يذكُرُ جمهور العلماء ﵏ في صدرِ كلامهم على أبوابِ الطهارة أحكامَ المياه (^١)، ويُرْدِف جمهورهم ذلك بذكر أحكام الأواني (^٢)؛ وذلك أنَّ الأواني ظروف الماء، فناسب ذكرها في باب الطهارة بعد أحكام المياه (^٣)، وإنما ذكرت أحكام الأواني في كتاب الطهارة لهذا المعنى، يقول النووي ﵀: «كتابُ الطهارة يشمل بابَ المياه والآنية وباب الوضوء وغيرها» (^٤).
_________________
(١) درج على هذا جمهور المالكيَّة وعامة الشافعيَّة والحنابلة، وأما الحنفيَّة فإنهم لا يبدؤون كتاب الطهارة بأحكام المياه، وإنما يذكرون ذلك بعد كلامهم على فروض الوضوء ونواقضه. انظر: بداية المبتدي (ص: ٤)، كنز الدقائق (ص: ١٤١)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: ٣٠)، جامع الأمهات (ص: ٣٠)، مختصر خليل (ص: ١٥)، بلغة السالك لأقرب المسالك (١/ ٢٨)، مختصر المزني (٨/ ٩٣)، منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه (ص: ٩)، المقدمة الحضرمية (ص: ٢١)، مختصر الخرقي (ص: ١١)، المقنع في فقه الإمام أحمد (ص: ٢٣)، منتهى الإرادات (١/ ١١).
(٢) درج عامَّة علماء الحنابلة وبعض الشافعيَّة على إفراد باب الآنية بباب مستقل، وأمَّا المالكيَّة وكثير من الشافعيَّة فإنهم يذكرون أحكام الأواني بعد كلامهم على أحكام المياه من غير حصرها بباب، وأمَّا الحنفيَّة فإنهم يذكرون أحكام الأواني في كتاب الكراهية -ويسميه بعض الحنفيَّة كتابَ الحظر والإباحة- ما سوى أحكام الجلود فإنها تُذكر عند الحنفيَّة بعد المياه. انظر المصادر السابقة، وأيضًا: بداية المبتدي (ص: ٢٢١)، الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٥٩)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: ٦٥١).
(٣) انظر: شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ٩٨)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (١/ ٢٦)، المبدع في شرح المقنع (١/ ٤٥).
(٤) المجموع شرح المهذب (١/ ٧٧).
[ ٩٩ ]
والآنية: جمع إناء، وجمع الجمع: أوانٍ (^١) مثل كساء وأكسية (^٢)، والآنية: «هي كلُّ ما كان وعاءً لشيء» (^٣).
والمسائل التي تذكر في هذا الباب هي المسائل المتعلقة باستعمال أجناس الأواني؛ كالأواني من الجلود، وما يطهر من جلود الميتات بالدبغ، والأواني من العظام، والأواني من الذَّهب والفضَّة، والأواني المضبَّبَة (^٤)، والمصبوغة بالذَّهب والفضَّة، وحكم اتخاذ الأواني من الذَّهب والفضَّة، والأواني من المعادن النفيسة وغير النفيسة، وأواني الكفار، ونحو ذلك من المسائل.
_________________
(١) انظر: المحيط في اللغة (١٠/ ٤٢٢)، مجمل اللغة لابن فارس (ص: ١٠٤)، مقاييس اللغة (١/ ١٤٣) مادة (أنى)، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (١/ ٣٣٧)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٢٠). وقال النووي في تحرير ألفاظ التنبيه (ص: ٣٢) «وقع في الوسيط [للغزالي] وغيره من كتب الخراسانيين إطلاق الآنية على المفرد، وليس بصحيح».
(٢) انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ٢١).
(٣) الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي (٢/ ٦١) وانظر: المغرب في ترتيب المعرب (ص: ٣٠) مادة (أني)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (١/ ٢٨) مادة (أنى).
(٤) قال الجوهري في الصحاح (١/ ١٦٨): «الضبَّة: حديدة عريضة يضَبَّب بها الباب»، ثم إنها استعملت في غير الحديد وفي غير الباب قاله البعلي، وتسمى الكتيفة، وأصل الضبَّة «أن ينكسر الإناء فيوضع على موضع الكسر نحاس أو فضة أو غيره لتمسكه، ثم توسع الفقهاء فأطلقوه على إلصاقه به وإن لم ينكسر» قاله الشربيني في مغني المحتاج (١/ ١٣٧)، وقال بهرام في تحبير المختصر (١/ ١٢١): «المضبب: إناء كُسِر وشعِّب بخيوط من ذهب أو فضة، أو صفِّح بشيء من ذلك»، ولعل معنى التضبيب في الأصل يقارب كثيرًا مصطلح اللِّحام في زماننا. وانظر أيضًا: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ٢٢)، لسان العرب (١/ ٥٤١)، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٢٠). تنبيه: ذكر الأزهري في تهذيب اللغة (١١/ ٣٢٧) وجه تسمية الضبة بهذا الاسم، يقول: «قلت: يقَال لها: الضبَّة والكَتِيفة؛ لأنها عريضة كهيئَةِ خلق الضَّب، وَسُمِّيت كَتِيفة؛ لأنها عرضت على هيئة الكَتف».
[ ١٠٠ ]