من خلال ما تقدم ظهر ضيق الحنابلة في باب فروض الوضوء دون غيرهم من المذاهب، وهنا يقوم سؤال: هل ثمة سبب أخذ به الحنابلة دون غيرهم آل بهم إلى هذا الضيق؟
_________________
(١) انظر: شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارة (ص: ٣٦٨).
(٢) المغني لابن قدامة (١/ ١٦٢). وانظر أيضًا: الشرح الكبير على المقنع (٢/ ١٣٢). ويقول الشوكاني ﵀: «لم نجد في كتب اللغة ما يشعر بأن الدلك داخل في مسمى الغسل» انظر: نيل الأوطار (١/ ٢٧٧).
(٣) الذخيرة للقرافي (١/ ٣٠٩) بتصرف يسير.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٦١). من صغار المسائل المستثناة أيضًا عند الحنابلة: مسح المسترخي من شعر الرأس، فالمالكيَّة انفردوا فقالوا بالوجوب، والحنابلة على عدم الوجوب، وتقدَّم قول الحنفيَّة والشافعيَّة في عدم وجوب مسح جميع الرأس. وإنما قال المالكيَّة بالوجوب: لأنَّ من انسدل من محل الفرض يأخذ حكم أصله، كالمسترسل من اللحية. وفرق الحنابلة بين المسترسل من اللحية والمسترخي من شعر الرأس بأن «اللحية تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة، بخلاف ما نزل من الرأس عنه؛ لأنه لا يشارك الرأس في الترؤس» شرح منتهى الإرادات (١/ ٥٦). وانظر أيضًا: التاج والإكليل لمختصر خليل (١/ ٢٩٥)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ١٢٤)، المبدع في شرح المقنع (١/ ١٠٢)، كشَّاف القناع (١/ ٩٦).
[ ١٤٠ ]
من خلال النظر في أدلة آحاد المسائل الخلافيَّة في الباب تبيَّن للباحث -والله أعلم- وجود سبب يمكن ردُّ عامَّة مسائل الباب إليه، وهو:
أنَّ الفقهاء اختلفوا في دلالة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فالجمهور جعلوا دلالة الآية نصًّا في فروض الوضوء، فما لم يذكر فيها من هيئات الوضوء فهو من قبيل المستحبات، وأمَّا الحنابلة فرأوا أنَّ الآية مجملة، وجعلوا السنَّة -قوليَّة كانت أو فعليَّة- مبيِّنة لهذا الإجمال، وبهذا انفرد الحنابلة بالقول بوجوب جملة من الهيئات دون الجمهور.
وقد نصَّ على المعنى جملة من فقهاء المذاهب:
فمن الحنفيَّة يقول السرخسي ﵀ في مسألة الموالاة: «المنصوص عليه في الكتاب غسل الأعضاء، فلو شرطنا الموالاة كان زيادة على النص» (^١)، واستدلَّ السرخسي أيضًا على عدم وجوب البسملة في الوضوء بأنَّ «الله تعالى بيّن أركان الوضوء بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ …﴾ الآية [المائدة: ٦]، ولم يذكر التَّسمِية» (^٢).
واستدل القدوري ﵀ في معرض كلامه على مسألة الترتيب بآية المائدة، وقال: «الواو للجمع، فكأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء؛ فلا يفيد الترتيب» (^٣)، واستدل في مسألة الموالاة بالآية، وقال: «والواو لا توجب الموالاة؛ تقول: رأيت زيدًا وعمرًا، وإن تراخت رؤية أحدهما» (^٤).
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٦).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٥).
(٣) التجريد للقدوري (١/ ١٤٠). وانظر أيضًا: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٥).
(٤) التجريد للقدوري (١/ ١٣٣).
[ ١٤١ ]
واستدل العيني ﵀ على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق بأنَّ الله لم يذكرهما في القرآن (^١).
وأمَّا المالكيَّة: فقد استدل ابن القصار ﵀ على عدم وجوب غسل الكفين عند القيام من نوم الليل بآية المائدة، وقال: «أَمَرَنا بغسل الأربعة الأعضاء، ولم يأمر بغسل اليد قبل ذلك، فلو كان يجب علينا حُكمٌ غيرُ ذلك لذكره، فلا تُوجب غير ما ذُكر إلا بدليل» (^٢)، واستدلَّ على عدم وجوب التَّسمِية قبل الوضوء بالآية كذلك وقال: أوجب الله «علينا عند القيام إلى الصلاة غسل الأربعة الأعضاء، ولم يذكر التَّسمِية، فلا نوجب غير ما أوجبه» (^٣)، واستدل على عدم وجوب الترتيب بالعطف في الآية (^٤).
وأشار إلى هذا السبب القاضي عبد الوهاب ﵀ في مسألة التَّسمِية في الوضوء (^٥)، وابن رشد ﵀ في الخلاف في مسح الأذنين (^٦)، والقرافي ﵀ في المضمضة والاستنشاق (^٧).
وأما الشافعيَّة: فقد استدلَّ الماوردي ﵀ بالآية على عدم وجوب التَّسمِية في الوضوء (^٨)، وعلى أنَّ غسل الكفين للقائم من نوم الليل غير واجب (^٩)، ومشى على
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (١/ ٢٠٨).
(٢) عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (١/ ٧٧).
(٣) عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (١/ ٩٠).
(٤) انظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (١/ ٢١٧). وانظر أيضًا: الذخيرة للقرافي (١/ ٢٧٨).
(٥) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ١١٦).
(٦) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ٢١).
(٧) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٢٧٥).
(٨) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٠١).
(٩) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٠٢).
[ ١٤٢ ]
هذا الروياني ﵀ في المسألتين جميعا (^١)، حتى إن العمراني ﵀ قال: «من قال: يجب غسل اليدين قبل الوجه؛ فقد خالف ظاهر القرآن» (^٢).
ونصَّ على هذا المعنى أيضًا: زكريا الأنصاري ﵀ في مسألتي: التَّسمِية، والمضمضة والاستنشاق (^٣).
وبقي أن يشار إلى أنَّ قول النبي ﷺ ومداومته على بعض هيئات الوضوء محمول عند الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة على الاستحباب لا على الوجوب (^٤).
وأما الحنابلة: فقد نصَّ جماعة منهم على أنَّ الآية مجملة، وأنَّ قول النبي ﷺ أو مواظبته مبيِّنة لذلك الإجمال، فمن ذلك قول ابن قدامة ﵀ في استدلاله على وجوب المضمضة والاستنشاق «كلُّ من وصف وضوء رسول الله ﷺ مستقصيًا، ذكر أنَّه تمضمض واستنشق، ومداومته عليهما تدل على وجوبهما؛ لأنَّ فعله يصلح أن يكون بيانًا وتفصيلًا للوضوء المأمور به في كتاب الله» (^٥)، وبنحو ذلك ذكر ابن أبي عمر (^٦)، وابن المنجَّى (^٧)، وابن تيمية (^٨) ﵏، ويستدل ابن قدامة ﵀ كذلك
_________________
(١) انظر: بحر المذهب للروياني (١/ ٨١، ٨٢). وأنبه إلى أنَّ الروياني غلَّط القول بالوجوب.
(٢) البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ١١٠).
(٣) انظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب (١/ ٣٧، ٣٨).
(٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٥٦)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢١)، المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ١٢٧)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢٧٥)، المجموع شرح المهذب (١/ ٣٦٥).
(٥) المغني (١/ ٨٩).
(٦) انظر: الشرح الكبير على المقنع (١/ ٣٢٩).
(٧) انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ١٤٧).
(٨) يقول ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة كتاب الطهارة (ص: ١٧٨): «الله ﷾ أمر بغسل الوجه مطلقًا، وفسره النبي ﷺ بفعله وتعليمه فتمضمض واستنشق في كل وضوء توضأه، ولم ينقل عنه أنه أخل به أبدًا مع اقتصاره على أقل ما يجزئ حين توضأ مرة مرة، وقال: هذا صفة الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به، وهذا أقصى حد في اقتصار الوجوب من جهة أن فعله إذا خرج امتثالًا لأمر كان حكمه حكم ذلك الأمر في اقتضاء الوجوب».
[ ١٤٣ ]
على وجوب استيعاب الرأس بأنَّ النبي ﷺ «لما توضأ مسح رأسه كله، وهذا يصلح أن يكون مبيِّنا للمسح المأمور به» (^١)، ويقول مستدلًا على وجوب الترتيب: «كلُّ من حكى وضوء رسول الله ﷺ حكاه مرتبًا، وهو مفسِّر لما في كتاب الله تعالى» (^٢)، ويستدلُّ أيضًا على وجوب الموالاة بقوله: «الآية دلت على وجوب الغسل، والنبي ﷺ بيَّن كيفيته، وفسَّر مجمله بفعله وأمره، فإنه لم يتوضأ إلا متواليًا» (^٣).
وينصُّ ابن تيمية ﵀ على هذا المعنى ويقول: «فعله ﷺ خرج امتثالًا للأمر، ولم يتوضأ قطُّ إلا مرتبًا فيكون تفسيرًا للآية، لا سيما ولو كان التنكيس جائزًا لفعله ولو مرَّة ليبين الجواز»، ونحوًا من ذلك قال البهوتي ﵀ (^٤).
وكذلك قال الحنابلة بوجوب التَّسمِية في الوضوء ووجوب غسل الكفين للقائم من نوم الليل؛ لورود السنة القولية بذلك (^٥)، يقول ابن الزاغواني ﵀ مجيبًا عن استدلال الجمهور -في مسألة التَّسمِية في الوضوء-: «أما الآية: فنحن قائلون بموجبها؛ لأنَّ فيها إيجاب غسل الأعضاء وقد أوجبناه، وليس فيها تعرُّض للتسمية بنفي ولا بإيجاب، وقد تضمَّنت السنة إيجابها، فلا بدَّ من القول بالوجوب، كسائر ما لم يذكر في الكتاب وشرع بالسنة» (^٦).
_________________
(١) المغني (١/ ٩٣).
(٢) المغني (١/ ١٠١).
(٣) المغني (١/ ١٠٢).
(٤) انظر: كشَّاف القناع (١/ ٨٣).
(٥) انظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٩)، الانتصار في المسائل الكبار (١/ ٢٥٠)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١٦٨، ١٧٠)، المبدع في شرح المقنع (١/ ٨٦)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ١٥٥).
(٦) المفردات (ص: ٩٣).
[ ١٤٤ ]
والمتأمِّل في جميع ما تقدم يرى اختلاف المسائل واتحاد السبب؛ ولهذا صحَّ -والله أعلم- أن يقال: إنَّ سبب ضيق الحنابلة في باب فروض الوضوء راجع إلى هذا السبب.
وخلاصة الباب:
• أنَّ الجمهور -في الجملة- ذهبوا إلى أنَّ القرآن نصٌّ في فرائض الوضوء، وما جاء في السنَّة ممَّا لم يذكر في القرآن فإنَّه محمولٌ على الاستحباب.
• وأمَّا الحنابلة فإنَّهم حملوا القرآن والسنَّة الفعليَّة والقوليَّة جميعًا على الوجوب، وهذا الأمر آلَ بهم إلى كثرة فرائض الوضوء؛ فنتجَ عن ذلك الضيق في الباب، والله تعالى أعلم.
* * *
[ ١٤٥ ]