أما يصح من زوج مكلف مختار أو نائبه بعقد على عوض مال أو في حكمه صائرا أو بعضه إلي الزوج غالبا من زوجته صحيحة التصرف ولو محجورة ناشزة عن شيء مما يلزمها له من فعل أو ترك أو من غيرها كيف كانت مع القبول أو ما في حكمه في مجلس العقد أو الخبر به قبل الاعراض فيهما كأنت كذا على كذا فقبلت أو الغير أو طلقني أو طلقها على كذا فطلق أو شرطه كإذا كذا أو طلاقك كذا فوقع ولو بعد المجلس فيجبر ملتزم العوض في العقد والزوج على القبض فيهما ولا ينعقد بالعدة ولا تلحق الاجازة الا عقده] .
قوله: باب: "الخلع إنما يصح من زوج".
أقول: أما كونه لا يصح الا من زوج مكلف مختار فظاهر لما قدمناه وكذلك يصح من نائبه لما سلف.
وأما قوله: "بعقد" فليس لهذا حاجة بل المراد حصول التراضي بأي لفظ كان وعلي أي صفة وقع.
وأما كونه على عوض مال أو في حكمه فلما تقدم في المهور لانها تفتدى نفسها بما صار اليها أو بعضه كما في قوله ﷺ: "ردي عليه حديقته" [البخاري "٩/٣٩٥"] .
وأما اشتراط النشوز منها فلقوله ﷿: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فقيد سبحانه حل الافتداء بمخافتهما الا يقيما حدود الله وظاهر الآية ان الخلع لا يجوز
[ ٤١٤ ]
إلا بحصول المخافة منهما جميعا بأن يخاف الزوج ان لا يمسكها بالمعروف وتخاف الزوجة أن لا تطيعه كما يجب عليها.
ولكنه لما ثبت حديث ابن عباس عند البخاري وغيره ان امراة ثابت بن قيس بن شماس جاءت إلي النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني ما اعتب عليه في خلق ولا دين ولكني اكره الكفر في الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته"، قالت نعم.
فقال رسول الله ﷺ: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"، دل ذلك على ان المخافة لعدم إقامة حدود الله من طريقها كافية في جواز الاختلاع.
ولا ينافي جواز الاختلاع الاحاديث الواردة في اثم المختلعات فإن ذلك محمول على الكراهة فقط لتصريح القرأن الكريم والسنة بجواز ذلك.
وأما قوله: "أو من غيرها كيف كانت" فوجهه ان العوض لما كان من غيرها لم يشترط فيها ما يشترط حيث العوض منها ولكن كون هذا خلعا تثبت به أحكامه غير مسلم.
وأما قوله: "مع القبول أو الامتثال أو ما في حكمه" فالمراد ما يشعر بالرضا بذلك كما تقدم.
وأما المعاقدة العرفية والمحافظة على ما يفيدها فليس ذلك الا مجرد رأي فلا تشتغل بالكلام على ما تفرع على هذا إلي آخر الفصل.
[فصل
ولا يحل منها أكثر مما لزم بالعقد لها ولأولادها منه صغار ويصح على ذلك ولو مستقبلا وعلى المهر أو مثله كذلك فإن لم يكن قد دخل رجع بنصفه ونحو ذلك] .
قوله: فصل: "ولا يحل منها أكثر مما لزم بالعقد" الخ.
أقول: ظاهر القرآن يدل على هذا فإنه سبحانه قال: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلي آخر الآية فإنها واردة في اخذ الزوج لشيء مما اتاها فإذا اخذ منها زيادة على ما أتاها فقد خالف ما في الكتاب العزيز.
ويدل على هذا أيضا ما أخرجه ابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح الا ازهر بن مروان وهو مستقيم الحديث من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال لامرأة ثابت بن قيس: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم وازيده فامره رسول الله ﷺ أن يأخذ حديقته ولا يزداد وأخرجه أيضا النسائي "٦/١٦٩"، والبيهقي. وأخرج الدارقطني عن أبي الزبير ان النبي ﷺ قال لها: "أما الزيادة فلا ولكن حديقته".
[ ٤١٥ ]
قالت: نعم فاخذها قال الدارقطني وقد سمعه أبو الزبير من غير واحد انتهى وإسناده إلي أبي الزبير صحيح.
ولا يعارض الدلالة القرآنية وما ذكرناه عنه ﷺ ما روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال كانت اختي تحت رجل من الانصار فارتفعا إلي رسول الله ﷺ فقال لها: "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: وأزيده فخلعها فردت عليه حديقته وزادته فإن إسناد هذا الحديث ضعيف لا تقوم به حجة مع كونها زادته من قبل نفسها فلا حجة في ذلك.
وأما قوله: "ولأولاد منه صغار" فوجهه أنه من جملة ما أتاها ولكن لا يخفى ان المراد بما أتاها ما جعله صداقا لها فقط فلا يدخل في ذلك ما سلمه لسبب آخر من نفقة أو كسوة لها أو لأولادها أو أجرة حضانة أو نحو ذلك.
وأما قوله: "ويصح على ذلك إلي آخر الفصل" فظاهر.
[فصل
ويلزم بالتغرير مهر المثل ولا تغرير إن ابتدأ أو علم وحصة ما فعل وقد طلبته ثلاثا أولها وللغير حسب الحال وقيمة ما استحق وقدر ما جهلا سقوطه أو هو وهي المبتدئة وينفذ في المرض من الثلث ولها الرجوع قبل القبول في العقد لا في الشرط ويلغو شرط صحة الرجعة] .
قوله: "ويلزم بالتغرير مهر المثل".
أقول: الزوجة إذا غررت على زوجها كأن تقول له طلقني على ما في هذا المكان فطلقها عليه ثم انكشف أنه لم يكن في ذلك المكان شيء فالطلاق غير واقع لأنه أوقعه مقيدا بقيد وهو العوض الذي غررت به ولم يوقعه مطلقا فلا يصح في هذا طلاق خلع ولا غير خلع ولو قدرنا أنه قد صح الطلاق ولزمها ما غررت به لم يكن للرجوع إلي مهر المثل وجه بل ينبغي الرجوع إلي المقدار الذي يكون به الاختلاع في العرف الغالب لأنه المقصود لهما.
وأما قوله: "ولا تغرير إن ابتدأ" فغير مسلم لأنه إذا كان الابتداء منه مقتضيا لعدم التغرير منها فإنه إنما طلق إلي مقابل مال في ظنه فلا يقع الطلاق إذا لم يكن ثم مال كما تقدم.
وأما إذا علم بأنه لاشيء فقد رضي لنفسه بايقاع الطلاق بلا عوض.
وأما قوله: "وحصة ما فعل وقد طلبته ثلاثا" فظاهر وهكذا ما بعده.
وأما قوله: "وينفذ في المرض من الثلث" فسيأتي البحث في الوصايا وهو شامل لهذه المختلعة ولغيرها.
[ ٤١٦ ]
وأما قوله: "ولها الرجوع" الخ فإذا لم يقع الرضا من الزوج كان لها ذلك وهكذا إذا لم يكن قد ظهر منه ما يدل على الرضا فلها ذلك من غير فرق بين عقد وشرط.
وأما قوله: "ويلغو شرط صحة الرجعة" فلكون مقتضى الخلع هو عدم صحة الرجعة وان الامر مفوض إلي اختيار المراة لانها لم تفتد بمالها الا لهذا المقصد ولو علمت أنه يفارقها في هذا الوقت ويراجعها في الوقت الثاني شاءت ام ابت لم ترض بما افتدت به فإن ذلك لا يفعله عاقل فليس هذا من الشروط الشرعية بل من الشروط التي يراد بها المخادعة والمخالفة لما شرعه الله.
[فصل
وهو طلاق بائن يمنع الرجعة والطلاق ولفظه كناية ويصير مختله رجعيا غالبا ويقبل عوضه الجهالة ويتعين أوكس الجنس المسمى ويبطل الخلع ببطلانه غير تغرير لا الطلاق قوله فصل وهو طلاق بائن] الخ.
أقول: قد استدل على كونه طلاقا بما تقدم عند البخاري من حديث ابن عباس بلفظ وطلقها تطليقة ومعلوم ان هذه الطلقة الواقعة منه لها حكمها ولا ينافي ما في هذا الحديث ما وقع من حديث الربيع بنت معوذ أن النبي ﵌ قال لثابت بن قيس: "خذ الذي لك عليها وخل سبيلها"، كما أخرجه النسائي بإسناد صحيح لان تخلية السبيل كناية عن الطلاق فلا اشكال من هذه الحيثية وإنما الاشكال فيما قد ثبت عنه ﷺ: "أنها تعتد بحيضة"، كما في حديث الربيع المذكور فإنه ﷺ: "أمرها ان تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها"، وكذلك في حديث ابن عباس عند أبي دأود والترمذي وحسنه وفيه فأمرها ﷺ ان تعتد بحيضة وهكذا في حديث آخر عن الربيع أخرجه الترمذي وفيه: فأمرها ﷺ أن تعتد بحيضة.
فهذه الاحاديث تدل على أنه فسخ لا طلاق لأن الطلاق حكمه ما ذكره الله سبحانه بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ومن جملة ما استدلوا به على أنه فسخ لا طلاق قوله ﷿: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم ذكر سبحانه الافتداء ثم عقبه بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، قالوا: ولو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل فيه الا بعد زوج هو الطلاق الرابع.
والذي ينبغي الجمع به هو ان عدة هذه الخلع حيضة لا غير وليس غير سواء كان بلفظ الطلاق أو بغيره مما يشعر بتخلية السبيل أو بتركها وشأنها من دون ان يجرى منه لفظ قط ويكون الوارد في هذا الطلاق الكائن في الخلع مخصصا لما ورد في عدة المطلقة فتكون عدة الطلاق
[ ٤١٧ ]
ثلاثة قروء الا إذا كان الطلاق مع الافتداء فإنه حيضة واحده لا تحسب عليه طلقة الا إذا جاء بلفظ الطلاق أو بما يدل عليه لا إذا لم يقع منه لفظ البتة بل تركها وشأنها فإن هذا لا يحسب عليه طلاقا.
وبهذا التقرير تجتمع الادلة ويرتفع الاشكال على كل تقدير.
وأما كونه يمنع الرجعة فلما قدمنا في الفصل الأول فلا نعيده.
وأما كونه يمنع الطلاق فمبنى على أنه طلاق وعلى ما سيأتي من ان الطلاق لا يتبع الطلاق وستعرف ما هو الحق في ذلك إن شاء الله.
وأما كون لفظه كناية إذا قال به لزوجته من دون مال منها فإذا أراد به الطلاق كان طلاقا لعدم انحصار الصيغ التي يكون بها الطلاق.
قوله: "ويصير مختله رجعيا".
أقول: ليس المعتبر في صحة الخلع الا ما ذكره الله ﷿ من وقوع المخافة من الزوجين ان لا يقيما حدود الله فإذا حصل ذلك ووقع منها الافتداء طيبة به نفسها فهذا هو الخلع الذي شرعه الله ﷿ وإذا وقع على غير هذا الوجه كأن تكون الزوجة مكرهة أو الزوج مكرها أو كان احدهما صغيرا فهذا ليس هو الخلع الذي اذن الله به فلا يصح من الاصل ولا يصير رجعيا لان ايقاع الطلاق إنما كان إلي مقابل المال الذي افتدت به المراة فإذا وجد مع كونهما مكلفين مختارين خائفين ان لا يقيما حدود الله فهو خلع بأي صيغة كان وعلي أي صفة وقع وإن أختل أحد هذه الامور فلا يكون خلعا ولا يثبت به طلاق لا بائن ولا رجعي.
ولا يعتبر في صحة الخلع صدور النشوز من المراة بالفعل أو عدم إحسان العشرة من الزوج بالفعل بل المراد حصول مجرد المخافة فإن كان قد وقع ما خافاه أو احدهما وجازت المخالعة بفحوى الخطاب.
وأما قوله: "ويقبل عوضه الجهالة" فإذا خالعها على شيء مجهول القدر أو الجنس ورضيا بذلك ثبت الخلع ويلزمها تسليم أوسط الجنس المسمى لا اعلاه ولا أدناه فهذا هو الذي ينبغي اعتماده ولا يتم العدل بينهما الا به.
وأما قوله: "ويبطل الخلع" الخ فقد تقدم له ما يغني عن ذكره هنا.
[فصل
والطلاق لا يتوقت ولا يتوإلي متعدده بلفظ أو الفاظ ولا تلحقه الاجازة لكن يتم كسره ويسرى وينسحب حكمه ويدخله التشريك والتخيير غالبا ويتبعه الفسخ لا العكس ويقع المعقود وعلى غرض بالقبول أو ما في حكمه في المجلس قبل الاعراض ولا ينهدم الا ثلاثة
[ ٤١٨ ]
ولا شرطه الا معها فينهدم ولو بكلما ولا ينهدمان الا بنكاح صحيح مع وطء في قبل ولو من صغير مثله يطأ أو مجبوب غير مستأصل أو في الدمين أو مضمر التحليل وينحل الشرط بغير كلما م ومتى بوقوعه مرة ولو مطلقة] .
قوله: فصل: "والطلاق لا يتوقت".
أقول: مراده أنه لا يصح إيقاع الطلاق مؤقتا بوقت محدود كأن يقول انت طالق شهرا أو سنة لا إذا قال: أنت طالق في الشهر الفلاني أو في أول سنة كذا فإن هذا صحيح.
وأما قوله: "ولا يتوإلي متعدده" فاعلم ان البحث في هذه المسألة يطول إذا اردنا استيفاء ما احتجت به كل طائفة وما اجيب به عليها وقد افردنا ذلك برسالة مستقلة وذكرنا في شرحنا للمنتقى ما ينتفع به الناظر فيه وينشرح له قلبه. والحاصل ان ها هنا حجة تأكل الحجج ودليلا لا يقوم له شيء مما أورد في هذا المقام وهو حديث ابن عباس الثابت في صحيح مسلم وغيره قال كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه اناة فلو امضيناه عليهم فأمضاه عليهم.
فإذا كان هذا هو الطلاق الكائن في زمن رسول الله ﷺ وعمل به الصحابة من بعده زيادة على اربع سنين فأي دافع يدفع هذه الحجة واي معارض يقوم بمعارضتها.
وجميع ما جاءوا به من الاجوبة قد دفعناه في شرحنا المشار اليه ولكن لما كان القول بالتتابع هو الذي ذهب اليه أهل المذاهب الاربعة وقع الاستكثار من المجأولة والمجادلة والامر اقرب من ذاك والحق بين المنار واضح السبيل على ان الادلة الدالة على ما في حديث ابن عباس هذا هي ارجح وأصرح من الادلة المخالفة له كما يعرف ذلك من انصف ولم يتعسف.
وأما ما قيل من التشكيك في لفظ التوالي الواقع في عبارة المصنف فهذيان غريب.
وأما قوله: "ولا تلحقه الاجازة" فلا وجه له بل الظاهر ان قول الزوج عند سماع الطلاق لزوجته من فضولي اجزت ذلك هو بمنزلة ابتداء الطلاق وقد عرفناك ان الطلاق يقع بأي لفظ كان وعلى أي صيغة وقع إذا أراد به الزوج الفرقة.
وأما تعليلهم لعدم الوقوع بأن الاجازة لا تلحق الاستهلاكات فدعوى على دعوى ورأى بحث على راى بحث ولا يغني ذلك من الحق شيئا.
قوله: "لكن يتم كسره".
أقول: إذا قال: أنت طالق نصف طلقة وأراد إيقاع هذا القدر عليها فقط فلا يقع الطلاق اصلا لأنه لم يرد الطلاق الشرعي الذي اذن الله به ولا أراد الفرقة الخالصة التي هي معنى الطلاق فالحكم عليه بالطلاق لم يستند إلي لفظ تكلم به ولا إلي قصد قصده.
[ ٤١٩ ]
وهكذا قوله: "ويسرى" لا وجه له لمثل ما ذكرنا وهكذا ما ذكره من الانسحاب فإنه ابعد عن صوب الصواب.
وأما قوله: "ويدخله التشريك" فإن أراد أن إحدى زوجتيه مشاركة للأخرى التي أوقع عليها الطلاق وان ذلك الذي أوقعه مشترك بينهما فقد عرفت ما قلناه في كسر الطلاق وهذا منه.
وإن أراد ان الاخرى طالق مع الأولى أو كما طلق الأولى فهذا صحيح لانه قد جاء بما يدل على فراق الأولى قاصدا لفراقها ثم تكلم آخرا بما يفيد ان االاخرى قد فارقها كما فارق الأولى.
وأما قوله: "والتخيير" فلا حكم له لأن التخيير في الطلاق بين هذه أو هذه لم يستقر على واحده منهما معينة ولا مبهمة فلا يقع بخلاف ما قدمنا في قوله وما أوقع على غير معين كإحداكن فإنه جازم هنا بطلاق واحدة مبهمة فقد صارت أحداهن مطلقة وهكذا ما التبس بعد تعيينه وبهذا تعرف الفرق بن هذا التخيير وبين ما تقدم.
وأما كونه يتبعه الفسخ فمحتاج إلي دليل لان المحل قد صار غير قابل فلا فرق بين الطرد والعكس.
وأما اعتبار المجلس في المعقود على مال فقد عرفناك ما هو الصواب فيما تقدم.
قوله: "كولا ينهدم الا ثلاثة".
أقول: وجه تخصيص الانهدام بالثلاث لا بما دونها انها مورد النص فإن الله سبحانه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي فإن طلق مرة ثانية من طلقها مرتين فلا تحل له بعد هذا التثليث حتى تنكح زوجا غيره فإن نكحت زوجا غيره حلت له والظاهر انها تحل له حلا مطلقا فيملك عليها من الطلاق ما يملكه لو نكحها ابتداء.
وإذا عرفت ان التثليث هو مورد النصف فاعلم أنه لم يرد في شيء من الكتاب والسنة ما يدل على انها إذا نكحت زوجا غيره بعد طلقة أو تطليقتين ان الطلقة أو الطلقتين يكون لها حكم الثلاث في الانهدام لكن ها هنا قياس قوي هو القياس الذي يسمونه قياس الأولى وتارة يسمونه فحوى الخطاب فإنه يدل على ان انهدام ما دون الثلاث مأخوذ من الآية بطريق الأولى ويعضد هذا ان الاحتساب بما وقع من طلاق الزوج عليها بعد ان نكحت زوجا غيره خلاف ما يوجبه الحل المفهوم من قوله: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فإن ظاهره انها تحل له الحل الذي يكون للزوج على زوجته لو تزوجها ابتداء.
وأما انهدام الشرط فالظاهر أنه ينهدم بنكاحها للغير سواء كان ذلك بعد طلاق الثلاث أو بعد اقل منها لانها لما تزوجت بالغير كان هذا الشرط في حكم العدم ودخلت تحت قوله ﷺ: "لا طلاق قبل نكاح"، [أبو داود "٢١٩٠"، الترمذي "١١٨١"، ابن ماجة "١/٦٦٠"، أحمد "٢/١٨٩، ١٩٠، ٢٠٧"]، ولو قلنا إنه يقع الطلاق بوقوع الشرط إذا صادف كونها زوجة له بعد نكاح زوج آخر لها لكان هذا مما يصدق عليه أنه من الطلاق قبل النكاح وإن كان تعليقه وهي زوجة له لكنها قد
[ ٤٢٠ ]
انمحت تلك الزوجية وصار وجودها كعدمها فكأنه قال لأجنبية إن دخلت الدار بعد ان اتزوجها فهي طالق.
وأما كونهما لا تنهدمان الا بنكاح صحيح فليس المراد بهذه الصحة هو ما يصطلح عليه المفرعون بل المراد الصحة الشرعية وهي الواقعة على الصفة التي كانت تقع عليها انكحة الإسلام.
وأما قوله: "مع وطء" فالاية وإن كانت تتنأول العقد كما تتنأول الوطء على القول بأن لفظ النكاح مشترك بين العقد والوطء اشتراكا لفظيا لكن حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما قالت جاءت امراة رفاعة القرظي إلي النبي ﷺ فقالت كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب قال: "أتريدين أن ترجعي لرفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، يدل على ان المراد بالنكاح في الآية الوطء لا العقد ومعلوم أنه لا يكون وطء الا بعد عقد ولا سيما مع ما أخرجه أحمد والنسائي وأبو نعيم في الحلية من حديث عائشة أيضا قالت: إن النبي ﷺ قال: "العسيلة هي الجماع".
وأخرج أيضا أحمد والنسائي عن ابن عمر قال سئل النبي ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا ويتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل ان يدخل بها هل تحل للأول قال: "لا حتى يذوق العسيلة"، ولفظ النسائي: "لا تحل للأول حتى يجامعها الاخر"،
وأما قوله: "في قبل" فلأن ذلك هو النكاح الذي اذن الله به وهو العسيلة التي ذكرها رسول الله ﷺ. وأما صحة وطء الصغير إذا كان مثله يطأ فلأنه يصدق عليه أنه نكحها وأنه وطئها وإن لم يكن له من اللذة ما يكون للكبير.
وأما المجبوب فلا بد ان يصدق على وطئه أنه وطء والا فلا اعتبار بذلك.
وأما قوله أو في الدمين فلكون ذلك مما يصدق عليه مسمى الوطء.
قوله: "أو مضمر التحليل".
أقول: هذا الذي اضمر التحليل أو واطأ عليه هو الذي لعنه رسول الله ﷺ كما في حديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه وصححه أيضا ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري قال لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له وهو الذي لعنه رسول الله ﷺ في حديث علي بن أبي طالب عند أحمد وأبي دأود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن السكن قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له، وهو الذي لعنه رسول الله ﷺ في حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ "، قالوا: بلى يارسول الله، قال: "هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له"، أخرجه "١٩٣٦"، ابن ماجه والحاكم وفي إسناده مقال وأخرج ابن ماجه "١٩٣٤"، نحوه من حديث ابن عباس وأخرج أحمد "٢/٣٢٣"، والبيهقي
[ ٤٢١ ]
والبزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه وحسنه البخاري.
واللعن على الذنب يدل على أنه ذنب كبير شديد ولا تحل لزوجها الأول بهذا التحليل لأن الله سبحانه قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ البقرة: ٢٣٠]، والمراد النكاح الشرعي وهذا ليس بنكاح شرعي بل نكاح ملعون فاعله والمفعول لأجله.
وأما قوله: "وينحل الشرط بغير كلما" الخ فقد قدمنا الكلام في كلما ومتى ولا شك ان الشرط ينحل في غيرهما بمرة واحده لأن الشرط مطلق والمطلق يصدق بالمرة ولو وقع الشرط مطلقة انحل بذلك لأنها وقت دخولها غير صالحة لوقوع الطلاق عليها على قول من يقول إن الطلاق لا يتبع الطلاق كما تقدم فقد وجد ها هنا مانع من وقوع الطلاق عليها وهو كونها مطلقة.
[ ٤٢٢ ]