والمرادُ بهما في البحث
المطلب الأول: تعريف السَّعة والضيق في اللُّغة.
السَّعة لغة: مصدر من الفعل (وَسِع) (^١)، واتَّسَع تفعيل منه (^٢)، وهي: كلمة تدلُّ على خلاف التضييق والعسر (^٣).
وأصل السَّعة: كثرةُ أجزاء الشيء ثم استعمل في الغنى ونحوه (^٤)، ومن ذلكَ قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ينفق الغنيُّ على قدر غناه (^٥).
وذكر الطاهر ابن عاشور ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] أنَّ السَّعة «حقيقة اتساع الأمكنة، وتطلق على رفاهية العيش، فهي سعة مجازية» (^٦). فيحتمل أنَّ كل ما سوى السَّعة المكانية من المعاني تكون على وجه المجاز. ولكن نصَّ الراغب الأصبهاني على أن «السَّعة تُقال في الأمكنة، وفي الحال، وفي الفعل» (^٧)، ولعل ذلك أشبه.
_________________
(١) انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١٢٩٨) مادة (وسع)، الشافي في شرح مسند الشافعي (٣/ ١٥٤)، لسان العرب (٨/ ٣٩٢) (باب العين، فصل الواو).
(٢) انظر: الشافي في شرح مسند الشافعي (٣/ ١٥٤).
(٣) انظر: مقاييس اللغة (٦/ ١٠٩) مادة (وسع)، مختار الصحاح (ص: ٣٣٨) مادة (وسع).
(٤) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص: ٥١).
(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٦٨)، تفسير البغوي (٨/ ١٥٧).
(٦) التحرير والتنوير (٥/ ١٨٠). وانظر أيضًا: التحرير والتنوير (٢٧/ ١٦).
(٧) المفردات في غريب القرآن (ص: ٨٧٠).
[ ٤٧ ]
ومن السَّعة في المكان ما رُويَ عن خالد بن الوليد ﵁ «أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ الضِّيقَ فِي مَسْكَنِهِ فَقَالَ: ارْفَعْ إِلَى السَّمَاءِ وَسَلِ اللهَ السَّعَة» أخرجه أبو داود في المراسيل، والطبراني في المعجم الكبير (^١).
وأما الضيق في اللغة: فهو مصدر من الفعل (ضاق)، وهو خلاف السَّعة (^٢). ونصَّ الزمخشري على أنَّ قولهم: وقع في مضيق من أمره، وضاقت عليه الحيلة، وإذا تضايق عليك الأمر فانتظر سعة، ونحوها من المجاز (^٣). وجاء الضِّيق في القرآن على المعنى الذي عدَّه الزمخشري مجازًا، كقول الله تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] وغير ذلك.
وقُرِئ قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في مراسيله (باب ما جاء في البناء) (ص: ٣١٩)، رقم (٤٩٣)، والطبراني في معجمه الكبير (باب الخاء، المغيرة أبو اليسع عن خالد بن الوليد) (٤/ ١١٧) رقم (٣٨٤٢). والحديث ضعيف؛ لأنَّ مداره على اليسع بن المغيرة وهو (ليّن الحديث). انظر: تهذيب الكمال (٣٢/ ٣٠١)، تقريب التهذيب (١/ ١٠٨٦)، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (٣/ ٣٣٢).
(٢) انظر: العين (٥/ ١٨٦)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٥١٠) مادة (ضيق)، مقاييس اللغة (٣/ ٣٨٣) مادة (ضيق)، التبيان في إعراب القرآن للعكبري (٢/ ٨١٠)، تفسير القرطبي (١٠/ ٢٠٣).
(٣) انظر: أساس البلاغة (١/ ٥٩١) مادة (ضيق).
[ ٤٨ ]
وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]. بفتح الضاد (ضَيْق) وبكسرها (ضِيْق) (^١)، وكذلك موضع النمل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]. ونصَّ كثيرٌ من أهل العلم على أنَّهما لغتان في (ضيق)، وقيل في معناها غير ذلك (^٢).
والسَّعةُ والضيقُ أضداد (^٣)، يبيِّن ذلك أنَّ الله تعالى لما قال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، جاء العطف بقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، والمراد بقوله: (وَمَن قُدِرَ) أي: ضُيِّق عليه رزقه (^٤)، فعلم من ذلك الضديَّة بين السَّعة والضِّيق.
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
نَمُدُّهمُ بِالماءِ مِنْ غَيرِ هُونِهِمْ … ولَكِنْ إِذَا مَا ضَاقَ شيءٌ يُوَسَّعُ (^٥)
_________________
(١) قرأَ من العشَرة بكسر الضاد ابن كثير المكي، وقرأ الباقون بالفتح. ووافق ابن كثير ابن محيصن من القراءات الأربع الشواذ على وجه. انظر: التيسير في القراءات السبع (ص ٤٠٨)، الإقناع في القراءات السبع (ص: ٣٣٩)، حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع (ص ٦٤)، تحبير التيسير في القراءات العشر (ص: ٤٣٤)، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر (ص: ٣٥٤). وبنحو هذه القراءة قرأ ابن كثير أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] بإسكان الياء وتخفيفها (ضَيْقًا) في الموضعين. انظر: المبسوط في القراءات العشر (ص: ٢٠٢)، التيسير في القراءات السبع (ص: ١٠٦)، حجة القراءات لابن زنجلة (ص: ٢٧١)، متن طيبة النشر في القراءات العشر (ص: ٧٤).
(٢) انظر: معاني القراءات للأزهري (١/ ٣٨٤)، إعراب القراءات السبع وعللها (١/ ٣٦١)، تفسير البغوي (٥/ ٥٤)، تفسير الرازي (٢٠/ ٢٨٩).
(٣) انظر: جمهرة اللغة (٢/ ٨٤٤) مادة (سعو)، المفردات في غريب القرآن (ص: ٥١٣) مادة (ضيق)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (٢/ ٣٦٧) مادة (ضيق)، القاموس المحيط (ص: ٧٧١)، تاج العروس (٢٦/ ٤٥) مادة (ضيق).
(٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٦١٩)، تفسير الثعلبي (٢٦/ ٥٩٣)، تفسير السمعاني (٥/ ٤٦٦).
(٥) انظر: الحماسة الصغرى (ص: ٢٥٨). والبيت مختلف في نسبته، فنسبه الجاحظ إلى عمرو بن عبد الله بن قيس بن ثعلبة، ونسبه أبو تمَّام إلى عتبة الخفاجي، وجاء في المعاني الكبير لابن قتيبة، وفي شرح الحماسة الصغرى وفي لسان العرب غير منسوب. انظر: البرصان والعرجان والعميان والحولان (ص: ٣٧٠)، المعاني الكبير في أبيات المعاني (١/ ٣٩٩)، شرح ديوان الحماسة (ص: ١١٨٦)، لسان العرب (٣/ ٣٩٩).
[ ٤٩ ]
ويقول أبو العتاهية:
واِذَا قَنِعْتَ فَأَنْتَ أَيْسَرُ مَنْ مَشَى … إِنَّ الْفَقِيْرَ هُوَ الَّذِيْ لا يَقْنَعُ
وَإِذَا طَلَبْتَ فَلا إِلَى مُتَضَايِقٍ … ما ضَاقَ عَنْهُ فَرِزْقُ رَبِّكَ أَوْسَعُ (^١)
ومن هذا المعنى أيضًا القاعدة الفقهيَّة: (إذا ضاق الأمر اتَّسع) (^٢)، فمعنى الضِّديَّة بين السَّعة والضيق ظاهر فيها (^٣)، بل إن الأصوليين جعلوا الواجب المضيَّق والواجب الموسَّع أضدادًا (^٤).
_________________
(١) البيتان لأبي العتاهية ﵀. انظر: أبو العتاهية أشعاره وأخباره (ص: ٢٢٠). وانظر أيضًا: تاريخ دمشق لابن عساكر (٧/ ٥٩)، حسن التنبه لما ورد في التشبه (٢/ ٣٠٥).
(٢) انظر: الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ٤٩)، المنثور في القواعد الفقهية (١/ ١٢٠)، الأشباه والنظائر لابن الملقن (١/ ٤٤)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٧٢)، مجلة الأحكام العدلية (ص: ١٨). فائدة: ذكر الزركشي وغيره أنَّ هذا اللفظ من منصوص الشافعي ﵀ إذ يقول: «وقد عزا الخطابي هذه العبارة إلى الشافعي». وقال د. عبد الرحمن العبد اللطيف -حفظه الله- في القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير (١/ ١١٥) معلقًا على نسبة هذا النص إلى الشافعي: «قد راجعت ما علمته من كتب الإمام الشافعي، وما ألِّف في مناقبه وآثاره في هذه المظان فلم أقف على ذلك مصرَّحًا به». ولعل ما أشار إليه الخطابي هو ما في صحيح ابن خزيمة (٤/ ١٥٧)؛ إذ يقول: «سمعت الربيع يقول: سئل الشافعي عن الذبابة تقع على النتن، ثم تطير فتقع على ثوب المرء؟ فقال الشافعي: يجوز أن تيبس أرجلها في طيرانها، فإن كان كذلك، وإلا فالشيء إذا ضاق اتَّسع». وانظر أيضًا: أعلام الحديث للخطابي (١/ ٢٧٦).
(٣) انظر في شرح مفردات القاعدة: غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (١/ ٢٧٣).
(٤) انظر: روضة الناظر وجنة المناظر (١/ ١١٠)، نهاية السول شرح منهاج الوصول (ص ٤١)، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٥٨). وهذا تقسيم للواجب باعتبار وقته، والواجب المضيق: (أن يكون الفعل مساويًا للوقت)، والواجب الموسع: (أن يكون الوقت زائدًا على الفعل) انظر: المصادر السابقة.
[ ٥٠ ]
وأشير في ختام هذا المطلب إلى أنَّ الناظر يَلْحظُ أنَّ أهل اللُّغة عَرَّفوا السَّعة بخلاف الضيق، ثم عرَّفوا الضِّيْق بخلاف السَّعة، وهذا فيه دَوْر (^١)، ولعلَّ ذلك عائدٌ إلى وضوح المعنى من حيث أصل اللُّغة.