من خلال ما تقدم يظهر جليًّا ضيق الحنابلة في باب واجبات الصلاة وأركانها دون غيرهم، ويظهر أيضًا أنَّ الحنفيَّة أوسع المذاهب في الباب، ومن خلال النظر
_________________
(١) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ١٠٥)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٨).
(٢) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (١/ ٩٦)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٢)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ٤٩١)، الشرح الكبير على المقنع (٣/ ٤٥٩)، كشَّاف القناع (١/ ٣٩٠).
(٣) الحديث متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ فأخرجه البخاري في (كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر) (١/ ١٥١) رقم (٧٥٦) ومسلم في (كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة فِي كل ركعة) (٢/ ٨) رقم (٣٩٤).
(٤) ذكر أبو الخطاب في الانتصار في المسائل الكبار (٢/ ٢٨٠) نحوًا من هذا المعنى، وهو أنَّ المحل إذا كان غير واجب فالذكر فيه غير واجب.
[ ٢٠١ ]
في أدلة آحاد المسائل المختلف فيها في الباب، والنظر في أصول المذاهب، يمكن التوصل إلى سبب اختلاف المذاهب الأربعة في السعة والضيق في الباب:
وذلك أنَّ الحنابلة جعلوا فعل النبي ﷺ محمولًا على الوجوب في الجملة بدليل قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^١)، وكذلك حملوا أوامر الشارع في صفة الصلاة على الوجوب أيضًا، ولم يقيِّدوا الواجبات بما جاء في القرآن أو بما جاء في حديث المسيء صلاته (^٢)؛ لاحتمال أنَّ النبي لم يعلمه إلا ما أساء فيه.
وأمَّا المالكيَّة والشافعيَّة فإنهم جعلوا العمدة في الأركان حديث الأعرابي المسيء صلاته، فما لم يرد فيه فهو من قبيل المستحبات، وهذا في الجملة؛ إذ قد يقولون بركنية ما لم يرد في الحديث لأسباب أخرى، كما قال الشافعيَّة بوجوب الصلاة على النبي ﷺ مع عدم وروده في الحديث، وأشير هنا: إلى أن المالكيَّة أشد تمسُّكًا بالحديث من الشافعيَّة؛ ولذا كانت الأركان عندهم أقل من الشافعيَّة فلم يقولوا بركنية التشهد الأخير والصلاة على النبي فيه؛ لعدم ذكرها في حديث المسيء صلاته، وقد تقدم ذكر هذا في المسائل الشواهد.
وأمَّا الحنفيَّة فإن سعتهم في الباب راجعة -والله أعلم-إلى مسألتين من مسائل الأصول:
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) الحديث روي بألفاظ متعددة، وأصلُ الحديث متفق عليه عن أبي هريرة ﵁، إذ أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه» منها في (كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر) (١/ ١٥٢) رقم (٧٥٧)، ومسلم في (كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة فِي كل ركعة) (٢/ ١٠) رقم (٣٩٧). وقد قال ابن الرفعة في كفاية النبيه في شرح التنبيه (٣/ ٢٥٣): «هذا الخبر يعرف بخبر المسيء في صلاته».
[ ٢٠٢ ]
الأولى: أنَّ الزيادة على النصِّ نسخ، وقد انفردوا عن الجمهور بهذا القول؛ إذ الجمهور على أن الزيادة على النصِّ تخصيص لا نسخ (^١). والمسألة الثانية: أنَّ خبر الآحاد لا ينسخ القرآن (^٢).
فنتج عن هذا التقرير: أنَّ ما ورد في السنة من أخبار الآحاد لا يمكن أن حمله على الفرضية؛ لأنَّ القرآن قد جاء بفروض الصلاة، ثم ما جاء في السنة لو حمل على الفرضية كان زيادة على النص، وهي على ما تقرَّر نسخ لا تخصيص، والقرآن لا يُنْسخ بخبر الآحاد؛ فلا يمكن إلا أن تكون خارجة عن دائرة الفروض؛ ولهذا لم يقل الحنفيَّة بركنيَّة قراءة الفاتحة، ولا الطمأنينة، ولا الجلسة بين السجدتين، ولا الرفع من الركوع مع ورود جميع ذلك صريحًا صحيحًا في السنَّة.
وقد نصَّ على هذا المعنى علماء المذاهب الأربعة:
فمن الحنفيَّة يقول الكاساني ﵀ في تعقُّبِه لقول من قال بوجوب التسبيح في السجود والركوع: «هذا فاسد؛ لأنَّ الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقًا عن شرط التسبيح فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد» (^٣)، ونحو هذا قول الكاساني ﵀
_________________
(١) انظر: تقويم الأدلة في أصول الفقه (ص: ٢٣١)، التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام (٢/ ٢١٨)، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول (ص: ٥٩٦)، تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٣/ ٤٣١)، التبصرة في أصول الفقه (ص: ٢٧٦)، الغيث الهامع شرح جمع الجوامع (ص: ٣٧٩)، المسودة في أصول الفقه (ص: ٢٠٧)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٩١). ومن أوسع من تكلَّم على هذه المسألة ابن القيِّم ﵀ في إعلام الموقعين (٤/ ٩٣) وقد ردَّ مذهب الحنفيَّة من اثنين وخمسين وجهًا.
(٢) انظر: أصول السرخسي (٢/ ٦٧)، الكافي شرح البزدوي (٣/ ١٥٣٠).
(٣) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢٠٨). والمتعقَّب في المسألة هو: أبو مطيع البلخي تلميذ أبي حنيفة. وانظر أيضًا: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ١١٥)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ٣٣٣).
[ ٢٠٣ ]
أيضًا في مسألة السجود على الأعضاء السبعة (^١).
واستدلَّ الزيلعي ﵀ على عدم ركنيَّة قراءة الفاتحة بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ثم قال: «الزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز، ولكنه يوجب العمل به» (^٢)، يريد بذلك أنها واجبة لا ركن.
ومن قبله يقول الجصاص ﵀ في المسألة نفسها: «فإن قال قائل: قد بيَّن النبي ﷺ مراد الله تعالى بقوله ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] بقوله: «لا صَلَاةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» (^٣). قيل له: لا يجوز أن يكون هذا القول بيانا لمراد الآية على حسب ما ذهبت إليه؛ لأنَّ فيه إسقاط التخيير، وهو نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد، فالواجب-إذا كان هذا هكذا- حمله على وجه لا يضاد حُكم القرآن، وهو أن يكون لنفي الفضل، لا لنفي الأصل» (^٤)، ومثل ذلك قال السرخسي ﵀ (^٥).
واستدل الموصلي ﵀ على إجزاء أيِّ لفظ في التعظيم في تكبيرة الإحرام بقوله: ﴿(١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ [الأعلى: ١٥]، ثم قال: «نزلت في تكبيرة الافتتاح فقد اعتبر مطلق الذكر، وتقييد الكتاب بخبر الواحد لا يجوز» (^٦).
ورد الزيلعي ﵀ استدلال من قال بفرضيَّة السلام بحديث «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١٠٥).
(٢) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ١٠٥).
(٣) الحديث متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت ﵁، إذ أخرجه البخاري في (كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر) (١/ ١٥١) رقم (٧٥٦) ومسلم في (كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة فِي كل ركعة) (٢/ ٨) رقم (٣٩٤).
(٤) شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٨٩).
(٥) انظر: المبسوط (١/ ١٩).
(٦) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٨).
[ ٢٠٤ ]
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (^١) بقوله: «ما رواه -إن صح- لا يفيد الفرضيَّة؛ لأنَّها لا تثبت بخبر الواحد، وإنما يفيد الوجوب» (^٢).
ونقل ابن عابدين عن القرماني -رحمهما الله- قولَه في عدم وجوب الطمأنينة -وتسمَّى عند الحنفيَّة بتعديل الأركان-: «الأمر بإعادة الصلاة لترك تعديل الأركان لم يكن موافقًا للنصِّ القطعي، بل وقع مخالفا لإطلاقه، فلا يكون تعديل الأركان فرضًا. بيانه: أنَّ الله تعالى أمر بالركوع وهو انحناء الظهر، وبالسجود وهو الانخفاض لغة، فتتعلَّق الركنية بالأدنى فيهما؛ لأنَّ الأمر بالفعل لا يقتضي الدوام ويتعلق الكمال بالسنية؛ لئلا يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد؛ إذ الزيادة نسخ على ما عرف في الأصول» (^٣).
وهذه النُّصوص -مع اختلاف المسائل واتحاد السبب- دالَّة على سبب التوسع عند الحنفيَّة.
ومن المالكيَّة ينص غير واحد منهم على أنَّ المعوَّل عليه في الأركان هو حديث الأعرابي المسيء صلاته (^٤)، والقاضي عبد الوهاب ﵀ مثال جليٌ لذلك، إذ استدلَّ
_________________
(١) تقدم تخريجه في المطلب السابق.
(٢) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ١٢٥).
(٣) منحة الخالق على البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ٣٠٠).
(٤) منهم الفاكهاني ﵀ إذ يقول في رياض الأفهام (٢/ ٢٦٢): «هذا الحديث أصل في تعيين واجبات الصلاة وحصرها، وقد جرت عادة الفقهاء بالاحتجاج به كثيرا على وجوب ما ذكر فيه، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه»، ولما حكى زروق ﵀ في شرحه (١/ ٢٢٦) الخلاف في حكم الطمأنينة في الصلاة قال: «وأصل الباب في حديث أبي هريرة ﵁ …، فأخذ منه علماؤنا وجوب الطمأنينة والاعتدال قالوا: ولم يذكر له ﵇ إلا الواجبات». وانظر أيضا: الأحاديث التي قيل: إنها أصل في العبادات، رسالة دكتوراه لأخي: د. عاصم العودة (ص: ٤٢١).
[ ٢٠٥ ]
بحديث المسيء صلاته على عدم فرضية التسبيح في الركوع والسجود (^١)، وعلى عدم فرضية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة (^٢)، وكذلك استدل بالحديث على عدم وجوب التشهد الأول والأخير في الصلاة من وجهين:» أحدهما: أنَّ التشهد لو كان مفروضًا لعلمه إياه مع علمه بأنَّه لا يحسن الصلاة. والآخر: قوله «فقد تمت صلاتك» فحكم بتمامها مع عدم هذا» (^٣)، واستدل بالحديث أيضًا على فرضيَّة الطمأنينة (^٤)، وعلى فرضيَّة الرفع من الركوع على من قال بعدم فرضيتها، وهم الحنفيَّة (^٥).
واستدل القرافي ﵀ بعدم ذكر التشهدين الأول والثاني في الحديث على سنِّيتهما (^٦)، وبعدم ذكر تكبيرات الانتقال في الحديث على عدم وجوبها (^٧).
واستدل المازري والقرافي -رحمهما الله- على عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود بعدم ذكرها في حديث الأعرابي (^٨).
واستدل ابن بزيزة ﵀ على وجوب الطمأنينة بالحديث كذلك (^٩).
وذكر ابن رشد الحفيد ﵀ سبب الخلاف في تكبيرات الانتقال فقال: «سبب اختلاف من أوجبه كله ومن أوجب منه تكبيرة الإحرام فقط: معارضة ما نقل من قوله
_________________
(١) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٤٤).
(٢) انظر: المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ٢٢٤).
(٣) الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٥١).
(٤) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٤٨).
(٥) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٤٦).
(٦) انظر: الذخيرة (٢/ ٢١٢).
(٧) انظر: الذخيرة (٢/ ٢١٠).
(٨) انظر: شرح التلقين (١/ ٥٥٦)، الذخيرة (٢/ ٢٢٤).
(٩) انظر: روضة المستبين في شرح كتاب التلقين (١/ ٣٣٠).
[ ٢٠٦ ]
لما نقل من فعله ﵊ فأمَّا ما نقل من قوله فحديث أبي هريرة المشهور أنَّ النبي ﵊ قال للرجل الذي علَّمه الصلاة: «إِذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ، فَأَسْبِغ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِل القِبْلَةَ، ثُمَّ كَبِّر، ثُمَّ اقْرَأ» (^١)، فمفهوم هذا هو أنَّ التكبيرة الأولى هي الفرض فقط، ولو كان ما عدا ذلك من التكبير فرضًا لذكره له كما ذكر سائر فروض الصلاة» (^٢)، بل قال ابن رشد عن حديث المسيء صلاته: «على هذا الحديث عوَّل كل من رأى أنَّ الأصل [أنَّ] لا تحمل أفعاله ﵊ في سائر أفعال الصلاة مما لم ينص عليها في هذا الحديث على الوجوب حتى يدل الدليل على ذلك، ومن قبل هذا لم يروا رفع اليدين فرضا ولا ما عدا تكبيرة الإحرام والقراءة من الأقاويل التي في الصلاة» (^٣).
وأما الشافعيَّة فقد نصَّ جملة منهم على هذا المعنى، وعلى رأسهم إمامهم الشافعي ﵀؛ إذ يقول مستدلًّا بحديث المسيء صلاته على عدم وجوب بعض أفعال الصلاة بقوله: «رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي صلاة لم يحسنها فأمره بالإعادة، ثم صلاها فأمره بالإعادة، فقال له: يا رسول الله، علمني، فعلَّمه رسول الله ﷺ الركوع والسجود والرفع والتكبير للافتتاح، وقال: «فإذا جِئْتَ بِهَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» ولم يعلِّمْهُ ذكرًا في ركوع ولا سجود ولا تكبيرًا سوى تكبيرة الافتتاح ولا قول سمع الله لمن حمده، فقال له: «فإِذَا فَعَلْتَ هَذَا فَقَد تمَّتْ صَلَاتُكَ وَمَا نَقَصْتَ مِنْهُ فَقَدْ نَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ» فدلَّ ذلك على أنَّه علَّمه ما لا تجزئ الصلاة إلا به وما فيه ما يؤديها عنه، وإن كان الاختيار غيره» (^٤).
_________________
(١) هو حديث المسيء صلاته المتقدم تخريجه آنفًا.
(٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ١٢٩).
(٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ١٤٤). وما بين المعقوفتين زيادة يستقيم بها المعنى، من طبعة د. عبد الله الزاحم -حفظه الله- للكتاب (٢/ ١٤٤).
(٤) الأم (١/ ١٣٣). وانظر أيضًا (١/ ١٢٤).
[ ٢٠٧ ]
والنووي ﵀ مثال ظاهر في بيان ذلك؛ إذ يقول: «التسبيح وسائر الأذكار في الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام، كلُّ ذلك سنَّة ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم وصلاته صحيحة سواء تركه عمدًا أو سهوًا، لكن يكره تركه عمدًا هذا مذهبنا …، واحتج الشافعي بحديث المسيء صلاتَه فإنَّ النبي ﷺ علَّمه واجبات الصلاة ولم يعلمه هذه الأذكار مع أنَّه علَّمه تكبيرة الإحرام والقراءة، فلو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها، بل هذه أولى بالتعليم لو كانت واجبة؛ لأنَّها تقال سرًا وتخفى، فإذا كان الركوع والسجود مع ظهورهما لا يعلمها فهذه أولى» (^١).
ويقول عميرة ﵀ عن التسبيح في الركوع والسجود: «العمدة في عدم وجوب هذه الأذكار ونحوها مع قوله ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٢) عدم ذكرها للمسيء صلاته» (^٣).
والاستدلال بالحديث عند الشافعيَّة يكون من طرفين، فما ذُكر في الحديث فهو واجب، وما لم يذكر فالأصل أنَّه ليس بواجب، يقول ابن دقيق ﵀ مقرِّرًا هذا:
_________________
(١) المجموع شرح المهذب (٣/ ٤١٤) بتصرّف. والنَّووي ينصُّ في غير موضع على أنَّ الحديث موضوع لبيان الواجبات، ويستعمله في ثلاثة أحوال: الأول: بيان عدم وجوب بعض الأفعال؛ لعدم ورودها في الحديث كما تقدم في النقل، والثاني: بيان وجوب بعض الأفعال؛ لورودها في الحديث كوجوب الطمأنينة والاعتدال من الركوع، والثالث: يكون ردَّا على من قال بعدم سنيَّة بعض الأفعال؛ لعدم ذكرها في الحديث؛ إذ الحديث موضوع في الواجبات لا في السنن ولهذا لم تذكر فيه، ومثال ذلك: قبض اليدين ودعاء الاستفتاح والتعوذ وجلسة الاستراحة ونحوها. انظر: المجموع شرح المهذب (٣/ ٣١٣، ٣٢١، ٣٢٦، ٣٦٢، ٤٠٨، ٤١٩، ٤٤٣).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) كنز الراغبين مع حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٧٦). وانظر أيضًا: حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩).
[ ٢٠٨ ]
«تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه: فلتعلق الأمر به، وأما عدم وجوب غيره: فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد على ذلك. وهو أنَّ الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر. ويقوِّي مرتبة الحصر: أنه ﷺ ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدلُّ على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط. فإذا تقرَّر هذا: فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه. وكلُّ موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه؛ لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم، من كونه موضع تعليم. وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات» (^١).
ومما سبق يظهر جليًّا أنَّ الحديث أصلٌ في أركان الصلاة عند الشافعيَّة. وقد نصَّ الماوردي على أصالة حديث المسيء صلاته في صفة الصلاة (^٢).
وأما الحنابلة: فإنَّ سبب انفرادهم بالقول بركنية أو وجوب جملة من أفعال الصلاة وأقوالها أنهم جعلوا فعل النبي ﷺ ومداومته دليل على الوجوب لقوله:
_________________
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٥٧).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٢/ ١١٧، ١١٨)، وذكر أيضًا أن حديث أبي حميد ﵁ أصل كذلك في الصلاة. إذ يقول: «اعلم أنَّ صفة الصلاة وهيئات أركانها مأخوذة من خبرين هما العمدة في الصلاة، أحدهما: حديث [أبي] حميد الساعدي ﵁، والثاني: تعليم رسول الله ﷺ الصلاةَ الأعرابي» وحديث أبي حميد أخرجه البخاري في (كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد) (١/ ١٦٥) رقم (٨٢٨). وقد وقع في المطبوع خطأ، فجاء في النص (ابن) بدل (أبي).
[ ٢٠٩ ]
«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^١)، مع أخذهم بحديث المسيء صلاته وغيره مما جاء الأمر صريحًا به في السنَّة؛ وبهذا اتَّسعت دائرة الأركان والواجبات عند الحنابلة دون غيرهم.
وقد نصَّ على هذا المعنى عامَّتُهم، يقول ابن قدامة ﵀ في كلامه على جملة من واجبات الصلاة: «المشهور عن أحمد أنَّ تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول، واجب … وعن أحمد: أنه غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن النبي ﷺ لم يعلمه المسيء في صلاته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، … ولنا، أنَّ النبي ﷺ أمر به، وأمره للوجوب، وفَعَلَه. وقال «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٢)، ثم أجاب عن حديث المسيء بأجوبة منها: «أنَّ النبي ﷺ لم يعلمه كلَّ الواجبات، بدليل أنَّه لم يعلمه التشهد ولا السلام، ويحتمل أنَّه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه» (^٣).
وابن المنجَّى ﵀ مثال واضح في الباب إذ يستدلُّ بفعل النبي ﷺ على ركنيَّة الجلسة بين السجدتين (^٤)، والركوع (^٥)، والتشهد الأخير (^٦)، والجلوس له (^٧)، والترتيب (^٨). واستدل كذلك بفعل النبي ﷺ على وجوب: تكبيرات الانتقال (^٩)،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) المغني (١/ ٣٦٢) بتصرف. وانظر أيضًا: المغني (١/ ٣٨٢، ٣٩٥).
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ٣٩٣).
(٥) المصدر السابق.
(٦) انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ٣٩٤).
(٧) المصدر السابق.
(٨) المصدر السابق.
(٩) انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ٣٩٥).
[ ٢١٠ ]
والتسميع (^١)، والتحميد (^٢)، والتشهد الأول (^٣)، والجلوس له (^٤)، وهذا مبيِّنٌ لأثر فعل النبي ﷺ عند الحنابلة في الباب.
واستدلَّ الزركشي ﵀ على وجوب التسميع والتحميد والدعاء بالمغفرة بين السجدتين: بـ «أنَّ النبي ﷺ قال ذلك، وواظب عليه، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»» (^٥).
واستدل ابن مفلح الحفيد ﵀ على وجوب الدعاء بالمغفرة بين السجدتين بأنَّه لم يُنقل عن النبي ﷺ أنَّه تركه (^٦).
وقال البهوتي في شرح كلام الحجاوي -رحمهما الله- في كلامه على التسليم في الصلاة: «(إن نكَّر السلام) كقوله: سلام عليكم، أو عرَّفه بغير اللام، كسلامي أو سلام الله عليكم، (أو نكَّسه فقال:) عليكم سلام أو (عليكم السلام، أو قال السلام عليك: بإسقاط الميم، أو نكَّسه في التشهد، فقال: عليك السلام أيها النبي: أو علينا السلام وعلى عباد الله لم يجزئه)؛ لمخالفته لقوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٧). وبهذا النقل وما قبله يتضح سبب ضيق الحنابلة في الباب دون غيرهم من المذاهب.
_________________
(١) انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ٣٩٦).
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ٣٩٧).
(٤) المصدر السابق.
(٥) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٨).
(٦) انظر: المبدع في شرح المقنع (١/ ٤٤٣).
(٧) كشَّاف القناع (١/ ٣٦٢)، والحديث تقدم تخريجه.
[ ٢١١ ]
وخلاصةُ الباب:
• أنَّ ضيق الحنابلة في الباب ناتج من حملهم أوامر الشارع عمومًا في القرآن والسنة على الوجوب، وامتازوا عن غيرهم بحملهم أفعال النبي ﷺ في الباب على الوجوب؛ لحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^١).
• وأنَّ الحنفيَّة أوسع المذاهب في الباب؛ لأنَّ الأصل في الأركان هو ما جاء في القرآن فقط.
• وأنَّ المالكيَّة والشافعيَّة وسط بين الحنفيَّة والحنابلة لأخذهم بالقرآن، وبما جاء صريحًا من أقوال النبي ﷺ، ولم يحملوا أفعاله على الوجوب وإنما على الاستحباب. والمالكيَّة أوسع مذهبًا في الباب من الشافعيَّة لشدة تمسكهم بحديث المسيء صلاته.
وأختم الباب بالقول:
إنَّ هذا السبب قد مرَّ في باب فروض الوضوء، والكلام في هذا الباب مقارب للكلام في باب فروض الوضوء خلافًا ومذهبًا. وهذا يبيِّن عظيم طَردِ المذاهب لأقوالها، وعظيم تمسكها بأصولها، ومعرفة ما يترتب وينبني عليها. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٢١٢ ]