بعد بيان الأصل اللغوي للسَّعة والضيق يقتضي الحال بيان المراد بهما في هذا البحث، لا سيما وأن استعمال الفقهاء لهذا المصطلح لم يستعمل إلى الحدِّ الذي أوجب عليهم وضع الحدِّ له، ويمكن القول: إن استعمال الباحث لمصطلح السَّعة والضيق يعود إلى معنًى أصلي وآخر فرعي:
أما المعنى الأول -وهو المعنى الأصلي-: فالمراد بالسَّعة: (التخفيف واليسر على المكلف)، والمراد بالضيق: (التشديد والأخذ بالأثقل عليه).
وهذا المعنى هو الذي يستعمله عامَّة الفقهاء ﵏ في تضاعيف كتبهم، والقاعدة المتقدم ذكرها (إذا ضاق الأمر اتَّسع) يراد بها هذا المعنى، ولذا هي في حقيقتها فرعٌ من القاعدة الكبرى: (المشقة تجلب التيسير) (^٢).
_________________
(١) الدور: «هو توقُّف الشيء على ما يتوقف عليه» قاله الجرجاني في التعريفات (ص: ١٠٥). وانظر في الكلام على أقسام الدور وبعض الأمثلة عليه: درء تعارض العقل والنقل (٣/ ١٤٣)، الرد على المنطقيين (ص: ٢٥٧)، إعلام الموقعين عن رب العالمين (٥/ ٢٠٣)، المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ١٥٦).
(٢) قال السبكي ﵀ في الأشباه والنظائر (١/ ٤٩): «القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير، وإن شئت قلت: إذا ضاق الأمر اتسع». وانظر أيضًا: الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٨٣)، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية (ص: ٢٣٠).
[ ٥١ ]
ونصَّ الحَمَوي ﵀ على أنَّ «المراد بالاتِّساع: الترخُّص عن الأقيسة وطرد القواعد، والمراد بالضيق: المشقَّة» (^١)، ونصَّ أيضًا على أنَّ قاعدة (إذا ضاق الأمر اتَّسع) بمعنى قاعدة (المشقَّة تجلب التَّيسير) (^٢).
ومن هذا المعنى حديث سلمة بن صخر ﵁ إذ قال لقومه: «وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ، وَسُوءَ الرَّأْيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ السَّعَة، وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَقَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ» أخرجه الخمسة إلا النسائي (^٣).
_________________
(١) غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (١/ ٢٧٣).
(٢) ؟ المصدر السابق.
(٣) أخرجه أبو داود في (كتاب الطلاق، باب في الظهار) (٢/ ٢٣٣) رقم (٢٢١٣) والترمذي في (أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة المجادلة) (٥/ ٣٢٨) رقم (٣٢٩٩) وابن ماجه في (أبواب الطلاق، باب الظهار) (٣/ ٢١٢) رقم (٢٠٦٢)، وأحمد في (أول مسند المدنيين ﵃ أجمعين، حديث سلمة بن صخر الزرقي الأنصاري ﵁ (٧/ ٣٥٨١) رقم (١٦٦٨١). والحديث له قصة، إذ يقول سلمة بن صخر ﵁ «كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا يُتَايَع بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر، وقلت: امشوا معي إلى رسول الله ﷺ قالوا: لا والله، فانطلقت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال: أنت بذاك يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله ﷿ فاحكم في ما أراك الله، قال: حرِّر رقبة قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال: فصُم شَهرين مُتتابعين، قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، قال: فأطعم وسْقًا من تمرٍ بَيْن ستين مسكينًا، قال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام، قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها، فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي ﷺ السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم». والحديث أعلَّه بعض أهل العلم -كالبخاري وعبد الحق الإشبيلي- بالانقطاع، وذلك أنَّ سليمان بن يسار لم يسمع من سلمة بن صخر، وأُعلَّ كذلك بتدليس ابن إسحاق؛ إذ لم يصرِّح بالتَّحديث وهو معروف بالتدليس. وذهب بعض العلماء -كابن خزيمة والحاكم - إلى تصحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٦٧)، العلل الكبير للترمذي (ص: ١٧٥)، صحيح ابن خزيمة (٤/ ١٢٤) مستدرك الحاكم (٢/ ٢٠٣)، الأحكام الوسطى (٣/ ٢٠٥)، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٥/ ٧٦٦)، البدر المنير (٨/ ١٥٣)، التلخيص الحبير (٣/ ٤٤٥). وقوله: (يتايع) أي: أسارع فيه، وضبطه بعض العلماء (يتابع)، وقوله: (وحشين) أي: جائعين. انظر: معالم السنن (٣/ ٢٥١)، النهاية في غريب الحديث (٥/ ١٦١)، البدر المنير (٨/ ١٥٥)، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (٩/ ٦٧٥)، موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر (١/ ٥٠٠).
[ ٥٢ ]
فمراد سلمة ﵁ بالضِّيق: حصول المشقَّة والعنت، ومراده بالسَّعة: التخفيف والتَّيسير (^١)، وذلك ظاهر في قصَّة الحديث.
ومن هذا المعنى أيضا أن رجلا ألَّف كتابا أسماه (كتاب الاختلاف)، فقال له الإمام أحمد ﵀: «سمَّه كتاب السَّعة» (^٢)، ونقل ابن تيمية ﵀ عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كان يقول: «ما يسرني أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالًا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة» (^٣).
وهنا قد يرد سؤال، وهو كيف يصحُّ أن ينسب إلى مذهب الضيق في باب مع أنَّ الأصل في الشريعة التَّيسير والسَّعة، والله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وعائشة ﵂ تقول: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا» (^٤)، والقواعد الفقهيَّة مقررة لهذا كـ (ـالمشقَّة تجلب التيسير) و(إذا ضاق الأمر اتَّسع)؟
_________________
(١) انظر: شرح سنن أبي داود لابن رسلان (٩/ ٦٨٢).
(٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ١١١). والرجل هو إسحاق بن بهلول، من أصحاب الإمام أحمد.
(٣) مجموع الفتاوى (٣٠/ ٨٠). وفي هذا المعنى يقول ابن قدامة ﵀ عن أئمة الدين: «اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة» المغني (١/ ٤). وانظر أيضا: الفقيه والمتفقه (٢/ ١١٦، ١١٧).
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٥٣ ]
وجوابه -والله أعلم-: أن المراد بالسَّعة والضيق هنا هو النسبة بين المذاهب لا في أصل التشريع، ولذا فالمذهب المضيِّق هو داخل في أصل التيسير والسَّعة الذي جاءت به الشريعة، ولكنه مضيِّق بالنِّسْبة إلى مذهب غيره، وكذا الحال في الموسِّع.
وإنما قيل هذا لأنَّه لا يمكن أن يقول مقلّدٌ -فضلًا عن عالم- بقول يعلم فيه شدة وضيقًا تحصل بها المنافاة لأصل التشريع، وإنما هو ضيق باعتبار غيره من الأقوال؛ ولذا يصح أن يقال: إن هذا الاصطلاح نسبي. ولأجل هذا صيغ لفظ (أوسع، وأضيق) من أفعل التفضيل (^١)، وهي صيغة تقتضي وقوع الاشتراك غالبًا (^٢).
وبالجملة فقد استعمل العلماءُ ﵏ هذا الاصطلاحَ على هذا المعنى في مسائل الفقه، من ذلك قول الماوردي ﵀ عن قول مالك في حكم اختلاف النيَّة بين الإمام والمأموم «هو أضيق المذاهب» (^٣)، وذكر ابن المبرد ﵀ أن في مذهب أحمد «مسائل كثيرة مذهبه فيها أضيق المذاهب، وأشد المذاهب» (^٤).
_________________
(١) انظر في كلام النحاة على أفعل التفضيل: شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ١٢٠)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٥٠)، شرح الأشموني لألفية ابن مالك (٢/ ٢٩٨).
(٢) انظر: تفسير السخاوي (١/ ٩٧)، العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (١/ ٣٤٠)، تفسير القاسمي محاسن التأويل (٢/ ١٠)، النحو الوافي (٣/ ٤٠٦).
(٣) الحاوي الكبير (٢/ ٣١٦). وانظر أيضًا: العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (١/ ٥٨٢).
(٤) نقله عنه أحمد المنقور في الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (١/ ٥٤). وأنبه إلى أن ابن المبرد قد قال قبل ذلك: «إذا نظرت على مذهب أحمد في مسائل كثيرة، وجدته وسطًا». انظر: الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (١/ ٥٢).
[ ٥٤ ]
وهذا المعنى يُستعمل عند اختلاف المذاهب بين الوجوب وعدمه، أو التحريم وعدمه، أو الصحة والفساد، ونحو ذلك مما يمكن وصف أحد القولين بأنه مضيق بالنسبة إلى الآخر.
وأما المعنى الثاني -وهو المعنى الفرعي-: فالمراد بالسَّعة: (الاتساع في إثبات فروع الباب)، وعكسه الضيق، فالقول: (إن أوسع المذاهب في باب القصاص المالكيَّة) يراد به: اتساعهم في إثبات القصاص في المسائل المتنازع فيها، والقول: (إنَّ أضيق المذاهب في باب عيوب النكاح الحنفيَّة) يراد به: عدم الفسخ بالعيوب في النكاح.
وهذا المعنى له اتصال ظاهرٌ بالمعنى اللغوي، فالسَّعة في أصل اللُّغة -كما تقدَّم-: (كثرةُ أجزاء الشيء)، وهنا المذهب الموسع توسَّع في إثبات أجزاء الباب، والمذهب المضيق على الضدِّ من ذلك، وبالجملة فالمواضع التي استعمل الباحث فيها هذا الاصطلاح محدودة، هي: (باب التحالف عند الاختلاف في العقود، وباب عيوب النكاح، وباب القصاص في النفس، وباب القصاص فيما دون النفس).
وهنا تنبيهات:
الأول: أنَّ المعنى الفرعي إنما صير إليه لعدم تحقق المعنى الأول في الأبواب المشار إليها آنفًا، وسبب ذلك أنَّ السَّعة أو الضيق يتجاذَبُها كلا القولين، وجلُّ هذه الأبواب تكون في الخصومات بين المكلَّفين، فأحد القولين يكون واسعًا باعتبار أحد الطرفين وضيَّقا باعتبار الآخر، والقول الثاني على العكس من ذلك، ومثال ذلك: العيوب في النكاح، فمن أثبت العيب فهو واسع باعتبار من طلب الفسخ، ومن لم يثبته فهو واسع أيضًا باعتبار من ردَّ الفسخ من الزوجين؛ ولأجل هذا صير إلى المعنى اللغوي، وهو أن معنى السَّعة: كثرة إثبات العيوب في الباب.
[ ٥٥ ]
والتنبيه الثاني: أنَّ بعض أهل العلم استعملوا السَّعة والضيق على هذا المعنى، من ذلك: قول ابن القيم: ﵀: «مذهب مالك، أضيق المذاهب في النفقات» (^١)، وإنَّما صار مذهبه أضيق المذاهب لأنَّه قصر النفقة الواجبة على الأب فقط في والده الأدنى، وفي الولد الأدنى كذلك إلى البلوغ، فلا «يُجبر على نفقة ابن ابنه، ولا بنت ابنه وإن سفلا، ولا تجبر الأم على نفقة ابنها، وابنتها ولو كانا في غاية الحاجة، والأم في غاية الغنى، ولا تجب على أحد النفقة على ابن ابن، ولا جد، ولا أخ، ولا أخت، ولا عم، ولا عمة، ولا خال، ولا خالة، ولا أحد من الأقارب البتة سوى ما ذكرنا» (^٢). ثم ذكر مذهب الشافعي ﵀ في أنها تجب على عمودي النسب وقال: ومذهب الشافعي أوسع من مذهب مالك، ثم ذكر مذهب أبي حنيفة في أنها تجب على كل ذي رحم محرم لذي رحمه، وقال: ومذهب أبي حنيفة أوسع من مذهب الشافعي (^٣). والحاصل أنَّ ابن القيم استعمل السَّعة هنا على المعنى الثاني، وهو كثرة إثبات المذهب لفروع المسألة.
وكذلك استعمل هذا الاصطلاح ابن حجر الهيتمي ﵀ إذْ يقول: «ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديمًا وحديثًا بخلاف أئمة الحنفيَّة فإنهم توسَّعوا بالحكم بمكفرات كثيرة مع قبولها التأويل» (^٤). وقال أيضًا في كلامه على ما يقع به التكفير: «من أراد تحقيق هذا المبحث وغيره من المكفرات فعليه بكتاب (الإعلام في قواطع الإسلام) فإني ذكرت فيه أكثر المكفِّرات على المذاهب الأربعة مع بيان ما يوافق
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد (٥/ ٤٨٧).
(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (٥/ ٤٨٦).
(٣) المصدر السابق.
(٤) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٩/ ٨٨). والمعنى الذي قرره ابن حجر ﵀ في الاحتياط في أمر التكفير في غاية الأهمية.
[ ٥٦ ]
قواعد مذهبنا مما نص عليه غير أئمتنا فحسب كالحنفيَّة فإنهم أوسع الناس في هذا الباب» (^١). وقال أيضا في مذهب أبي حنفية «قد توسع أصحابه في المكفرات وعدوا منها جملًا مستكثرةً جدًّا، وبالغوا في ذلك أكثر من بقية أئمة المذاهب» (^٢). ومراده في جميع ما سبق أنَّ الحنفيَّة أكثروا من القول بالمكفرات خلافًا لغيرهم، ولا يمكن حمل هذا الكلام إلا على المعنى الثاني.
والتنبيه الثالث: أنَّ هذا المعنى إنما سمَّاه الباحث معنًى فرعيًّا؛ لأنَّه درج على المعنى الأول في غالب البحث، وهو أن المراد بالسَّعة التيسير والتخفيف، فإذا كان المراد المعنى الثاني -وهو الإكثار من إثبات مسائل الباب- فإنه يجري التنبيه على ذلك في تمهيد كل باب -على ما سيأتي بحول الله- بالقول: (مراد الباحث بالسَّعة في هذا الباب: كذا، والمراد بالضيق: كذا). وإنما جرى الباحث على هذا لئلا يقع اللَّبسُ بين المعنيين.
* * *
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص: ١٤٢). والكتاب المشار إليه هو كتاب لابن حجر أيضًا أَّلفه بسبب فتنة وقعت له بعد أن أفتى بأن من قال: (يا عديم الدين) يعزر تعزيرًا شديدًا بل ربما أن يكون قوله كفرًا. ثم أتبع ذلك بجمل من المكفرات القولية أو الفعلية. انظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص: ٤٥، ٧١).
(٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/ ٤٦).
[ ٥٧ ]