تعنى الدراسة بتتبع المسائل الخلافيَّة لمعرفة انفراد أحد المذاهب الأربعة بالسعة أو الضيق في الأبواب الفقهية.
وجمعت أصل مادة الكتاب من كتب رؤوس مسائل الخلاف (^١)، واقتصرت على ثمانية كتب، لكل مذهب كتابان:
أما الحنفيَّة: فالتجريد للقدوري، ورؤوس المسائل للزمخشري، وأما المالكيَّة: فعيون المسائل (^٢)، والإشراف في نكت مسائل الخلاف كلاهما للقاضي
_________________
(١) ذكر شيخ الإسلام في الاستقامة (١/ ٦٢) أنَّ «أمهات المسائل التي جردوا القول فيها نحو أربعمائة مسألة التي توجد في أمهات التعاليق وكتب الخلاف التي صنفها الخراسانيون والعراقيون من الطوائف، وإن كانت مسائل الخلاف لمن استوعبها منهم كالقاضي أبي يعلى تنتهي إلى ألوف مؤلفة، إما أربعة آلاف أو أقل أو أكثر، ولمن اقتصر على كبار كبارها تكون نحو مئة مسألة».
(٢) من أشهر كتب الخلاف المتقدمة عند المالكيَّة عيون الأدلة لابن القصار، إلا أن هذا الكتاب كثير منه مفقود، ثم إن الغرض منه النظر في حكاية الخلاف، وقد نقل لنا هذا القاضي عبد الوهاب في عيون المسائل؛ إذ هو مختصر من عيون الأدلة، بل إن القاضي عبد الوهاب نقل في هذا المختصر عبارة ابن القصار بحروفها إلا قليلًا من المسائل، كما نصَّ على ذلك في آخر الكتاب. انظر: عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي (ص: ٦٥٣).
[ ١٣ ]
عبد الوهاب، وأما الشافعيَّة: فالخلافيَّات للبيهقي، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة لمحمد بن عبد الرحمن الصفدي، وأما الحنابلة: فرؤوس المسائل لأبي جعفر الشريف، والإفصاح لابن هبيرة ﵏.
ثم إنَّ الضابط في الاتساع أو الضيق: أنْ ينفرد مذهب دون غيره بالسعة أو الضيق في ثلاث مسائل في الباب فأكثر، ووجه الاقتصار على ذلك أنَّ أقل الجمع -على الصحيح- ثلاثة (^١).
ومن ضوابط إلحاق الأبواب في البحث: ألا يكون عماد الباب مسألة واحدة لها فروع كثيرة؛ كقول القائل: أوسع المذاهب في نقض الوضوء بلمس الفرج هم الشافعيَّة؛ وذلك أنَّ الشافعيَّة إنما توسعوا في هذه المسألة بعينها، وسبب الإعراض عن مثل هذا عدم إمكان الحصر؛ إذ كبار المسائل لها فروع وفيها متوسع ومضيِّق.
وقد جردتُ أثناء إعداد أصل الكتاب: رؤوس المسائل لأبي جعفر الشريف، والإفصاح لابن هبيرة، ورؤوس المسائل للزمخشري (^٢)، وقلَّبت النظر فيها كثيرًا،
_________________
(١) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٧/ ٢٠٢)، المعتمد (١/ ٢٣١)، العدة في أصول الفقه (٢/ ٦٤٩)، البرهان في أصول الفقه (١/ ١٢٣). وهنا تنبيه مهم: وهو أن المسائل الثلاث جاءت لتسليط النظر على الباب ابتداءً، وأما كتابة الباب -كما سيأتي بحول الله- فسأذكر فيه كل ما يدل على السعة أو الضيق من كتب المذاهب المعتمدة. وإنما لجأت إلى هذا لأنه لا يمكن بحال النظر إلى كل مسائل الخلاف العالي من خلال الكتب المذهبيَّة؛ لطولها وتشعُّبها، وإنما كان النظر ابتداءً في كتب الخلاف، وانتهاء بكتب المذاهب المعتمدة.
(٢) وأما الكتب التي قرأت منها شيئًا كثيرًا فهي: عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب ولخَّصتُ نصفه، والتجريد للقدوري، والخلافيات للبيهقي فيما يتعلق بالكلام الفقهي، ورؤوس المسائل لأبي المواهب العكبري.
[ ١٤ ]
ولخَّصت معظمها، فخلصتُ إلى ما توصَّلت إليه ابتداء في هيكلة البحث، ثم زدت بعض الأبواب أثناء مدة البحث.
وأشير إلى أن المراد بالمذاهب الأربعة: (المذاهب الاصطلاحيَّة)، وهو ما استقرت عليه المذاهب عند محرِّريها ومنقِّحيها ومصحِّحيها، فإن كان في المذهب خلاف فمحل النظر والمقارنة هو المعتمد من الأقوال عند المتأخرين.