من خلال ما تقدم يظهر واضحًا سعة الحنفيَّة في باب الآنية دون غيرهم من المذاهب، وهنا يقوم سؤال، وهو: هل ثمة سبب أو أسباب يمكن ردُّ الخلاف إليها؟
من خلال النظر في أدلة آحاد المسائل ظهر للباحث -والله أعلم- أنَّ الخلاف في باب الآنية يمكن رده إلى سببين تتفرع منهما عامَّة مسائل الباب:
السبب الأول: أن الحنفيَّة توسعوا من حيث الأصل في حكم الانتفاع بأجزاء الميتات، وسبب هذا التوسع أنهم علَّلوا الأحكام، وجعلوا نهي الشارع عن أعيان النجاسات إنما هو لعلة معقولة المعنى في الأصل، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، فقالوا تطهر جلود جميع الحيوانات بالدبغ؛ لأن العلة معقولة المعنى، وهي «نجاسة الجلد بما اتصل به من الدُّسُومات النجسة، والدبغ إزالة لتلك الدسومة» (^١)، وقالوا: تحصُل طهارة الجلود بالتشميس والتتريب ونحوهما؛ لأنَّ العلة معقولة وهي تطهير
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (٢٤/ ٢٣). وإنما استثني الخنزير عند الحنفيَّة؛ «لأنَّ نجاسته ليست لما فيه من الدم والرطوبة بل هو نجس العين، فكان وجود الدباغ في حقه والعدم بمنزلة واحدة، وقيل: إن جلده لا يحتمل الدباغ؛ لأن له جلودًا مترادفة، بعضها فوق بعض كما للآدمي»، قال ذلك الكاساني في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٨٦).
[ ١١٥ ]
الجلد من النجاسات، قال السرخسي ﵀: «أصحُّ ما قيل في حد الدباغ عندنا: ما يعصمه من النتن والفساد، حتى إذا شمَّسه أو ترَّبه كان ذلك دباغًا عندنا» (^١)، وكذلك قال الحنفيَّة تَطهُر جلود الحيوانات المحرم أكلها بذكاتها؛ «لأنَّ الذكاة تزيل الرطوبات وتخرج الدماء السائلة» (^٢)، بل نصَّ بعض الحنفيَّة على أنَّ ذكاة غير المأكول آكد في تطهير الجلود من دباغها بعد الموت؛ لأن الذكاة «تمنع اتصال الرطوبات النجسة، والدباغةُ تزيلها بعد الاتصال؛ لفساد البنية بالموت، فأما قبله فكل شيء بمحله» (^٣).
ومما يقرّرُ توسّع الحنفيَّة في الانتفاع بأجزاء الميتات أنهم قالوا:
• جميعُ الأجزاء التي لا دم فيها من الميتات كالقرن والسن والحافر والخف والظلف والعصب والإِنْفَحَة (^٤) ليست بنجسة (^٥)؛ وذلك لأن «نجاسة الميتات ليست لأعيانها، بل لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة، ولم توجد في هذه الأشياء» (^٦).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٢).
(٢) الاختيار لتعليل المختار (٥/ ١٣). وانظر أيضًا: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٨٦).
(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ١٦٩).
(٤) الإنفحة: كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل، فإذا أكل، فهو كرش. انظر: تهذيب اللغة (٥/ ٧٣)، النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب (١/ ٢٥٧)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٢٢). وذكر النووي ﵀ في تحرير ألفاظ التنبيه (ص: ١٩٠) أنَّ فيها «أربع لغات: أفصحهن عند الجمهور إِنفَحَة بكسر الهمزة وفتح الفاء وتخفيف الحاء، والثانية كذلك لكنها بتشديد الحاء، والثالثة بفتح الهمزة مع التشديد، والرابعة المنفحة بكسر الميم وإسكان النون وتخفيف الحاء».
(٥) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٦٣)، فتح القدير للكمال ابن الهمام (١/ ٩٦).
(٦) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٦٣).
[ ١١٦ ]
• وقالوا أيضًا: لبن الميتة لا ينجس بموتها (^١).
ويظهر بوضوح أنَّ سبب النجاسة في غالب ما تقدم -مع اختلاف المسائل- مردُّه إلى أنَّ أجزاء الميتة التصق بها بعض الدُّسومات النَّجسة، ولكون هذه هي العلة الموجبة للنجاسة فإن زوالها بأي سبب كان كالدبغ أو التَّذكية أو التَّشميس أو التَّتريب، أو عدم وجودها أصلًا كما في العظم ونحوه موجب للقول بالطهارة فيها عند الحنفيَّة.
وأما الجمهور فخالفوا الحنفيَّة في هذا، ورأوا أنَّ الموت بذاته هو السَّبب في نجاسة الميتات:
فمن المالكيَّة يقول ابن القصار ﵀: «علَّة التنجيس هو الموت فلا يجوز أن ترتفع النجاسة مع بقاء العلة؛ لأن الموت لا يمكن دفعه» (^٢).
وذكر القاضي عبد الوهاب ﵀ أن سبب نجاسة جلد الميتة: «أنه جزء من الميتة، نجس بالموت، فوجب أن تتأبد نجاسته كاللحم» (^٣).
ومن الشافعيَّة يقول السمعاني ﵀ في مناقشته لما أخذ به الحنفيَّة: «قولهم: (إن النجاسة تكون باتصال الرطوبات والأشياء السيالة إليه) فليس بشيء؛ لأن الجلد
_________________
(١) انظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٦٩)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ٢٦)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٦). وقال الجمهور: ينجس. انظر: التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (١/ ٣٢١)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٩٢)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٨٥)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٧٩)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٥١)، كشَّاف القناع (١/ ٥٦).
(٢) عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (٢/ ٨٩١).
(٣) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١١٠).
[ ١١٧ ]
نجس بكل حال، وربَّ جلد لا يتلوث بشيء من الرطوبات بعد الموت ويكون في جفافه ونظافته مثل ما كان في حال الحياة، فثبت أن الموت منجس بنفسه» (^١)، ونحو من هذا ذكر الغزالي (^٢)، وابن السمعاني (^٣)، والزنجاني (^٤) ﵏.
ومن الحنابلة يقول ابن الزاغوني ﵀ في مسألة دباغ جلود الميتات: «مأخذ المسألة: أن نجاسة الجلد عندنا نجاسة عينية، وعنده نجاسة مجاورة فتزول بالمعالجة، وهذا ينبني على أصل، وهو: أنَّ الموت عندنا منجِّس لعينه وذاته، وعندهم المنجِّس هو الرطوبات المنبعثة والدماء السيَّالة» (^٥).
ويقول الموفق ابن قدامة ﵀ في سبب نجاسة الجلد: إنه إنما «حَرُمَ بالموت، فكان نجسًا كما قبل الدبغ، وقولهم: إنه إنما نجس لاتصال الدماء والرطوبات به غير صحيح؛ لأنَّه لو كان نجسًا لذلك لم ينجس ظاهر الجلد …» (^٦)، وأشار الموفق أيضًا إلى قريب من هذا المعنى في مسألة طهارة جلد غير المأكول بالذكاة (^٧)، ومن قبله ذكر ذلك أبو الخطاب الكلوذاني في المسألتين أيضًا (^٨).
السبب الثاني في توسع الحنفيَّة في باب الآنية: أنهم نظروا إلى أصل الآنية، فإن كانت مباحة فالتابع لها من ذهب أو فضة مباح أيضا؛ لأنَّه عند الحنفيَّة «العبرة للمتبوع دون التابع» (^٩). وعلى هذا المعنى الأواني المضبَّبَة بالذَّهب والفضَّة، وكذا الأواني المطليَّة والمكفَّتة بهما.
_________________
(١) الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة (١/ ١٣٥).
(٢) انظر: تحصين المآخذ (١/ ٩٩ - ٢٠٠).
(٣) انظر: النكت في المختلف (١/ ٩٩).
(٤) انظر: تخريج الفروع على الأصول (ص: ٤٣).
(٥) المفردات لابن الزاغوني (ص: ١٥٢).
(٦) المغني لابن قدامة (١/ ٥٠).
(٧) المغني لابن قدامة (١/ ٥٢).
(٨) انظر: الانتصار في المسائل الكبار (١/ ١٦٧، ١٩٢).
(٩) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ١٣٢)، وانظر أيضًا: التجريد للقدوري (١/ ٩٩).
[ ١١٨ ]
وأنبِّه إلى أنَّ الحنفيَّة طَردُوا هذا المعنى في غير مسائل الآنية، فقالوا:
• يجوز كل مضبَّب من سيف أو سكين أو قبضتهما أو مسنٍّ أو كرسيٍّ أو سريرٍ أو ثَفَر (^١) أو سرج أو لجام.
• وتجوز الكتابة اليسيرة بالذَّهب أو الفضَّة على الثوب.
• ويجوز كذلك تزيين المصحف بالذَّهب أو الفضَّة.
• ويجوز تزيين السقف والجدران بالذَّهب والفضَّة (^٢)؛ لأنَّ الذَّهب و«الفضَّة في هذه الأشياء تابعة، والعبرة للمتبوع لا للتبع» (^٣).
وأما الجمهور: فإنهم نظروا إلى وجود السرف والخيلاء في مسائل الضبة ونحوها، كما هو موجود في الإناء المصمت، والسرف والخيلاء محرم؛ فنتج عن ذلك تحريم جملة من أحوال الانتفاع بالذَّهب والفضَّة.
فمن المالكيَّة: يقول القاضي عبد الوهاب ﵀ في حكم آنية الذَّهب والفضَّة: «المنع من ذلك لأجل الخيلاء والسرف» (^٤).
_________________
(١) الثَّفَر -بتحريك الفاء ويجوز تسكينها-: هو ما يجعل تحت ذنب الدابة. انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٥٧)، القاموس المحيط (ص: ٣٥٩)، العناية شرح الهداية (١٠/ ٧).
(٢) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ١٣٣)، الهداية في شرح بداية المبتدي (٤/ ٣٦٣)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (٦/ ١١)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (٢/ ٢٨٢)، البناية شرح الهداية (١٢/ ٧١)، اللباب في شرح الكتاب (٤/ ١٦٠)، وهذا عند الحنفيَّة «بشرط أن يتقي موضع الفضَّة عند الإمساك، ووضع الرجل، وكذا في نصل السيف، أو السكين، أو قبضتهما، بشرط ألا يضع يده على موضعها». قال ذلك العيني في منحة السلوك (ص: ٤٠٠).
(٣) الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٦٠).
(٤) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١١٤).
[ ١١٩ ]
ويقول القرافي ﵀: «أواني الذَّهب والفضَّة وفي الجواهر محرمة الاستعمال للرجال والنساء لقوله ﵇: «الذي يَشْربُ مِن آنية الذَّهبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرجِرُ فِي بَطْنِه نارَ جهنَّم» (^١)، وعلَّته السرف أو الخيلاء على الفقراء» (^٢)، ونحو من هذا قال ابن الحاج (^٣) وابن جزي (^٤) -رحمهما الله-.
ومن الشافعيَّة: يقول الماوردي ﵀: «أما تمويه السقف والأروقة بالذَّهب والفضَّة فحرام؛ لما فيه من الإسراف والخيلاء والتحاسد والبغضاء» (^٥).
ويقول النووي ﵀: «المنع من الاستعمال؛ لما فيه من السرف والخيلاء وذلك موجود في الاتخاذ» (^٦).
ويقول الشَّربيني ﵀ في سبب تحريم ضبة الذَّهب مطلقا: إنَّ «الخيلاء في الذَّهب أشد من الفضَّة» (^٧).
ومن الحنابلة: يقول ابن أبي موسى ﵀ عن آنية الذَّهب والفضَّة: «متخذ ذلك عاص آثم؛ لأنَّه من السرف والخيلاء» (^٨).
_________________
(١) الحديث متفق عليه من حديث أم سلمة ﵂، فأما البخاري فأخرجه في (كتاب الأشربة، باب آنية الفضَّة) (٧/ ١١٣) رقم (٥٦٣٤) وأما مسلم فأخرجه في (كتاب الأشربة، باب تحريم استعمال أواني الذَّهب والفضَّة فِي الشرب وغيره على الرجال والنساء) (٦/ ١٣٤) رقم (٢٠٦٥).
(٢) الذخيرة للقرافي (١/ ١٦٧).
(٣) انظر: المدخل لابن الحاج (١/ ٢٧٤).
(٤) انظر: القوانين الفقهية (ص: ٢٨٨).
(٥) الحاوي الكبير (٣/ ٢٦٢).
(٦) المجموع شرح المهذب (١/ ٢٥٢).
(٧) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ٣٣). وانظر أيضا: نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ٣٨)، شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم (ص: ٨٦).
(٨) الإرشاد إلى سبيل الرشاد (ص: ١٣٠).
[ ١٢٠ ]
ويقول الموفق ابن قدامة ﵀: «ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال؛ لأنَّ المعنى المقتضي للتحريم يعمها، وهو الإفضاء إلى السرف والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء» (^١).
وأشار البرهان ابن مفلح ﵀ إلى وجود هذه العلة في مسألة المضبَّب (^٢)، وأبيح عند الحنابلة اليسير من ضبة الفضَّة؛ «لأنَّ الخيلاء وكسر قلوب الفقراء مفقود في ذلك» (^٣)، وهذا ظاهر في أنَّ العلة هي وجود السرف والخيلاء، فمتى ما وجدت قيل بالتحريم.
والخلاصة:
• أنَّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في باب الآنية، وسبب ذلك يعود إلى أمرين: الأول: أنهم توسَّعوا في مسائل الانتفاع بأجزاء الميتات؛ لأن نجاستها عندهم معقولة المعنى، ويمكن زوالها، وهي: ما اتصل بها من رطوبة نجسة، فإذا أمكن زوال العلَّة أو منعها طهُرت بذلك. والثاني: أنَّهم توسعوا في المسائل المتعلقة بالذَّهب والفضَّة؛ لأنهم نظروا إلى أصل إباحة الآنية، وجعلوا الذَّهب والفضَّة تابعًا لا حكم له.
• وأما الجمهور فرأوا أن علة التحريم في أجزاء الميتات هو الموت بذاته، وذهبوا إلى أنَّ علة التحريم في المسائل المتعلقة بالذهب والفضة هي وجود السرف والخيلاء، وهذا موجود في التابع أيضًا.
_________________
(١) المغني (٣/ ٤٧) بتصرف يسير.
(٢) المبدع في شرح المقنع (١/ ٤٦).
(٣) الممتع في شرح المقنع (١/ ١١٤).
[ ١٢١ ]
وهذان الأمران هما عماد مسائل الخلاف في باب الآنية، وتوسُّع الحنفيَّة فيهما ينتج عنه بالضرورة التوسع في الباب عمومًا، والله تعالى أعلم.
* * *
[ ١٢٢ ]