يُنص على أن (باب كذا) أوسع من (باب كذا)، وهذا الأمر يصحُّ أن يطلق عليه: (ضابط فقهي) (^١). وقد وقفت على جملة من هذه الضوابط، من ذلك (^٢):
• قول الماوردي ﵀: «الجعالة أوسع حكمًا من الإجارة» (^٣).
• وقال الكاساني ﵀: «باب الخلع أوسع من باب النكاح» (^٤).
• وقال أيضًا: «باب الحج أوسع من باب الصلاة» (^٥).
_________________
(١) يعرَّف الضابط بأنَّه: (قضية كلية فقهية منطبقة على فروع من باب). انظر: القواعد والضوابط الفقهية عند الإمام ابن القيم في العبادات لشيخنا مشرف هذه الرسالة أ. د محمد الصواط -حفظه الله-. (ص: ١٦٥). وفرَّق جمع من أهل العلم بين الضابط والقاعدة بكون «القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد». قاله ابن نجيم في الأشباه والنظائر (ص: ١٣٧). وانظر أيضًا: الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ١١)، شرح الكوكب المنير (١/ ٣٠)، الكليات (ص: ٧٢٨)، القواعد الفقهية للباحسين (ص: ٥٨).
(٢) وقد رتَّبتها بحسب وفاة من ذكرها.
(٣) الحاوي الكبير (٤/ ٢٧٥). ونص عليه ابن القيم ﵀ أيضًا. انظر: الفروسية المحمدية (ص: ٣٢٥).
(٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٣/ ١٤٨).
(٥) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ١٦١). وانظر أيضًا: البناية شرح الهداية (٤/ ١٧٨).
[ ٧١ ]
• وقال أيضًا: «السلم أوسع جوازًا من القرض، والقرض أضيق منه» (^١).
• وقال الصفيُّ الهندي ﵀: «باب الشهادة أضيق من باب الرواية» (^٢).
• وقال ابن تيمية ﵀: «باب اللباس أوسع من باب الآنية» (^٣)، وقرَّره ابن القيم ﵀ بقوله: «باب الآنية أضيق من باب اللباس والتحلي» (^٤).
• وقال ابن تيمية أيضًا: «أنواع التطوعات دائمًا أوسع من أنواع المفروضات» (^٥).
• وذكر أيضًا: أنَّ الوطء بملك اليمين أوسع من الوطء في النكاح (^٦).
• وذكر أن سبب وجوب الكفارة أوسع من سبب وجوب الحد (^٧).
• وقال: «موجبات القتل في حق الذميَّة أوسع من موجباته في حق التي ليست ذميَّة» (^٨).
• وذكر الزيلعي ﵀ أن باب الوصية أوسع من المزارعة وغيرها من العقود (^٩).
_________________
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٧/ ٣٩٥).
(٢) نهاية الوصول في دراية الأصول (٧/ ٢٩٣٠). وانظر أيضًا: مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق (٢/ ١٩)، البحر المحيط في أصول الفقه (٦/ ٣٧٠). وقال ابن تيمية ﵀ في الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق (١/ ٣٣٤): «باب الرواية أوسع من باب الشهادة». ونازع في هذا تلميذه ابن القيم ﵀ فقال في الطرق الحكمية (١/ ٤٤٥): «لا يقال: باب الرواية أوسع من باب الشهادة، فيحتاط لها ما لا يحتاط للرواية، فهذا كلام جرى على ألسن كثير من الناس، وهو عار عن التحقيق والصواب».
(٣) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٦٤). وانظر أيضًا: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٥/ ٣٥٣).
(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/ ٣٢٠).
(٥) مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٢٠). وانظر أيضًا: حاشية الروض المربع لابن قاسم (٣/ ٣٨٥).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٣٢/ ١٨٤).
(٧) انظر: شرح عمدة الفقه (كتاب الصيام) (١/ ٣٠١).
(٨) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: ١٣٤).
(٩) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (٦/ ٢٠٤).
[ ٧٢ ]
• وذكر أيضًا: أن باب الكفالة أوسع من باب البيع (^١).
• وذكر ابن القيم ﵀: أنَّ باب الإجارة أوسع من باب البيع (^٢).
• وذكر أيضًا: أنَّ باب الصلح أوسع من البيع (^٣).
• وذكر أيضًا: أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع (^٤).
• وذكر أيضًا: أن باب الوصية أوسع من التصرف في الحياة (^٥)، وذكر أنَّ الوصية أوسع من الوقف (^٦).
• وذكر أيضًا: أنَّ طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال (^٧).
• وذكر أيضًا: أنَّ الفتيا أوسع من باب الشهادة (^٨).
• وذكر أيضًا: أن باب الإخبار في التسمية أوسع من باب الإنشاء (^٩).
• وقال أيضًا: «قتال الدفع أوسع من قتال الطلب» (^١٠).
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (٤/ ١٥٠). وانظر أيضًا: درر الحكام شرح غرر الأحكام (٢/ ٢٩٨).
(٢) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٣٨٤)، إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (٢/ ٧٢١).
(٣) انظر: إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (٢/ ٧٠٥).
(٤) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد (٥/ ٦٦٨).
(٥) انظر: إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (٢/ ٦٨٩).
(٦) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (٣/ ٦٤).
(٧) انظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (ص: ١٩٧).
(٨) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (٦/ ١٣٨).
(٩) انظر: تحفة المودود بأحكام المولود (ص: ١٦٧). وانظر أيضًا: الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٤١٠).
(١٠) الفروسية المحمدية (ص: ١٨٨).
[ ٧٣ ]
• وذكر خليل ﵀: أنَّ باب السلم أوسع من باب الصرف (^١).
• وذكر أيضًا: أن باب الكتابة أوسع من الصداق (^٢).
• وذكر ابن قاضي شهبة ﵀ أنَّ باب الهبة أوسع من باب البيع (^٣).
• وذكر زكريا الأنصاري ﵀: أنَّ باب غسل الميت وتكفينه ودفنه أوسع بابًا من الصلاة عليه (^٤).
• وقال الرملي ﵀: «باب الإذن أوسع من باب الوكالة» (^٥).
• وقال أيضًا: «باب القضاء أوسع من باب الشهادة» (^٦).
• وحكى ابن حجر الهيتمي ﵀ الإجماع «على أنَّ باب الرواية أوسع من باب الشهادة والقضاء» (^٧).
_________________
(١) انظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٦/ ٥).
(٢) انظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (٨/ ٤١٨) ومراده في ذلك عوض الكتابة وعوض الصداق.
(٣) انظر: بداية المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٤٨١)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٣/ ٥٦٣).
(٤) انظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب (١/ ٣١٣). وانظر أيضًا: المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ٢١٥)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٣٣).
(٥) فتاوى الرملي (٣/ ١٥٥). وانظر أيضًا: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٥/ ٢١). وحكاه مرعي الكرمي ﵀ اتَّجاهًا في المذهب الحنبلي. انظر: غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى (٢/ ٣٦)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (٤/ ٣٩٥).
(٦) حاشية الرملي على أسنى المطالب (٤/ ٣٠٦).
(٧) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٣٣٠). وتقدم قريبًا أن ابن القيم ﵀ ينازع في كون الرواية أوسع من الشهادة.
[ ٧٤ ]
• وقال ابن قاسم العبادي ﵀: «باب الزكاة أوسع من باب الإنفاق» (^١).
• وقال مرعي الكرمي ﵀: باب العاريَّة «أوسع من باب الجعالة، والجعالة أوسع من باب الإجارة» (^٢).
• وذكر الخرشي ﵀ أنَّ باب الرهن أوسع من باب النكاح في الغرر، وأن باب الخلع والهبة أوسع من باب الرهن في الغرر (^٣).
• وقال البجيرمي ﵀: «باب الأمان أوسع من باب الجزية» (^٤).
• وذكر أيضًا: أن باب الوصية أوسع من باب الوقف (^٥).
• وذكر عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنَّ باب الإيفاء أوسع من باب البيع (^٦).
• وقال ابن عثيمين ﵀: «باب التَّبرع أوسع من باب المعاوضة» (^٧).
وأختم هذا المبحث بالإشارة إلى أن هذه الضوابط يمكن أن تبحث في رسالة علميَّة، وذلك بأن تجمع نظائرها في كتب أهل العلم، وتستقصى غاية ما يمكن، ثم
_________________
(١) حاشية العبادي على الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (٤/ ٣٩٧).
(٢) غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى (١/ ٧٥١).
(٣) انظر: شرح الخرشي على مختصر خليل (٣/ ٢٥٥).
(٤) حاشية البجيرمي على الخطيب (٤/ ٢٧٧).
(٥) انظر: حاشية البجيرمي على الخطيب (٣/ ٢٤٧).
(٦) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٦/ ١٩٧).
(٧) الشرح الممتع على زاد المستقنع (١١/ ١٧٣). وقال الشيخ الباحث دبيَّان الدبيَّان -حفظه الله-: «عقد التبرع أوسع من عقد المعاوضة» المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (١٧/ ٣٦٩).
[ ٧٥ ]
يتحقق من اتِّجاهات المذاهب وأقوالها فيها (^١)، وتذكر أدلتها ومآخذها، وما يترتَّب عليها من الفروع الفقهيَّة، ولا شك أن في ذلك إثراءً عظيمًا للمكتبة الفقهيَّة.
* * *
_________________
(١) وذلك أن جملة مما تقدَّم من الضوابط إنما تصح على مذهب قائلها دون غيره.
[ ٧٦ ]