دعوى ضيق الحنابلة وشدَّتهم
في المسائل الفقهية
ينتشر عند بعض العوامِّ في زماننا أنَّ (المذهب الحنبلي هو أشد المذاهب الأربعة)، وأنّ غيره من المذاهب أكثر توسعة وتيسيرًا على المكلفين، ولم أقف على عالم أو باحث صرَّح أو ألمح إلى هذه القضية حتى الآن (^١).
ولكن من نظر في كتب المفردات عند الحنابلة رأى عدم صحة هذه الدعوى بل «فيها من التيسير ورفع الحرج الخير الكثير» (^٢)، وتبيّن له أنَّ ثمَّة جملًا من المسائل انفرد الحنابلة بالتوسعة فيها دون الجمهور، من ذلك:
• أنَّ الحنابلة قالوا: بجواز المسح على الجوربين ولو كانا غير مجلَّدين أو منعَّلين أو لا يمنعان الماء (^٣). وقال الجمهور: لا يجوز المسح عليهما في الجملة (^٤).
_________________
(١) وقد بذلت في ذلك الوسع، وسألت جمعًا من أهل العلم فلم أظفر بقائل.
(٢) قاله د. بكر أبو زيد ﵀ في المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٤١) بتصرف يسير. وقد أفرد الشيخ في كتابه مبحثًا في مزايا الفقه الحنبلي، وذكر أنَّ من مزاياه: (التيسير في الأحكام).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٧٢)، كشاف القناع (١/ ١١١). ولأهمية المسألة ذكر البهوتي ﵀ الخلاف في المسألة. وانظر أيضًا: المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ١٥٩).
(٤) نصَّ الحنفيَّة والمالكيَّة على أن من شرط المسح: أن يكونا مجلَّدين، ونص الشافعيَّة على أن من شرط المسح أن يمنعا نفوذ الماء. انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٤٥٦)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٦٩)، عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (٣/ ١٣٠٥)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ١٤٢)، بحر المذهب للروياني (١/ ٢٩٠)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ٢٠٥).
[ ٨٥ ]
• وقال الحنابلة: يجوز للرجل أن يستمتع من الحائض فيما دون الفرج (^١)، وقال الجمهور: لا يجوز الاستمتاع فيما بين السرَّة والركبة (^٢).
• وهم أوسع المذاهب في وقت الجمعة؛ فوقتها يبدأ من وقت صلاة العيد (^٣)، وقال الجمهور: وقتها من زوال الشمس (^٤).
• وقال الحنابلة: يجوز الفطر للمقيم إذا سافر في أثناء يومه (^٥)، وقال الجمهور: لا يجوز له الفطر (^٦).
_________________
(١) انظر: المبدع في شرح المقنع (١/ ٢٣١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١١٢)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ١٩٠).
(٢) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ٥٧)، مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٦٢)، شرح التلقين (١/ ٣٢٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ١٧٣)، العزيز شرح الوجيز ١/ ٢٩٧)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٢٨٠).
(٣) وهو من ارتفاع الشمس قِيد رمح. انظر: الشرح الكبير على المقنع (٥/ ١٨٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣١٢)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ٢٦٢).
(٤) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (١/ ٢١٩)، البناية شرح الهداية (٣/ ٥١)، المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ٢٩٨)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٢/ ٧٣)، الأم للشافعي (١/ ٢٢٣)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٥٤١).
(٥) انظر: الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ١٥٦)، الإنصاف (٧/ ٣٧٩)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ٣٢٥).
(٦) انظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٢١٠)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٢/ ٤٣١)، منح الجليل شرح مختصر خليل (٢/ ١٤٩)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٥٣٤)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ١٦٩)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ١٨٦).
[ ٨٦ ]
• وهم أوسع المذاهب في بداية الوقوف بعرفة، فيصحُّ عندهم الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة (^١)، وقال الجمهور: لا يصح الوقوف بعرفة إلا بعد الزوال (^٢).
• وقال الحنابلة: يجوز بيع العربون (^٣)، وقال الجمهور: بيع العربون لا يصح (^٤).
• والحنابلة أوسع المذاهب في النظر إلى المخطوبة، فيجوز أن ينظر من المرأة
_________________
(١) انظر: التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف على مذهب أحمد (٢/ ٨٧)، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٣٨٧)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ٣٦٦).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (٤/ ٥٥)، منحة السلوك في شرح تحفة الملوك (ص ٣١٢)، شرح الرسالة (٢/ ١٦١)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٣/ ٩٤)، بحر المذهب للروياني (٣/ ٥١٢)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ٢٥٦). وبالغ المالكيَّة فذهبوا إلى أن وقوف الحاج جزءا من الليل ركن في صحة الوقوف، وفي ذلك يقول الحطاب: «قال الجزولي في كتاب الحج: يستحب أن يقوم بالناس الإمام المالكي؛ لأنه إذا كان غير المالكي يفسد على المالكيين حجهم؛ لأنه ينفر قبل الغروب، وإن كان مالكيًّا لم ينفر إلا بعد الغروب»، ثم تعقَّبه الحطاب بقوله: «هذا ليس بلازم؛ لأنَّ الأمة مجمعة على طلب الوقوف في جزء من الليل». تنبيه: حكى ابن رشد ﵀ الإجماع على عدم الاعتداد بمن وقف قبل الزوال، وفي هذا نظر لما تقدَّم من خلاف الحنابلة. انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ١١٣).
(٣) انظر: الشرح الكبير على المقنع (١١/ ٢٤٩)، كشاف القناع (٣/ ١٩٥)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ٤٢٩).
(٤) انظر: النتف في الفتاوى للسغدي (١/ ٤٧٢)، المفاتيح في شرح المصابيح (٣/ ٤٣٩)، التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (٢/ ١١١)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (٣/ ٦٣)، الحاوي الكبير (٥/ ٣٣٨)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٤/ ٣٢١). وسيأتي بحول الله في باب الشروط في العقود الكلام على هذه المسألة بأزيد من هذا.
[ ٨٧ ]
ما يظهر منها حال المهنة (^١)، وقال الجمهور: ينظر إلى الوجه والكفين فقط (^٢).
• وقال الحنابلة: حكم المرأة الكافرة مع المسلمة كحكم المسلمة مع المسلمة في النظر (^٣)، وقال الجمهور: المرأة الكافرة من المسلمة كالرجل الأجنبي من المسلمة (^٤).
ثم إذا أضفنا إلى ذلك أنَّ الحنابلة هم أوسع المذاهب في باب الجمع بين الصلاتين، وأنهم أوسع المذاهب في باب الشروط في العقود -كما سيأتي تقريره وبيانه- (^٥)؛ علم البصير تهافت دعوى ضيقهم، بل إن «الناس محتاجون إلى مذهب
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير على المقنع (٢٠/ ٣٠)، معونة أولي النهى (٩/ ١٧)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (٢/ ٥٨٠). ومثَّل الحنابلة بما يظهر منها غالبًا بالوجه والرقبة واليد والقدم. انظر: كشاف القناع (٥/ ١٠)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (٥/ ١١). فينظر هل يدخل الشعر عند الحنابلة أم لا، يحتاج إلى تحرير، وعلى كل حال فالحنابلة أوسع قولًا من الجمهور.
(٢) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (٦/ ١٨)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٧٠)، القوانين الفقهية (ص: ١٣٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (٣/ ٢٨٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٢/ ٣٧)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٧/ ١٩١).
(٣) انظر: الإنصاف (٢٠/ ٤٨)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٦٢٦). تنبيه: عورة المسلمة أمام المسلمة هي مثل عورة الرجل أمام الرجل (ما بين السرة والركبة) باتفاق المذاهب الأربعة، غير أن الحنفيَّة قالوا: الركبة عورة. انظر: الدر المختار حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٦٦، ٣٧١)، المقدمات الممهدات (٣/ ٤٣٥)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٠٠)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٦٢٦).
(٤) انظر: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (٢/ ٥٣٨)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٧١)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢١٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٨٨)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٥/ ٢٣٦)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٤/ ٢١٣). وأنبه إلى أن بين المالكيَّة خلاف قوي، إلا أن المعتمد على ما ذكره الدسوقي هو ما ذُكِر.
(٥) يقول د. هشام يسري العربي في خاتمة كتابه التيسير في المعاملات الماليّة (ص: ٥٧٩): «المذهب الحنبلي أكثر جنوحا للتيسير من الذهب الحنفي، بل من سائر المذاهب الفقهية في جانب المعاملات والعقود».
[ ٨٨ ]
الإمام أحمد في مسائل متعدِّدة» قاله ابن تيمية ﵀ (^١)، وقال ابن المبرد ﵀ في معرض مقارنة المذهب الحنبلي مع المذاهب الثلاثة: «إذا نظرت على مذهب أحمد في مسائل كثيرة وجدته وسطًا» (^٢).
ويقول محي الدين عبد الحميد ﵀ في مقدمة تحقيقه (المنهج الأحمد): «قد كنا في عهد الصبا نسمع الرجل يصف رجلا آخر، فإذا أراد أن ينعته بضيق الصدر والتزمت قال: (إنه حنبلي)، ولا يزال الناس إلى يومنا هذا يذكرون هذه العبارة في مثل هذا المعرض، وكنا في عهد الصبا نتوهم في هذه العبارة وما يشبهها أن مذهب الحنابلة في الفروع شديد الحرج صعب التكاليف، فلما أراد الله بنا الخير واتَّصلنا بالفقه الإسلامي وقرأنا فيما قرأنا كتب الحنابلة من أتباع الإمام الورع الزاهد الحجة أحمد بن محمد بن حنبل علمنا علم اليقين أن هذا المعنى الذي مرَّ بأذهاننا من قول الناس ليس له أصل يستند إليه، ولا أساس يرتكز عليه، وما زال هذا المعنى يمَّحي من أذهاننا يومًا بعد يوم حتى استقرَّ عندنا أن مذهب أحمد -رضي الله تعالى عنه- هو أقرب مذاهب الأئمة الأربعة تمثيلا لسماحة هذا الدين، ويسر تكاليفه، ونفي الحرج والمشقة عن المكلَّفين» (^٣).
ولأجل جميع ما تقدَّم فهذه القضية -أعني: ضيق الحنابلة- لا تعدو أن تكون
_________________
(١) جامع المسائل لابن تيمية (٩/ ٢٥١). فائدة: ابن تيمية من أوسع الفقهاء في أبواب المعاملات المالية، وقد جمع د. أبو سريع محمد عبد الهادي التيسير عند شيخ الإسلام في كتاب أسماه: (التيسير في فقه الإمام ابن تيمية). وسيأتي في أثناء هذه الرسالة ما يؤيِّد ذلك.
(٢) نقله عنه أحمد المنقور في الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (١/ ٥٢).
(٣) (١/ ٢١) بتصرف يسير.
[ ٨٩ ]
(دعوى) شاعت بين العوام، تلقَّفها غير المشتغلين بالعلم والفقه (^١) مستندين في ذلك على مسائل شدَّد فيها الحنابلة أكثر من غيرهم (^٢)، وهذا شأن جميع المذاهب، فلا يخلو مذهب من المذاهب الأربعة من ضيق في بعض المسائل، بل وفي بعض الأبواب.
* * *
_________________
(١) ذكرت هذا لأنِّي لم أقف على عالم أو مشتغل بالعلم يقرر هذا الأمر، فإن وُجد قائل من أهل العلم فأستغفر الله من هذه المقولة.
(٢) عدَّد ابن المبرد جُمَلًا من ذلك. ولكنَّه قرر أيضًا أنَّ الحنابلة هم أوسع المذاهب في مسائل كثيرة كما تقدم. انظر: الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (١/ ٥٤).
[ ٩٠ ]