يحسن التنبيه قبل ذكر السبب الحامل على توسع الشافعي في باب الإمامة إلى وجود أدلة مفردة لكل مسألة، وقد تقدَّم شيء من ذلك في صلاة المفترض خلف المتنفل، والصلاة خلف المحدث، وإمامة الصبي، وهذه الأدلة بمجموعها أنتجت السعة عند الشافعيَّة في الباب، غير أنه -والله أعلم- ثمة سبب يمكن أن يقال: إنه أصل للشافعية تمسكوا به دون غيرهم من المذاهب أدى بهم إلى هذه السعة، وهو (انفكاك صلاة المأموم عن صلاة الإمام)، فالشافعيَّة -وإن كانوا يرون وجود الارتباط من حيث الأصل- يجعلون صلاة المأموم صلاة قائمة بذاتها، لا تتضمنها صلاة الإمام، وذهب الجمهور إلى أن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم، ومرتبطة بها.
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (٢/ ٣٤١)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١٠٤٨).
(٢) هما: حكم الاقتداء بالإمام في الفضاء إذا كان بين الإمام والمأموم أكثر من ثلاثمئة ذراع، وحكم اقتداء المأموم بالإمام إذا كانا في بناءين، وبينهما حائل. فإن الشافعيَّة منعوا من صحة صلاة المأموم. انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٣٠١)، الحاوي الكبير (٢/ ٣٤٤)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٤٣٥)، المغني لابن قدامة (٢/ ١٥٢).
[ ٢٣٤ ]
وهذا السبب نص عليه جملة من فقهاء الأئمة الأربعة:
فمن الحنفيَّة يقول القدوري ﵀ في كلامه على الصلاة خلف الجنب: «وهذه المسألة مبينة على أنَّ صلاة المؤتم متعلقة بصلاة الإمام» (^١).
وفي المسألة نفسها يقول الزمخشري ﵀: «وحاصل الخلاف: راجع إلى أنَّ المقتدي خلف الإِمام يصلي صلاة نفسه، أو صلاة الإِمام؟ عندنا: يصلي صلاة الإمام، حتى لو فسدت صلاة الإمام لفسدت صلاة المقتدي، وعند الشافعي بخلاف ما ذكرنا» (^٢).
وأشار إلى تعلُّق صلاة المأموم بصلاة الإمام الجصاص ﵀ في هذه المسألة أيضًا (^٣)، والكاساني ﵀ في مسألة إمامة الصبي (^٤)، والموصلي ﵀ في إمامة من به سلس ونحوه (^٥).
وأما المالكيَّة فنصَّ على هذا الفندلاوي ﵀ في مسألة صلاة المفترض خلف المتنفل، فحكى قول الشافعيَّة بعدم الارتباط ثم ردَّ قولهم، وختم ذلك بقوله: «وإذا كان ذلك كذلك؛ صارت صلاة المؤتم في ضمن صلاة الإمام عقدًا وارتباطًا، جوازًا وفسادًا» (^٦).
وقال ابن بشير ﵀: «المعروف من المذهب أنَّ صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، والشاذ عدم الارتباط، وهو مذهب الشافعي، ولهذا لا يجوز عندنا أن يأتمّ المفترض بالمتنفل، واختلف في إمام صلى بالناس جنبًا؛ فقيل: إن كان عامدًا بطلت الصلاة، وإن كان ناسيًا لم تبطل الصلاة، وقيل: صلاتهم صحيحة، وقيل: باطلة.
_________________
(١) التجريد للقدوري (٢/ ٧٢٣).
(٢) رؤوس المسائل (ص: ١٧١، ١٧٠).
(٣) انظر: شرح مختصر الطحاوي (٢/ ٥١).
(٤) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١٤٣).
(٥) انظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٩).
(٦) تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك (١/ ٥١٣).
[ ٢٣٥ ]
والقول بالصحة يقتضي أن كل مصلٍّ صلى لنفسه كما يقول الشافعي، والقول بالإبطال يقتضي تعلق الصلاتين» (^١).
وقال ابن بزيزة ﵀: «قاعدة المذهب أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام فلا يجوز الاختلاف في النيات، وأجاز ذلك الشافعي بناء على أن كل مصلٍّ يصلي لنفسه» (^٢).
ونص على تقرير هذا الأصل من المالكيَّة أيضًا: ابن يونس (^٣)، وابن رشد (^٤)، والرجراجي (^٥)، والقرافي (^٦)، والحطاب (^٧)، ومحمد بن سالم المجلسي (^٨) ﵏.
وأما الحنابلة فجاء عنهم ذلك أيضًا، يقول أبو يعلى ﵀ في تقرير عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفل: «أصلنا: أنَّ صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، وتفسد بفسادها» (^٩)، ونحو هذا جاء عن أبي جعفر الشريف (^١٠)، وابن تيمية (^١١) -رحمهما الله-.
_________________
(١) التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات (١/ ٣١٩) بتصرف يسير.
(٢) روضة المستبين في شرح كتاب التلقين (١/ ٣٤٧).
(٣) انظر: الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٧٨٧).
(٤) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ١٦٦).
(٥) انظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها (١/ ٢٧٦).
(٦) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٣٩، ٢٤٤).
(٧) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٩٦).
(٨) انظر: لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٤٤٩).
(٩) التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة ت الفريح (٢/ ٣٢٤).
(١٠) انظر: رؤوس المسائل الخلافية لأبي جعفر الشريف (١/ ١٧٥).
(١١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٧٠)، وذكر هذا الأصل أيضًا في معرض الكلام على مسألة القراءة خلف الإمام. انظر: القواعد النورانية (ص: ١٢٩).
[ ٢٣٦ ]
وعند النظر إلى مذهب الشافعيَّة يرى الناظر ما تقدم - وهو: أن صلاة المأموم منفكَّة عن صلاة الإمام- متقررًا في تصانيفهم، قال الزنجاني ﵀: «معتقد الشافعي أن كل مصلٍّ يصلي لنفسه ولا شركة بين الإمام والمأموم بل كل في صلاة نفسه أداءً وحكمًا …، وقال أبو حنيفة: صلاة المأموم تابعة لصلاة الإمام صحةً وفسادًا لا أداءً وعملًا، وهي كالمندرجة في ضمن صلاة الإمام» (^١).
وقال أبو المظفر السمعاني ﵀ في معرض الاستدلال على صحة الصلاة خلف الجنب: «ومن حيث المعنى نقول: إن كل واحد من القوم مصلي لنفسه مؤدي فرضه مثل ما لو كان منفردًا، وصلاته غير متعلقة بصلاة الإمام في الجواز والفساد؛ لأن الأصل أن الاثنين إذا اجتمعا على أداء فريضة لا يتعلق أداء أحدهما بأداء الآخر، بل إن جاز فعل كل واحد منهما بجواز فعله وإن فسد ففساده بفعله؛ لأن الفرض عليه على الانفراد، ولا يجوز أن يؤاخذ في فعله بفعل غيره» (^٢).
ونصَّ على عدم الارتباط: الجويني (^٣)، والغزالي (^٤)، وابن الدهان (^٥)، والرافعي (^٦) ﵏.
والملاحظُ فيما تقدَّم هو اختلاف المسائل واتحاد السبب؛ ولذا صح أن يقال: إن سبب الخلاف في السعة والضيق راجع إلى قضية ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، ومن أوضح من وقفت عليه يقرر هذا المعنى أبو الخطاب الكلوذاني ﵀
_________________
(١) تخريج الفروع على الأصول (ص: ١٠٢). بتصرف.
(٢) الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة (١/ ٢٨٠).
(٣) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (٢/ ٣٧٣).
(٤) انظر: تحصين المآخذ (١/ ٤٤٨).
(٥) انظر: تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة (١/ ٣٥٧).
(٦) انظر: العزيز شرح الوجيز (٢/ ١٦٣).
[ ٢٣٧ ]
في (الانتصار)، وذلك أنَّه حكى الخلاف في حكم صلاة المأموم خلف المحدث، وذكر قول الشافعي بالصحة، ثم قال: «فالكلام معه مبني على أصل، وهو: أن صلاة المأموم كالمندرجة في ضمن صلاة الإمام بطريق التبعية صحةً وفسادًا، وعند الشافعي بخلاف ذلك؛ فإن كل مصل يصلي لنفسه، ولا تتعلق لصلاته بصلاة غيره» (^١)، ثم قال في المسألة التي تليها: «وعلى هذا الأصل: اختلاف نية الإمام والمأموم يمنع القدوة» (^٢)، ثم قال أيضًا في المسألة الثالثة: «وعلى هذا الأصل: لا يصح أن يؤم الصبي في الفرض» (^٣)، ثم قال في المسألة الرابعة: «وعلى هذا الأصل: إذا تعمد الإمام الحدث في الصلاة فسدت صلاته وصلاة المأمومين» (^٤)، فجعل أبو الخطاب الخلاف كله راجعًا إلى هذه القضية.
وبنحو هذا ذكر أبو زيد الدبوسي ﵀ في كتابه: تأسيس النظر (^٥).
ومعرفة هذا الأصل يسهِّل فهم أساس الخلاف بين الشافعيَّة والجمهور، ومن جهة أخرى يوضح مدى الاطِّراد الفقهي سواء كان في المذهب الشافعي أو في غيره، وهذا الأمر -وهو الاطراد الفقهي- أمر عظيم يحتاج إليه الفقيه؛ ولذا من لا يستصحب هذا المعنى في اختياراته الفقهية يصير أمره إلى اضطراب كبير، وغلط ظاهر.
وفي ختام المبحث أنبه إلى أمر مهم، وهو أن الشافعيَّة لما أخذوا بهذا الأصل -وهو انفكاك صلاة المأموم عن صلاة الإمام- أثَّر عليهم في مسائل أخر من كبار مسائل الخلاف، فمثلًا:
_________________
(١) (٢/ ٤٢٢) بتصرف يسير.
(٢) (٢/ ٤٤١).
(٣) (٢/ ٤٥٧).
(٤) (٢/ ٤٦٢).
(٥) انظر: (ص: ١٠٧).
[ ٢٣٨ ]
• أوجب الشافعيَّة قراءة الفاتحة على المأموم خلف إمامه في كل حال (^١)، ولم يوجب ذلك الجمهور (^٢).
• وذهب الشافعيَّة إلى أنَّ المأموم خلف إمامه يقول: سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد إذا رفع رأسه من الركوع (^٣)، والجمهور يخالفونهم في هذا فلا يشرع للمأموم قول: سمع الله لمن حمده (^٤).
• وكذلك مسألة ما يأتي به المسبوق إذا سلَّم إمامه هل هو بناء أم قضاء (^٥)،
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (٢/ ١٤١)، القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ١١)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٣٥)، حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٣٤٥). وغير خاف عظيم هذه المسألة، حتى أُلِّف في المسألة على وجه الانفراد، يقول ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٨٧): «تكلم العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة، وبسطوا القول فيها وفي غيرها من المسائل. وتارة أفردوا القول فيها في مصنفات مفردة، وانتصر طائفة للإثبات في مصنفات مفردة: كالبخاري وغيره، وطائفة للنفي: كأبي مطيع البلخي وكرام وغيرهما».
(٢) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١١٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٨)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٤)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٣٨)، التبصرة للخمي (١/ ٢٦٧)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٣٧)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٩٥)، الشرح الكبير على المقنع (٤/ ٣٠٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٣).
(٣) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٣٥)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٢١٣)، فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان (ص: ٣٠٤).
(٤) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦١٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، البناية شرح الهداية (٢/ ٢٢٩)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤٠)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٧)، شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٢٥)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٢/ ٦٢٠)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٣)، الإنصاف (٣/ ٤٩٢).
(٥) يبين أهمية هذه المسألة أن ابن رجب لما فرغ من قواعده في كتابه، ذكر جملة من الفوائد الملحقة بالقواعد وهي: «مسائل مشتهرة، فيها اختلاف في المذهب، ينبني على الاختلاف فيها فوائد متعددة»، ثم ذكر أول الفوائد مسألة ما يدركه المسبوق في الصلاة، ثم ذكر ما ينبني على الخلاف في المسألة وذكر لها ثماني فوائد. انظر: قواعد ابن رجب (٣/ ٢٧٠ - ٢٧٦).
[ ٢٣٩ ]
فالشافعيَّة يقولون: إن ما يدركه المصلي هو أول صلاته، ثم إذا سلم إمامه بنى على ذلك (^١)، والجمهور ينازعونهم في هذا (^٢).
ومردُّ ما سبق كله -والله أعلم- يرجع إلى الأصل السابق؛ إذ إنَّ الشافعي لمَّا قال: (إنَّ كلَّ مصلٍّ يصلي لنفسه) طرد هذا المعنى في قراءة الفاتحة فأوجبها على المأموم، وشرع للمأموم قول: سمع الله لمن حمده، وجعل ما أدركه المأموم هو أول صلاته لا آخرها، فإذا قام بنى على صلاته؛ لأن صلاة المأموم صلاة قائمة بذاتها؛ فالتزم جميع ما سبق.
ومذهب الجمهور يقتضي الارتباط والتضمن بين الصلاتين؛ ولذا حمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة، ولم يشرع على مذهب الجمهور قول المأموم: سمع الله
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (٢/ ١٩٣)، الخلافيات بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه (٣/ ٦٩)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٣٧٩)، المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٢٠)، عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (١/ ٣٤٠).
(٢) انظر: التجريد للقدوري (٢/ ٦٢٣)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢٤٧)، البناية شرح الهداية (٢/ ٤٠٣)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٦٦)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢١٤)، البيان والتحصيل (٢/ ٤٦)، التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات (١/ ٤٨٧)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (١/ ١٩٨)، شرح التلقين (١/ ٧٥٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (٢/ ٥٠)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٢/ ٤٦)، مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة - ت الغامدي (ص: ٤٢)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٩١)، المغني لابن قدامة (٢/ ٣٠٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٣). وأنبه هنا إلى أن مذهب المالكيَّة هو القضاء في الأقوال، والبناء في الأفعال. وأما مذهب الحنفيَّة والحنابلة فيرون القضاء. ولأحمد رواية بالبناء.
[ ٢٤٠ ]
لمن حمده أيضًا، وما يدركه المسبوق من الصلاة هو آخر صلاته؛ لئلا تختلف حال الإمام والمأموم.
وخلاصة الباب:
• أن الشافعيَّة أوسع المذاهب في باب الإمامة في الصلاة؛ لأنهم ذهبوا إلى انفكاك صلاة المأموم عن صلاة الإمام.
• وأما الجمهور فإنهم ذهبوا إلى أن صلاة المأموم كالمندرجة في صلاة الإمام، وأن بينها ارتباطًا وتضمنًا؛ فصاروا إلى الضيق في الباب من حيث الجملة، والله أعلم.
* * *
[ ٢٤١ ]