الحمد لله الواسِع الذي وَسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا، لم يجعل علينا في الدين من حرج، ولم يكلفنا إلا ما نُطيق، أحمده حمد عبدٍ مقصِّرٍ ضعيف، وأُثني عليه الخير كله، فهو أحقُّ من يثنى وأحقُّ من يعبد.
ثم الصَّلاة والسلام على خير البريَّة، من أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، ومن أُرسِل رحمة للعالمين، لم يخيَّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما (^١)، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كبيرًا كثيرًا، أما بعد:
فإنَّ الخلاف في مسائل فروع الدين من العلوم المتناثرة التي يعسُر ضبطها والإلمام بها؛ إذْ عامَّة المطولات الفقهيَّة موضوعةٌ لهذا الفنِّ، وما كُتِبَ في ذلك لا يكاد ينحصر، حتَّى صار لهذا النَّوع من التَّأليف اسم يختصُّ به، وهو: (علم الخلاف).
ومع تعدُّدِ طرق تناول الفقهاء لعلم الخلاف لم أقفْ على مؤلَّف يُعنى ببيان القواعد العامَّة المعينة على ضبط الخلاف في الأبواب الفقهية، وجمع ما انتشر وتفرَّق، سوى إشارات وتنبيهات ذكرها بعض الأئمة العلماء.
ومن أكثر من عُني بهذا النظر الشموليِّ للخلاف بين المذاهب الأربعة تقيُّ الدين ابن تيمية ﵀، فذكر أنَّ أوسع المذاهب في كتاب الأطعمة مالك (^٢)، وأنَّ «أوسع
_________________
(١) في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا» أخرجه البخاري في (كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ (٤/ ١٨٩) رقم (٣٥٦٠)، ومسلم في (كتاب الفضائل، باب مباعدته ﷺ للآثام واختياره من المباح أسهله) (٧/ ٨٠) رقم (٢٣٢٧).
(٢) انظر: القواعد النورانية (ص: ٢٢).
[ ١١ ]
المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد» (^١).
ولكن ما قرَّره شيخ الإسلام وغيره نزرٌ يسيرٌ جدًّا، ومن هنا نشأتْ فكرة هذا البحث، وهي محاولةُ السير على خُطا هذا التقعيد الكلِّي في السعة أو الضيق في الأبواب الفقهية، من خلال النظر في المسائل التي وقع الخلاف فيها بين المذاهب.
ولما لهذه الفكرة من عظيم أهميَّة، ولعِظَم أمر الفقه في حياة المسلم؛ إذْ «منْ يُرِدِ الله به خيرًا يُفقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^٢)؛ رغبتُ أنْ تكون هذه الفكرة موضوع هذا الكتاب، واللهَ أسأل التوفيق والسداد في القول والعمل، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.