السعة والضيق في غير علم الفقه
تقدَّم في المباحث السابقة الكلام على السَّعة والضيق في أبواب الفقه، ويمكن تطبيق هذا الأمر في جميع العلوم الشرعيَّة، ولعلي في هذه العجالة أشير إلى بعض الأمثلة:
فأمَّا علم الأصول -وهو أقرب العلوم إلى علم الفقه فهما أبناء عَلَّات- فيمكن أن يطبَّق عليه الاتساع والضيق في المباحث الأصولية، فمثلًا ما أوسع المذاهب في تخصيص العام؟ وما أوسع المذاهب إمضاء لحكم القياس؟ وما أوسع المذاهب في باب دلالات الألفاظ؟ وما أوسع المذاهب في باب النسخ، ونحو ذلك.
وقد وقفتُ على شيء من الاتساع والضيق الأصولي، وهو باب سد الذرائع، فالمالكيَّة هم أوسع المذاهب إعمالًا لهذا الأصل، يقول القرافي ﵀ في الخلاف في سد الذرائع: «حاصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة بنا» (^١). وقال أيضًا في الفروق «ليس سد الذرائع خاصًّا بمالك ﵀ بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصلُ سدها مجمع عليه» (^٢)، وقال د. محمد هشام البرهاني ﵀: «ليس في المذاهب الأربعة المنتشرة ولا في غيرها من بلغ في أخذه بهذا الأصل مبلغ المذهب المالكي» (^٣).
وثمَّة مثال آخر يمكن إعمال السَّعة والضيق فيه، وهو العمل بقول الصحابي في مسائل الاجتهاد إذا لم يشتهر، فالجمهور على العمل به على اختلاف بينهم في
_________________
(١) الذخيرة (١/ ١٥٣).
(٢) (٢/ ٣٣). وانظر أيضًا: الفروق (٣/ ٢٦٦).
(٣) سدُّ الذرائع في الشريعة الإسلامية (ص: ٦١٥). وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٧).
[ ٩١ ]
بعض المسائل، وذهب الشافعي ﵀ في الجديد إلى أنه ليس بحجة (^١). وبعض أهل العلم ينازع في صحة هذا الإطلاق عن الشافعي (^٢). ولا شكَّ أنَّ هذه المسائل مهمة في الصناعة الفقهية والأصولية على حدٍّ سواء.
وأما الفقه الأكبر -وهو علم الاعتقاد- فمما قد قُرِّرَ فيه من القواعد المتضمنة للسَّعة قولهم: إن «باب الأفعال أوسع من باب الأسماء» (^٣)، وقولهم: «إنَّ الإسلام أوسع من الإيمان» (^٤)، وقولهم: إنَّ «باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات» (^٥). وقال ابن تيمية ﵀ عن مذهب أبي حنيفة: إنه «من أبلغ المذاهب في تكفير من يأمر بالكفر» (^٦)، وتقدَّم قول ابن حجر الهيتمي ﵀: إن الحنفيَّة أوسع المذاهب في المكفِّرات.
_________________
(١) انظر: تقويم الأدلة في أصول الفقه (ص: ٢٥٦)، العدة في أصول الفقه (٤/ ١١٨٥)، البرهان في أصول الفقه (٢/ ٢٤١)، قواطع الأدلة في الأصول (٢/ ٩)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٤٩)، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص: ١٧٩).
(٢) منهم ابن القيم ﵀. انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (٥/ ٥٥٠).
(٣) انظر: مدارج السالكين (٤/ ٣٩٤).
(٤) انظر: الإبانة عن أصول الديانة للأشعري (ص: ٢٦)، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (١/ ١١٢، ٢/ ٥٩٥)، اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ٤٤٥). وبالجملة ففي المسألة خلاف؛ إذ إن بعض أهل العلم لا يفرق بينهما. انظر: تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٥٢٩)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٩٨).
(٥) فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى (ص: ٢٤).
(٦) الفتاوى الكبرى (٦/ ٨٦).
[ ٩٢ ]
وفي هذا المبحث يُختَتَم الكلام على تمهيد هذه الرسالة، وأشرع مستعينًا بالله في الكلام على الأبواب الفقهيَّة التي توصَّلت فيها إلى سعةٍ أو ضيقٍ. واللهَ أسأل الهدايةَ والسدادَ (^١).
* * *
_________________
(١) أخرج مسلم في صحيحه عن علي ﵁ أنه قال: «قال لي رسول الله ﷺ قُلِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي» انظر: (كتاب اللباس والزينة، باب النهي عَنِ التختُّم فِي الوسطى والتي تليها) (٦/ ١٥٢) رقم (٢٠٧٨).
[ ٩٣ ]
الباب الأول: