بعد بيان ضيق الحنابلة في الباب دون غيرهم من المذاهب يبرز سؤال عن سبب هذا الضيق، ومن خلال النظر في أدلة مسائل الباب يمكن ردُّ الخلاف في الباب إلى سببين، هما: هل النهي الوارد تعبدي أم معلل؟ وهل النهي الوارد للتحريم أم للكراهة؟
فأما السبب الأول: فقد صار الجمهور إلى أن النهي معلل بعلة معقولة المعنى، وإن كان بين المذاهب -بل حتى في المذهب الواحد- اختلاف عريض في ذلك، لكن في الجملة العلة في المجزرة والمزبلة والحمام والحش هي: مظنة النجاسة، والعلة في المقبرة: سد ذريعة الشرك، أو مظنة النجاسة، والعلة في معاطن الإبل: الخشية من نفورها، أو كونها خلقت من الشياطين، أو مظنة النجاسة أيضًا، والعلة في قارعة الطريق: خشية النجاسة أو حصول الأذى للمارة أو منهم، ولهم تفاصيل
[ ١٦٢ ]
في العلل يطول ذكرها. وأما الحنابلة فقالوا: الحكم في جميع ما سبق تعبدي غير معقول المعنى.
وهذا الأمر -وهو الاختلاف في التعليل أم التعبد- آل بالجمهور إلى كراهة الصلاة في هذه المواضع؛ لأن النهي لعلل معقولة، وهي: خشية النجاسة أو الشرك أو نفور الإبل أو أذية المارة، أو نحو هذا، وهذه المعاني أمور ظنيَّة لا توجب التحريم، وإن تحقق زوالها فلا كراهة؛ لأن الأحكام تدور مع العلل وجودًا وعدمًا. أما الحنابلة فصاروا إلى التعبُّد؛ ولذا قالوا بالتحريم مطلقًا.
وقد نص على التعليل والتعبُّد جمع من العلماء:
فمن الحنفيَّة: يقول الكاساني ﵀ «أمَّا معنى النهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة؛ فلكونهما موضع النجاسة. وأمَّا معاطن الإبل فقد قيل: إن معنى النهي فيها أنها لا تخلو عن النجاسات عادة، وقيل: معنى النهي أنَّ الإبل ربما تبول على المصلي فيبتلى بما يفسد صلاته، وهذا لا يتوهم في الغنم. وأمَّا قوارع الطرق فقيل: إنها لا تخلو عن الأرواث والأبوال عادة، فعلى هذا لا فرق بين الطريق الواسع والضيق، وقيل: معنى النهي فيها أنَّه يستضر به المارة، وعلى هذا إذا كان الطريق واسعًا لا يكره، وأمَّا الحمام فمعنى النهي فيه أنَّه مصب الغسالات والنجاسات عادة، فعلى هذا لو صلى في موضع الحمَّامِي لا يكره، وأمَّا المقبرة فقيل: إنما نهي عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود، وقيل: معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات؛ لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه» (^١). وهنا نجد الكاساني ﵀ يُسْهب في بيان العلل الباعثة على المنع، ويشير إلى أنَّ العلة
_________________
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١١٥) بتصرف يسير.
[ ١٦٣ ]
إن تحقق زوالها فلا كراهة، ككلامه في الطريق الواسع إن عُلِّل بخشية الضرر من المارة، وكلامه على الصلاة في موضع الحمَّامي.
وقد نصَّ على أنَّ الحكم في النهي معلَّل: السرخسي (^١)، والطحطحاوي (^٢)، وابن عابدين (^٣) ﵏.
ومن المالكيَّة يقول القرطبي ﵀: «والصحيح ما صار إليه مالك، من كراهة الصلاة في تلك المواضع، لا تمسُّكًا بالحديث، فإنه ضعيف؛ لكن تمسُّكًا بالمعنى» (^٤)، وهذا ظاهر جدًّا في بيان سبب التحريم.
ويقول بهرام ﵀: «وتجوز الصلاة في المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق مع أمن النجاسة لا مع تيقنها» (^٥)، ونجد المؤلف نصَّ على العلة وهي خشية النجاسة، ونجده أيضًا نصَّ على الإباحة إن تحقق زوالها، ونحو هذا ذكر خليل ﵀ في مختصره (^٦).
ويقول النفراوي ﵀ عن الصلاة في الحمام: «النهي للكراهة حيث لم يُوقَن منه بطهارة ولا نجاسة، وإلا فلا كراهة في الأول ويمنع في الثاني» (^٧)، ومراده أنَّ الحكم معقول المعنى، فإن تيقَّن النجاسة فالصلاة ممنوعة، وإن تيقن الطهارة فالصلاة جائزة بلا كراهة، وإن لم يتيقن طهارة المحل ولا نجاسته فيكره عندئذ. ونصَّ على جواز الصلاة في الحمام المتيقَّن طهارته علي بن خلف المنوفي ﵀ (^٨).
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٦).
(٢) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٣٥٧).
(٣) انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٣٧٩).
(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ١١٨).
(٥) الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ٨٨).
(٦) انظر: مختصر خليل (ص: ٢٨).
(٧) انظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٢٨).
(٨) انظر: كفاية الطالب الرباني (١/ ١٦٦).
[ ١٦٤ ]
ومن الشافعيَّة: يقول النووي ﵀: «سبب كراهة أعطان الإبل ما ذكره المصنف والأصحاب، وهو: ما يُخافُ من نفارها بخلاف الغنم فإنها ذات سكينة» (^١).
ويقول الرملي ﵀ عن كراهة الصلاة في المقبرة: «علته محاذاته للنجاسة سواء ما تحته أو أمامه أو بجانبه نص عليه في الأم، وتنتفي الكراهة عند انتفاء المحاذاة» (^٢).
ويقول الشبراملسي ﵀ عن كراهة الصلاة في قارعة الطريق: «ينبغي أنَّ محل الكراهة في ذلك حيث كان ثم من يشغله ولو احتمالًا، أمَّا إذا قطع بانتفاء ذلك؛ ككونه في رحبة خالية ليلًا؛ فلا كراهة، ومثله يقال في الأسواق حيث لم تكن محل معصية» (^٣).
فنجد الشافعيَّة ينصون في جميع محال النهي على العلل في ذلك، بل وينصون على انتفاء الكراهة إذا زالت العلة.
وأما الحنابلة: فقد نصَّ جماعة منهم على أن النهي في الباب تعبدي، منهم الزركشي ﵀ إذ يقول: «والنهي عن الصلاة في هذه المواضع تعبدي عند الأكثرين»، ثم بيَّن أنه على هذا «لا تصح الصلاة في أسطحة هذه المواضع، إذ الهواء يتبع القرار، بدليل تبعه له في مطلق البيع» (^٤).
وقال المرداوي ﵀: «المنع من الصلاة في هذه الأمكنة تعبُّد، على الصحيح من المذهب» (^٥).
_________________
(١) المجموع شرح المهذب (٣/ ١٦١). ومراده بالمصنِّف: الشيرازي صاحب المهذب.
(٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٦٤). بتصرف يسير.
(٣) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٦٣).
(٤) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٣٦).
(٥) الإنصاف (٣/ ٣٠١).
[ ١٦٥ ]
وقال البهوتي ﵀: «والمنع من الصلاة في هذه المواضع تعبد ليس معللًا بوهم النجاسة ولا غيره؛ لنهي الشارع عنها ولم يعقل معناه» (^١).
ونصَّ على أن النهي تعبُّد: الحجاوي (^٢) وابن النجار (^٣) ومرعي (^٤) ﵏.
وهنا كلام لابن تيمية ﵀ فيه بيان سبب عدم أخذ الجمهور بالنهي إذ يقول:» الفقهاء الذين لم ينهوا عن ذلك: إما لأنهم لم يسمعوا هذه النصوص سماعًا تثبت به عندهم، أو سمعوها ولم يعرفوا العلة فاستبعدوا ذلك عن القياس فتأولوه» (^٥).
وقبل أنْ أختم الكلام على هذا السبب أشيرُ إلى أمرين:
الأول: أنَّ بعض المالكيَّة وافقوا الحنابلة في التعبُّد في مسألة معاطن الإبل؛ ولذا ضيَّقوا في المسألة كمذهب الحنابلة (^٦).
والثاني: أنَّ ابن قدامة ﵀ الحنبلي مذهبه أوسع من مذهب الحنابلة في هذا الباب، وهو وسط بين الجمهور والحنابلة، وقد أشار إلى أنَّ الحكم في النهي معلل غير تعبدي، لكن الحكم يعلَّق بالمظنَّة. يقول ﵀ بعد حكايته لقول التعبُّد: «ويحتمل أنَّ المنع في هذه المواضع معلَّل بأنها مظان للنجاسات، فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم، ومعاطن الإبل يبال فيها، فإن البعير البارك كالجدار يمكن أن يستتر به ويبول، ولا يتحقق هذا في حيوان سواها؛
_________________
(١) كشَّاف القناع (١/ ٢٩٥).
(٢) انظر: الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٩٧).
(٣) انظر: منتهى الإرادات (١/ ١٨١).
(٤) انظر: غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى (١/ ١٤٩).
(٥) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٣).
(٦) انظر: القوانين الفقهية (ص: ٣٨)، منح الجليل شرح مختصر خليل (١/ ١٩٤). ويقول الدردير ﵀ في الشرح الكبير (١/ ١٨٩) عن الصلاة في معاطن الإبل: «إن صلى بها أعاد، ولو أمن النجاسة أو فرش فرشًا طاهرًا؛ للتعبُّد».
[ ١٦٦ ]
لأنه في حال ربضه لا يستر، وفي حال قيامه لا يثبت ولا يستر. والحمام موضع الأوساخ والبول، فنهي عن الصلاة فيها لذلك. وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة؛ لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها، ومتى أمكن تعليل الحكم تعيَّن تعليله، وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكّم، فعلى هذا يمكن قصر الحكم على ما هو مظنة منها، فلا يثبت حكم المنع في موضع المسلخ من الحمام، ولا في سطحه؛ لعدم المظنة فيه، وكذلك ما أشبهه» (^١).
_________________
(١) المغني (٢/ ٥٣) بتصرُّف. وانظر أيضًا: الشرح الكبير على المقنع (٣/ ٣٠٠)، الإنصاف (٣/ ٣٠٥). وقال ابن قدامة ﵀ في مسألة أخرى: «التعليل واجب مهما أمكن، وقد أمكن هاهنا، فلا يصار إلى التعبد المحض» المغني (٦/ ٣١٩). وبالجملة فيظهر لي -والله أعلم- أنَّ مذهب الموفق ابن قدامة ﵀ خاصة في ربع العبادات أوسع من مذهب متأخري الأصحاب الذي استقر عليه مذهب الحنابلة الاصطلاحي. وقد استقرأت كتاب الطَّهارة من كتاب الإنصاف فتبيَّن لي توجُّه هذا الاحتمال، وذلك أنَّ ابن قدامة:
(٢) قال بعدم كراهة الماء المتغير بالكافور والعود والدهن، وقال المتأخرون: هو مكروه. انظر: الإنصاف (١/ ٣٩).
(٣) وقال ابن قدامة: الماء إذا تغيَّر أحد أوصافه بطاهر فإنه لا يسلبه الطهوريَّة، وقال المتأخرون: هو طاهر غير مطهر. انظر: الإنصاف (١/ ٥٦).
(٤) وقال ابن قدامة: يصح الوضوء بالماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل، وقال المتأخرون: لا يجوز. انظر: الإنصاف (١/ ٦٨).
(٥) وقال ابن قدامة: التسمية في الوضوء والغسل سنة، وقال المتأخرون: التسمية واجبة. انظر: الإنصاف (٢/ ١٤١).
(٦) وقال ابن قدامة: يسن الختان للنساء، وقال المتأخرون: ختان النساء واجب. انظر: الإنصاف (١/ ٢٦٦).
(٧) وقال ابن قدامة: يسن غسل اليدين للقائم من نوم الليل، وقال المتأخرون: يجب. انظر: الإنصاف (١/ ٢٧٩). =
[ ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٧ - وقال ابن قدامة: لا تجب إدارة الماء في المضمضة في الوضوء، وقال المتأخرون: يجب. انظر: الإنصاف (١/ ٢٨٤).
(٢) وقال ابن قدامة: إن أبطل نيته في الوضوء ثم استأنفها ولم يطل الفاصل لم يعد ما غسله، وقال المتأخرون: إن أبطل نيته بطل ما مضى ولزمه الاستئناف. انظر: الإنصاف (١/ ٣٢٠).
(٣) وقال ابن قدامة: لا يجب مسح الأذنين في الوضوء، وقال المتأخرون: مسحهما واجب. انظر: الإنصاف (١/ ٣٥٣).
(٤) وقال ابن قدامة: لا يكره نفض اليدين بعد الوضوء، وقال المتأخرون: نفضهما مكروه. انظر: الإنصاف (١/ ٣٧٣).
(٥) وقال ابن قدامة: لا يشترط تقدم الطهارة في جواز المسح على الجبيرة، وقال المتأخرون: تقدم الطهارة شرط. انظر: الإنصاف (١/ ٣٩٢، ٤٣٥).
(٦) وقال ابن قدامة: لا ينقض الوضوء غسل الميت، وقال المتأخرون: غسله ناقض. انظر: الإنصاف (٢/ ٥٢).
(٧) وقال ابن قدامة: يجب الغسل بخروج المني فقط، وقال المتأخرون: يجب بانتقاله ولو لم يخرج. انظر: الإنصاف (٢/ ٨٧).
(٨) وقال ابن قدامة: لا يجب على الكافر إذا أسلم الغسل إلا أن يوجد منه حال كفره ما يوجب الغسل، وقال المتأخرون: يجب الغسل مطلقا. انظر: الإنصاف (٢/ ٩٨).
(٩) وقال ابن قدامة: لا يجب نقض شعر الرأس في غسل المحيض، وقال المتأخرون: النقض واجب. انظر: الإنصاف (٢/ ١٣٧).
(١٠) ومال ابن قدامة إلى عدم وجوب الترتيب في التيمم، وقال المتأخرون: الترتيب واجب. انظر: الإنصاف (٢/ ١٩٠).
(١١) وقال ابن قدامة: يكفي في إزالة النجاسات من غير الخنزير والكلب زوال عينها بالماء، وقال المتأخرون: يجب غسلها سبع مرات. انظر: الإنصاف (٢/ ٢٨٦).
(١٢) وقال ابن قدامة: يطهر أسفل الخف والحذاء بالدلك، وقال المتأخرون: لا يكفي، ويجب الغسل. انظر: الإنصاف (٢/ ٣١٢).
(١٣) وقال ابن قدامة: البغل والحمار طاهران، وقال المتأخرون: نجسان. انظر: الإنصاف (٢/ ٣٥٤).
(١٤) ومال ابن قدامة إلى عدم وجوب الكفارة في وطء الحائض، وقال المتأخرون: تجب الكفارة وهي دينار أو نصف دينار. انظر: الإنصاف (٢/ ٣٧٧). =
[ ١٦٨ ]
والسبب الثاني: اختلاف الحنابلة مع الجمهور في النهي الوارد عن الصلاة في هذه المواضع هل نهي تحريم أم كراهة؟ فالجمهور حملوا النهي على الكراهة، والحنابلة حملوه على التحريم، والذي حمل الجمهور على الكراهة أمران:
الأول: أنَّ أحاديث النهي غير سالمة من المعارضة؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ أطلق إباحة الصلاة في جميع المواضع كما في حديث جابر ﵁ مرفوعًا: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، …» الحديث (^١)، فالعموم في الحديث: قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
والأمر الثاني: أنَّ أحاديث النهي -باستثناء معاطن الإبل- متكلَّم في ثبوتها من حيث الجملة، وقد تقدَّم في تخريجها ما يوضح هذا المعنى، أمَّا حديث (جُعِلَتْ لِيَ
_________________
(١) = ٢١ - وقال ابن قدامة: المبتدأة تجلس أكثر الحيض، وقال المتأخرون: تجلس يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي فإذا طهرت اغتسلت مرة ثانية، وإن تكرر ذلك ثلاث مرات أعادت ما صامت في حيضها. انظر: الإنصاف (٢/ ٤٠٠).
(٢) وقال ابن قدامة: إن تغيرت عادة الحائض بزيادة أو تقدم أو تأخر فإنها تصير إليه من غير تكرار، وقال المتأخرون: لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة، حتى يتكرر ثلاثا. انظر: الإنصاف (٢/ ٤٣٧) وقال المرداوي عن قول الموفق: «قلت: وهو الصواب، وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره».
(٣) وقال ابن قدامة: إن انقطع دم النفساء في الأربعين ثم عاد فهو نفاس، وقال المتأخرون: هو دم مشكوك فيه تصلي وتصوم وتقضي الصوم الواجب إذا طهرت. انظر: الإنصاف (٢/ ٤٧٦). فهذه ثلاث وعشرون مسألة تُبيِّن سعة ابن قدامة ﵀ وضيق متأخري الحنابلة في كتاب الطهارة فقط. وبالجملة فإنما ذكرت هذا استظهارًا؛ لأنَّ الجزم بهذا التقعيد يحتاج إلى استقراء أعمق، ونظرٍ أوسع. ثم يُحتاج كذلك -بعد التأكد من صحة هذا التقعيد- إلى دراسة الأسباب الباعثة على توسع ابن قدامة، والله أعلم.
(٤) أخرجه البخاري في (كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) (١/ ٩٥) رقم (٤٣٨)، ومسلم في (كتاب المساجد ومواضع الصلاة) (٢/ ٦٣) رقم (٥٢١).
[ ١٦٩ ]
الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) فمتفق على صحته، وبهذا فلا تنهض هذه الأحاديث على تحريم الصلاة في هذه المواضع.
وأمَّا الحنابلة فالذي حملهم على القول بالتحريم تمسكهم بالأصل، وهو: أنَّ النهي المطلق يدل على التحريم، وأما حديث جابر ﵁ فقالوا: إنه عام والأحاديث المانعة خاصة، والخاص مقدم على العام. ورأوا أنَّ الأحاديث الواردة في النهي أحاديث صحيحة، وعلى ذلك فالعمل بها متحتِّم.
وقد ألمح إلى هذا عموم السبب بعض علماء المذاهب:
فمن المالكيَّة: يقول ابن عبد البر ﵀: «كل موضع طاهر فجائز الصلاة فيه لعموم قول رسول الله ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَحَيْثُ مَا أَدْرَكتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلّ» (^١).
ويقول ابن رشد ﵀: «وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب » (^٢)، ثم ذكر الأحاديث وطريقة تلقي المذاهب لها، وقال: «وأمَّا من ذهب مذهب بناء الخاص على العام فقال: حديث الإباحة عام، وحديث النهي خاص، فيجب أن يُبْنَى الخاص على العام. فمن هؤلاء من استثنى السبعة مواضع، ومنهم من استثنى الحمام والمقبرة، وأمَّا من ذهب مذهب الجمع ولم يستثن خاصًّا من عام فقال: أحاديث النهي محمولة على الكراهة، والأول على الجواز» (^٣)، وأشار إلى قريب من هذا القرافي ﵀ (^٤).
_________________
(١) الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٤٢).
(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ١٢٥).
(٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ١٢٦) بتصرف.
(٤) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٩٦).
[ ١٧٠ ]
ومن الشافعيَّة: يقول الشافعي ﵀ عن الصلاة في معاطن الإبل: «وأكره له ذلك؛ لنهي النبي ﷺ وإن كان نهيه على الاختيار» (^١).
ويقول البيهقي ﵀ فيما ورد من النهي عن الصلاة في بعض المواضع: «كلُّ ذلك على وجه الكراهية إذا لم يعلم في الموضع الذي تصيبه ببدنه وثيابه نجاسة؛ لما روينا في الحديث الثابت عن النبي ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طيِّبَة طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأَيُّما رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ صَلَّى حَيْثُ كَان»» (^٢).
وقال العمراني ﵀ مستدلًّا على جواز الصلاة في الحمَّام: «دليلنا: أنه موضع طاهر، فصحت الصلاة فيه؛ كسائر المواضع، والخبر نحمله: على الاستحباب، بدليل «وحَيْثُ مَا أَدْرَكتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلّ»» (^٣). ومراده بالاستحباب هو: استحباب الترك، وكراهة الصلاة فيه، ونص على التعارض بين الحديثين ابن حجر ﵀ (^٤).
ومن الحنابلة: يقول أبو يعلى ﵀ في جوابه على استدلال الجمهور بعموم حديث جابر: «قد روينا في خبر آخر زيادة، وأنه قال: «إلا المَقْبَرة والحَمَّام»، والأخذُ بالزيادة أولى».
وينصُّ ابن قدامة ﵀ على تقديم الخاص على العام في مسألة الصلاة في معاطن الإبل والحمام والمقبرة (^٥).
_________________
(١) انظر: مختصر البويطي (ص: ٢٨٨).
(٢) سنن البيهقي (٢/ ٤٣٥).
(٣) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ١١١).
(٤) انظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ٢٤٦).
(٥) المغني لابن قدامة (٢/ ٥١).
[ ١٧١ ]
وهنا تنبيه، وهو: أنه ترتَّب على القول بتحريم الصلاة في هذه المواضع فساد الصلاة عند الحنابلة، وسبب ذلك: أنهم قالوا: إنَّ النهي في مسائل الباب مقتضٍ للفساد، ولخَّص مذهب الحنابلة في مسألة اقتضاء النهي الفساد ابن رجب في قواعده (^١)، وحاصل ما قال: أنَّ النهي إذا عاد إلى ذات العبادة، أو إلى شرط فيها -سواء كان الشرط مختصا بالعبادة أو غير مختص بها- فإنَّ العبادة لا تصح (^٢)، وأمَّا إذا عاد النهي إلى غير شرط فيها فإن العبادة تصح (^٣).
ولاقتضاء النهي الفساد قال الحنابلة بفساد الصلاة في الأرض المغصوبة، وذلك أنَّ الإجماع -كما تقدَّم- منعقد على تحريم الصلاة فيها، لكنَّ الحنابلة جعلوا النهي في هذه الحالة يعود إلى شرط في العبادة، والنهي في هذه الحالة يقتضي الفساد كذلك (^٤)، والجمهور ينازعونهم في ذلك ويرون أن بين الجهتين انفكاكًا، فعلى ذلك تصح الصلاة مع حصول الإثم (^٥). وهذه المسألة وهي مسألة اقتضاء النهي
_________________
(١) ذكر ذلك في القاعدة التاسعة من قواعده. انظر: القواعد (ص: ١٢). وانظر أيضا: العدة في أصول الفقه (٢/ ٤٣٢)، أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٧٣٠)، التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨٦).
(٢) يمثل للشرط المختص بالعبادة باجتناب النجاسة في الصلاة، فالمصلي إذا صلى بالنجاسة فصلاته باطلة لا تصح، واجتناب النجاسة مطالب به المصلي دون غيره، ويمثل للشرط غير المختص بالعبادة بستر العورة، فستر العورة مطالب به المصلي وغير المصلي. انظر: المصدر السابق.
(٣) ويمثل لذلك بالمصلي إذا صلى وعليه خاتم ذهب، أو توضأ من آنية محرمة كآنية الذهب والفضة، فليس من شرط الصلاة عدم لبس خاتم الذهب، وليس من شروط الوضوء أيضًا الآنية، وعلى ذلك فالنهي والحالة هذه ليس بمفسد للعبادة. انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: الممتع في شرح المقنع لابن المنجى (١/ ٣٢٠)، شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٢٨٠)، كشَّاف القناع (١/ ٢٩٥).
(٥) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١١٦)، التاج والإكليل لمختصر خليل (٢/ ١٩٣)، المهذَّب للشيرازي (١/ ١٢٣)، ويقول ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة - كتاب الصلاة (ص: ٢٧٩): «قولهم النهي لمعنى في غير المنهي عنه وهي مأمور بها من وجه آخر ليس بجيد؛ لأن هذه الصلاة المعينة لم يأمر الله بها قط، بل نهى عنها لمعنى فيها ولمعنى في غيرها، فإنَّ التقرُّب إلى الله بالحركات المحرمة وبالزينة المحرمة توجب أن تكون المفسدة في نفس حركات الصلاة، ونفس الزينة التي هي شرط الصلاة».
[ ١٧٢ ]
الفساد مسألة أصولية مشهورة في غاية الأهمية، حتى أُلِّف فيها على الانفراد (^١)، ومسألة الباب -وهي الصلاة في الأرض المغصوبة- مثال واضح على ذلك، بل إنَّ كثيرًا من الأصوليين والفقهاء يُسمي هذه المسألة بمسألة الصلاة في الأرض المغصوبة، حتى صار هذا المثال لقبًا للمسألة الأصوليَّة.
وخلاصة الباب: أنَّه باجتماع هذين السببين، وهما:
• كونُ النهي الوارد تعبُّدًا غير معقول المعنى.
• وأنَّ أحاديث النهي محمولة على التحريم لا على الكراهة.
يتضح سبب ضيق الحنابلة في باب مواضع الصلاة وسعة غيرهم، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) من ذلك: رسالة تحقيق المراد في أنَّ النهي يقتضي الفساد للعلائي ﵀. وقال في مقدمتها (ص: ٦٠): «مسألة اقتضاء النهي الفساد من مهمات الفوائد وأمهات القواعد لرجوع كثير من المسائل الفرعية إليها وتخريج خلاف الأئمة في مآخذهم عليها»، وقد أفرد القرافي ﵀ الفرق السبعين في الكلام على مسألة اقتضاء النهي الفساد إذ يقول: «الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها هذا الفرق بالغ أبو حنيفة في اعتباره …، وبالغ قبالته أحمد بن حنبل في إلغاء هذا الفرق حتى أبطل الصلاة بالثوب المغصوب»، انظر: أنوار البروق في أنواء الفروق (٢/ ٨٢). وبين في الفرق الثالث بعد المائة الفرق بين صحة الصلاة في الدور المغصوبة وعدم صحة الصوم يوم العيد انظر: (٢/ ١٨٢).
[ ١٧٣ ]