من حلف مكلفا مختارا مسلما غير اخرس قسما لا وطيء ولا لعذر زوجة تحته كيف كانت أو اكثر لا بتشريك مصرحا أو كانيا نأويا مطلقا أو مؤقتا بموت ايهما أو بأربعة اشهر فصاعدا أو بما يعلم تأخره عنها غير مستثنى الا ما تبقى معه الاربعة رافعته بعدها وإن قد عفت إن رجعت في المدة وكلهن مع اللبس لا ولي غير العاقلة فيحبس حتى يطلق أو بفيء القادر بالوطء والعاجز باللفظ ويكلفه متى قدر ولا إمهال الا بعد مضى ما قيد به يوما أو يومين ويتقيد بالشرط لا الاستثناء الا ما مر ولا يصح التكفير الا بعد الوطء ويهدمه لا الكفارة والتثليث والقول لمنكر وقوعه ومضى مدته والوطء وسنة ثم سنة إيلاءان لاسنتان] .
قوله: باب: "الايلاء فصل يوجبه حلف مكلف" الخ.
أقول: وجهه ان حلف غير المكلف لا ينعقد ولا يلزم لرفع قلم التكليف عنه وهكذا حلف المكره لأن فعله لم يصدر على وجه يتعلق به حكمه.
وأما اشتراط ان يكون مسلما فلكون هذه الشريعة واردة لما شرعه الله لأهل الإسلام وأما خطاب الكفار بما اخلوا به من الواجبات في الدنيا عند الحساب يوم القيامة فذلك بحث آخر لأن عقوبتهم عليها في الاخرة لا يستلزم صحتها منهم في الدنيا.
وأما اشتراط ان يكون غير اخرس فظاهر لان هذا بحث لفظي والاخرس لا يقدر على الكلام.
وأما اشتراط ان يكون الحلف قسما فزيادة قد افادها قوله من حلف لأن مطلق الحلف ينصرف إلي القسم بالله أو بصفاته.
وأما قوله: "لا وطيء ولا لعذر" فصحيح لأن الحكم مترتب على الحلف وقد وقع سواء كان سبب الحلف عذرا أو غير عذر وأما كون المحلوف عليه هو وطء الزوجة فظاهر لأنه لا يقال للحلف إيلاء الا إذا كان كذلك وإلا كان يمينا من سائر الايمان.
وأما كونها تحته كيف كانت فالكلام فيه كالكلام في الظهار وقد تقدم.
وهكذا قوله لا بتشريك فإنه لا يصح مجرد التشريك بل لا بد من الحلف من كل واحدة لان معنى هذا الباب لا يوجد الا بالحلف ولا حلف من الاخرى.
وأما قوله: "مصرحا أو كانيا نأويا" فظاهر لأن المراد ما يفهم به المراد وهو يحصل بالكناية كما يحصل بالتصريح وأما النية فلا بد منها في الصريح والكناية كما قدمنا ذلك غير مرة وهكذا لا فرق بين ان يكون الحلف مطلقا أو مقيدا بوقت لأن الكل حلف يصدق عليه مسمى الايلاء.
وأما كون التوقيت بالموت أو بأربعة اشهر فصاعدا أو بما يعلم تأخره عنها فالوجه في ذلك
[ ٤٤٧ ]
كله ان الله سبحانه قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فإذا وقت بالموت فهو غاية ماله من الحياة ولكن بعد مضى الاربعة ترافعه وإذا وقت بما فوق الاربعة رافعته عند انقضاء الاربعة وهذا مبني على أنه لا يصح التوقيت بدون الاربعة وأنه لا يكون ايلاء الا بذلك والاية غير واردة في هذا المعنى بل واردة في معنى مدة الامهال للمولى وانها تجوز للمرأة المرافعة بعد الاربعة الاشهر لما في الزيادة عليها من الاضرار بها.
وقد ثبت في الصحيح [البخاري "٩/٣٠٠"، مسلم "٢٥/١٠٨٥"]، ان النبي ﷺ أقسم ان لا يدخل على نسائه شهرا فلو كان ما في القرآن بيانا للمدة التي لا يجوز ان يكون وقت الايلاء دونها لم يقع منه ﷺ الايلاء شهرا فعرفت بهذا ان هذه المدة ليست الا لعدم جواز التوقيت بزيادة عليها وأنه يجوز للمرأة المرافعة بعدها.
وأما قوله: "وكلهن مع اللبس" فظاهر لأنه قد جاء بما يحتمل ان كل واحده منهن محلوف منها على انفرادها فلا يجوز قربان إحداهن الا بعد انجلاء اليمين وأما كونه يحبس حتى يطلق أو يفيء فوجهه أنه لا يرتفع الضرار عن الزوجة الا بذلك وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال إذا مضت اربعة اشهر يوقف حتى يطلق ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق قال البخاري ويذكر ذلك عن عثمان وعلى وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من اصحاب النبي ﷺ.
وأخرج أحمد بن حنبل عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر انهم قالوا يوقف المولى بعد الاربعة فأما ان يفيء وأما ان يطلق.
وأخرج الدارقطني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال سألت اثني عشر رجلا من اصحاب النبي ﷺ عن رجل يولى قالوا ليس عليه شيء حتى تمضي اربعة اشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق.
قوله: "والقادر بالوطء" الخ.
أقول: الظاهر ان قوله ﷿: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، معناه الرجوع كما يفيد ذلك اللغة فمعنى فاءوا رجعوا إلي ما كانوا عليه وحللوا ما وقع منهم من اليمين بالتكفير عنها وذلك أمر يكفي فيه العزم عليه والقصد اليه ولا يعتبر وطء ولا لفظ وبهذا يعرف أنه لا وجه لقول المصنف ﵀ ويكلفه متى قدر ولا إمهال الخ.
وأما قوله: "ويتقيد بالشرط" فصحيح لأنه يمينه هذه كلام من جملة الكلام الذي يقبل التقييد بالشرط والاستثناء ولا مانع من ذلك.
وأما كونه لا يصح التفكير الا بعدالوطء فوجهه ان الكفارة تلزم بالحنث والمحلوف عليه هو الوطء فلاتلزمه الكفارة الا بعد الحنث بفعل ما حلف عليه أنه لا يفعله.
وأما قوله: "ويهدمه لا الكفارة التثليث" فلا وجه له إذ لا مدخل للتثليث في رفع هذه اليمين إلا أن يريد أنها لا ترافعه إذا انقضت الاربعة الاشهر وقد صارت مثلثة فهذا صحيح لأنه
[ ٤٤٨ ]
هنا قد حرم وطؤها بسبب آخر وهو التثليث فليس لها المطالبة بشيء قد صار محرما عليها وعلى زوجها.
فإن قيل انها تطالبه بأن يفيء باللفظ لترفتع الغضاضة عنها فقد عرفناك ان الفيء الرجوع إلي النكاح وقد ارتفع فلا يصح الرجوع اليه الا بعد ان تنكح زوجا غيره ومتى رجعت اليه بعد نكاح غيره فوطئها لزمته الكفارة.
وما أقل جدوى هذا الانهدام الذي ذكره المصنف لا سيما مع اعترافه بأنها لاتنهدم الكفارة وأما قوله: "والقول لمنكر وقوعه ومضى مدته والوطء" فظاهر لأن الاصل عدم هذه الثلاثة فالقول لمنكرها وعليه اليمين وعلى مدعيها البينة.
وأما قوله: "وسنة ثم سنة إيلاءان" فلا وجه له بل هو إيلاء واحد تعلقت به تلك اليمين فلا فرق بين قوله سنة ثم سنة وبين قوله سنتان نعم إذا قال والله لا وطئتك هذه السنة ثم قال والله لا وطئتك السنة التي بعدها كان ذلك إيلائين فترافعه في السنة الأولى بعد مضي اربعة اشهر وكذلك في السنة الثانية.
[ ٤٤٩ ]