يتكلَّم العلماء ﵏ في كتاب الصلاة على صفة الصلاة، ويميزون بين أركانها وواجباتها وسننها، بباب أو فصل يسمونه (باب أركان الصلاة، أو باب فرائض الصلاة) (^١)، وهذا البابُ بابٌ عظيم جليل؛ لتعلُّقه بالصلاة، وهي أعظم مباني الإسلام الفعليَّة بإجماع المسلمين (^٢).
وشروط الصلاة -كدخول الوقت والطهارة من الحدث والخبث، والسُّترة، واستقبال القبلة- مغايرة لأركان الصلاة وواجبتها؛ إذ الشروط خارجة عن ماهيَّة الصلاة، وأمَّا الأركان والواجبات فهي داخلة في ماهيَّة الصلاة (^٣).
وللمذاهب في هذا الباب اصطلاحات يختلف المراد فيها باختلاف المذاهب، فالركن والواجب والسنة والمستحب والأدب والهيئة إطلاقات تردُ في كتب
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ١٠٥)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٢٧٨)، التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (١/ ٩٤)، متن العشماوية (ص: ٥)، التنبيه في الفقه الشافعي (ص: ٣٣)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٢٨)، عمدة الفقه (ص: ٢٦)، عمدة الطالب لنيل المآرب (١/ ٧٤).
(٢) انظر: شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاة (ص: ٣٢).
(٣) قال الزركشي في شرح مختصر الخرقي (١/ ١٧٩): «الفرض والشرط يشتركان في توقف الماهيَّة عليهما، ويفترقان في أن الشرط يكون خارج الماهيَّة، والفرض داخلها، وأيضًا فالشرط يجب استصحابه في الماهية، من أولها إلى آخرها، والفرض ينقضي ويأتي غيره» وانظر أيضًا: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٢٠٦)، شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ٢٣٧)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٢).
[ ١٧٥ ]
المذاهب الأربعة، ولكن لكلِّ مذهب تفسير اصطلح عليه في ذلك، وليس بالضرورة اتفاق المذاهب على المراد بهذه الإطلاقات، ولذا استحسنت بيان المراد بهذه المصطلحات قبل الشروع في الكلام على مسائل الباب ليكون هذا كهيئة الدليل له.
أمَّا الحنفيَّة فإنهم قسَّموا أفعال المصلي إلى (فروض وواجبات وسنن وآداب):
فأما الفرض فهو: ما لا تصحُّ الصلاة من دونه إلا من عذر (^١).
وأما الواجب فهو: الذي لا تفسد الصلاة بتركه عمدًا وإنما تجب إعادة الصلاة، فإن لم يعدها كان آثما وأجزأت عنه صلاته الأولى، وأما الساهي فإنه يجبره بسجود السهو (^٢).
وأما السنّة فهي: ما لا تفسد الصلاة معه ولا يوجب سجود السهو وإنما يوجب الإساءة إذا تركه عمدًا (^٣).
_________________
(١) انظر: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ٨٦)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٢).
(٢) انظر: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ٨٨)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٦) وقال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٥٧): «بالأول يخرج عن العهدة [يعني بالصلاة الأولى]، وإن كان على وجه الكراهة على الأصح». وبعض الحنفيَّة يسمي الواجبات سننا كالقدوري ﵀ في مختصره (ص: ٢٧)، قال العيني شارحا كلام المرغيناني -رحمهما الله- في البناية (٢/ ١٦٣): (وتسميتها سنة) أي تسمية هذه الواجبات سنة (في الكتاب) أي: في القدوري (لما أنه ثبت وجوبها بالسنة) أي: لأجل أن الشأن يثبت وجوب هذه الأشياء معنى بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب مجازا». وانظر أيضًا: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٠).
(٣) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ٣١٩)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٣). وبين الحنفيَّة نزاع قوي في تأثيم تارك السنن في الصلاة. والإساءة مختلف هل هي أدنى مرتبة من الكراهة -كما هو قول الحصكفي- أم هي أفحش من الكراهة -كما هو قول ابن نجيم- خلاف. وانظر أيضًا: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٢٥٦).
[ ١٧٦ ]
وأما الأدب: فتركه -ولو عمدًا- لا يوجب فسادًا ولا سجودًا ولا إساءة (^١).
وأمَّا المالكيَّة فإنهم قسموا أفعال المصلي إلى (فروض وسنن ومندوبات -ويسميها بعضهم فضائل، أو سنن غير مؤكدة -):
فأما الفرض: فهو ما لا تصحُّ الصلاة من دونه إلا من عذر (^٢).
وأما السنة فهي: ما يسن سجود السهو لنقص السنة المؤكدة سهوًا (^٣)، ويجب سجود السهو في ترك ثلاث سنن فأكثر سهوًا (^٤)، ولا تبطل الصلاة بتركها عمدًا (^٥).
وأما المندوب: فتركه لا يوجب فساد الصلاة، ولا سجود السهو (^٦).
_________________
(١) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٢٧٦)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٧).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات (١/ ١٥٤)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٣١، ٢٧٩).
(٣) انظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣١٥)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٧٣).
(٤) انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٩١)، منح الجليل شرح مختصر خليل (١/ ٣١٢). وهذا السجود عند المالكيَّة واجب قبل السلام، فلو تركه عمدا فصلاته باطلة، وأما إن تركه سهوا: فإن لم يطل الفاصل أتى به وصحَّت صلاته، وإلا بطلت صلاته كذلك. انظر: بلغة السالك لأقرب المسالك مع حاشية الصاوي (١/ ٣٨٨).
(٥) انظر: المقدمات الممهدات (١/ ١٦٤)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٢٩٣). وهذا هو الراجح المشهّر في السنَّة عند المالكيَّة، ولهم قول بالبطلان، ولذا أطلق الخلاف خليل في مختصره. انظر: شرح الخرشي على مختصر خليل (١/ ٣٣٥)، منح الجليل شرح مختصر خليل (١/ ٣١٤).
(٦) انظر: المقدمات الممهدات (١/ ١٦٤)، خلاصة الجواهر الزكية في فقه المالكيَّة (ص: ٢٤). وقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ٢٧٩): «وبطلت إن سجد لها قبل السلام»؛ أي أنَّ الصلاة تبطل بالسجود قبل السلام في ترك المندوب.
[ ١٧٧ ]
وأمَّا الشافعيَّة فإنهم قسَّموا أفعال المصلي إلى (أركان وأبعاض -ويسميها بعضهم: السنن- وهيئات):
فأما الركن: فهو ما لا تصحُّ الصلاة من دونه إلا من عذر (^١).
وأما الأبعاض: فهي السنن التي يسن سجود السهو في تركها سهوًا أو عمدًا (^٢).
وأمَّا الهيئات: فهي السنن التي لا تجبر بسجود السهو (^٣).
وأما الحنابلة فإنهم قسَّموا أفعال المصلي إلى: (أركان -وتسمى فروضًا (^٤) - وواجبات وسنن (^٥):
_________________
(١) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ١٧٠)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (١/ ٤٤٩).
(٢) انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٢٦٠)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٤٢٧)، وفي سبب التسمية يقول الجويني ﵀ في نهاية المطلب في دراية المذهب (٢/ ٢٦٤): «سمى الأئمة هذه المأمورات أبعاضًا، ولست أرى في هذه التسمية توقيفًا شرعيًّا، ولعل معناها أنَّ الفقهاء قالوا: يتعلق السجود ببعض السنن، ثم قالوا: هذه السنن هي الأبعاض التي يتعلق بها السجود، والأبعاض تنطلق على الأقل، وما يتعلق به سجود السهو أقل مما لا يتعلق به السجود من السنن». وخالف في سبب التسمية الهيتمي ﵀ فقال في تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٣): «تسمَّى بعضًا لأنها لما تأكدت بالجبر أشبهت البعض الحقيقي وهو الأول» يريد بذلك الأركان.
(٣) انظر: اللباب في الفقه الشافعي (ص: ١٠٠)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٣).
(٤) انظر: غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى (١/ ١٨٠).
(٥) يقسِّم الحنابلة السنن إلى: سنن أقوال وسنن أفعال -وتسمى الهيئات-، وثمرة هذا التقسيم تظهر في مشروعية سجود السهو، فسنن الأقوال يشرع لها سجود السهو، وأمَّا سنن الأفعال فبعض علماء المذهب -كابن قدامة وابن أبي عمر- يرى أنَّه لا يسجد لها؛ لأنَّه «لو شرع السجود لها لم تخل صلاة من سجود في الغالب»، والمعتمد عند المتأخرين عدم الفرق. انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٨١)، الشرح الكبير على المقنع (٣/ ٦٨٢)، الإنصاف (٣/ ٦٨١)، منتهى الإرادات (١/ ٢٣٩).
[ ١٧٨ ]
فأما الركن فهو: ما لا تصح الصلاة من دونه إلا من عذر (^١).
وأما الواجب فهو: ما تبطل الصلاة بتركه عمدا، وأما تركه سهوا فلا يبطل الصلاة، ولكن تُجْبر وجوبا بسجود السهو (^٢).
وأما السنَّة: فلا تبطل الصلاة بتركها ولو عمدا، ويباح سجود السهو في تركها سهوا (^٣).
وحاصل ما تقدم:
• أنَّ الفرائض والأركان لا تصح الصلاة من دونها عند جميع المذاهب، ولا تجبر بسجود السهو.
• وأنَّ الحنفيَّة والحنابلة فرَّقوا بين الفرض والواجب، واتفقوا على أنَّ سجود السهو يجبر الواجبات، ثم اختلفوا في ترك الواجبات عمدا، فقال الحنابلة: ترك الواجب عمدا مبطل للصلاة، وقال الحنفيَّة: ترك الواجب عمدا لا يبطل الصلاة، لكن تجب إعادتها فإن لم يعدها أَثِم. وأمَّا المالكيَّة والشافعيَّة فلم يفرقوا بينها فالواجبات هي الأركان.
• وأمَّا السنن فتركها عمدًا لا يفسد الصلاة -على الصحيح- عند المذاهب الأربعة، وإنما يختلفون في سجود السهو فيها، وهل تاركها عمًدا مسيء -كما يقول الحنفيَّة- أم غير مسيء -كما يقول الجمهور-؟
_________________
(١) انظر: الإرشاد إلى سبيل الرشاد (ص: ٨٠)، غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى (١/ ١٨٠).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٨)، منتهى الإرادات (١/ ٢٣٨).
(٣) انظر: المبدع في شرح المقنع (١/ ٤٤٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٩).
[ ١٧٩ ]
وعلى ذلك فالمسائل المتعلقة بالباب هي أفعال المصلي المختلف في فرضيَّتها ووجوبها، كحكم قراءة الفاتحة، وحكم تكبيرات الانتقال، وحكم قول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا ولك الحمد، وقول: سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود، ورب اغفر لي بين السجدتين، وحكم التشهد الأول، وجلسته، وحكم التشهد الثاني، وجلسته، وحكم الصلاة على النبي ﷺ فيه، وحكم التسليمتين. ونحو ذلك من مسائل.