[فصل
إذا اختلف المالان ففي الجنس والتقدير بالكيل والوزن يجوز التفاضل والنساء وفي أحدهما أو لا تقدير لهما التفاضل فقد إلا الموزون بالنقد فكلاهما ونحو سفرجل برمان سلما فإن اتفقا فيها اشترط الملك والحلول وتيقن التسأوي حال العقد والتقابض في المجلس وإن طال أو انتقل البيعان أو أغمى عليهما أو أخذ رهنا أو إحالة أو كفالة ما لم يفترقا إلا المتدرك وما في الذمة كالحاضر والحبوب أجناس وكذلك الثمار واللحوم أجناس وفي كل جنس أجناس والألبان تتبع اللحوم والثياب سبعة والمطبوعات ستة فإن اختلف التقدير اعتبر بالأغلب في البلد فإن صحب إحدى المثلين غيره ذو قيمة غلب المنفرد ولا يلزم إن صحبهما ولا حضور المصاحب ولا المصاحبين غالبا] .
قوله: "باب: الربويات إذا اختلف المالان في الجنس والتقدير بالكيل والوزن يجوز التفاضل والنساء".
أقول: قد أشار المصنف ها هنا إلي ثبوت الربا في كل مالين اتفقا جنسا وتقديرا ثم خص
[ ٥٠٦ ]
التقدير بالكيل والوزن وهذا هو أحد الأقوال في تعيين العلة التى تقتضي الربا مع الاتفاق في الجنس وقد قيل إنه قال بهذا العترة جميعا وحكى عن أبي حنيفة واصحابه واستدلوا على ذلك لذكر النبي ﷺ للوزن كما في حديث أبي سعيد عند مسلم "٧٧/١٥٨٤"، وغيره أحمد "٢/٥٣، ٦١" بلفظ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء"، ومثل هذا عند مسلم "٩١/١٨٩١"، وغيره "أحمد ٢/٢٦٢"، النسائي "٤٥٦٩"، من حديث أبي هريرة قال فيه: "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل"، وهكذا في حديث فضالة بن عبيد بن مسلم وغيره قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن"، وورد ذكر الكيل في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة أن يبيع الرجل تمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام وورد في حديث آخر: "لا صاعين بصاع" ولا يخفاك أن ذكره ﷺ للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التسأوي في الأجناس المنصوص عليها فكيف كان هذا الذكر سببا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك وأي مناط استفيد منها مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: "مثلا بمثل سواء بسواء" وقال الشافعي ومن وافقه إن العلة هي الاتفاق في الجنس والطعام واستدلوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث معمر بن عبد الله قال كنت اسمع النبي ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، وكان طعامنا يومئذ الشعير وأقول: ذكر النبي ﷺ الطعام فكان ماذا وأي دليل دل على أنه أراد بهذا الذكر الإلحاق وأي فهم يسبق إلي كون ذلك هو العلة المعدية حتى تركب على ذلك القناطر وتبنى عليه القصور ويقال هذا دليل على أن كل ما به طعم كان بيعه ما به طعم متفاضلا ربا مع أن أول ما يدفع هذا الاستدلال ويفت في عضده الذهب والفضة اللذان هما أول منصوص عليه في الأحاديث المصرحة لذكر الأجناس التى يحرم فيها الربا ومما يدفع القولين جميعا أنه قد ثبت في الأحاديث أن النبي ﷺ ذكر العددي كما في حديث عثمان عند مسلم بلفظ لا تبيعوا الدينار بالدينارين وفي رواية من حديث أبي سعيد: "ولا درهمين بدرهم" ولم يعتبر العدد أحد من أهل هذين القولين ولا من غيرهم وقد وافقت المالكية الشافعي في الطعام وزادت عليه الإدخار والاقتيات فوسعوا الدائرة بما ليس بشيء.
والحاصل أنه لم يرد تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها ولكنه روى الدارقطني والبزار عن الحسن بن عبادة وأنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا وما كيل فمثل ذلك فإذا اختلف النوعان فلا بأس به"، وقد ذكره ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه وفي إسناده الربيع بن صبيح قال أحمد لا بأس به وقال يحيى بن معين في رواية عنه: إنه ضعيف وفي أخرى ليس به بأس ربما دلس وقال ابن
[ ٥٠٧ ]
سعد والنسائي ضعيف وقال أبو زرعة شيخ صالح وقال أبو حاتم رجل صالح انتهى ولا يلزم من وصفه بالصلاح أن يكون ثقة في الحديث وقال في التقريب صدوق سيء الحفظ ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم فإنه حكم بالربا الذى هو من أعظم معاصي الله سبحانه على غير الأجناس التى نص عليها رسول الله ﷺ وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التى هى من الكبائر ومن قطعيات الشريعة ومع هذا فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع والجم والسواد الأعظم ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية فقط.
وأعلم أن من أعظم الربا وأشده ربا الجأهلية الذى وضعه رسول الله ﷺ ودلت عليه الأحاديث الصحيحة وثبت إجماع الأئمة جميعا على تحريمه وهو أن يحضر أجل الدين فلا يرده من هو عليه فيزيد عليه من هو له شيئا ويمهله إلي أجل آخر فهذا ربا ثابت وإن لم يكن التبايع الكائن في تلك الأجناس المنصوص عليها ثم أعلم أنه لا ينافي ثبوت ربا الفضل في تلك الأجناس ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٢١٨٧"، مسلم "١٠١، ١٠٢، ١٠٣/١٥٩٦"] وغيرهما [النسائي: "٤٥٨٠، ٤٥٨١"، ابن ماجة "٢٢٥٧"، أحمد "٥/٢٠٠"]، من حديث أسامة بن زيد مرفوعا بلفظ: "إنما الربا في النسيئة" زاد مسلم في رواية عن ابن عباس: "لا ربا فيما كان يدا بيد" لأنه وقع الاختلاف في الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث المصرحة بالربا في الأجناس المنصوص عليها إذا لم يكن مثلا بمثل سواء بسواء فقيل إن حديث أسامة هذا منسوخ ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال ولعل القائل بالنسخ لما بلغه رجوع ابن عباس عن العمل به ظن أنه منسوخ وقيل معنى قوله إنما الربا في النسيئة الربا الأغلظ الشديد التحريم فيكون من الحصر الادعائي وهو خلاف الظاهر والأولى أن يقال إن حديث: "إنما الربا في النسيئة" دل بمفهومه على نفي ربا الفضل في الأجناس المنصوص عليها وفي غيرها وأحاديث ربا الفضل المنصوص عليه في الأجناس المنصوص عليها مخصصة لهذا العموم وأيضا الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل تدل على ذلك بمنطوقها ودلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم.
وأما رواية مسلم عن ابن عباس بلفظ: "لا ربا فيما كان يدا بيد" فلم يثبت ذلك من قول رسول الله ﷺ ولو كان ثابتا لبقي عليه ابن عباس ولم يرجع عن قوله وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله ﷺ بما يدل على تحريم ربا الفضل وقال حفظا من رسول الله ﷺ ما لم أحفظ ولو سلمنا ثبوت تلك الزيادة عن رسول الله ﷺ لكان عمومها المدلول عليه بالنكرة الواقعة في سياق النفي مخصص بأحاديث ربا الفضل في تلك الأجناس المنصوص عليها ولو سلمنا التعارض تنزلا لكانت الأحاديث المصرحة بربا الفضل أرجح لثبوتها في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة قال الترمذي بعد أن ذكر حديث أبي سعيد المصرح بالأجناس المثبت لربا الفضل وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي وهشام بن عامر والبراء بن أرقم
[ ٥٠٨ ]
وفضالة بن عبيد وأبي بكرة وابن عمر وأبي الدرداء وبلال وبما ذكرناه يرتفع الإشكال على كل تقدير وقد وقع للجلال في هذا المقام من شرحه لهذا الكتاب من الهذيان الذى جرت به عادته ما لا يخفي بطلانه إلا على فاقد الفهم غير نافذ العرفان ولا ناقد لزائف الكلام.
قوله: "وفي أحدهما أولا تقدير لهما التفاضل فقط".
أقول: أما الأجناس الربوية إذا اختلف فيدل على جواز التفاضل فيها دون النساء ما أخرجه مسلم وغيره من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وآله س وسلم قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"، وفي لفظ لأبي دأود والنسائي وابن ماجة: وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا والإشارة بقوله ﷺ: "فإذا اختلفت هذه الأصناف"، الخ يدل على أنه يجوز فيها مع الاختلاف التفاضل دون النساء فلا يجوز مثلا بيع الطعام بالدراهم إلا إذا كان يدا بيد وقد استدل من جوز ذلك بما صح في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعأما بنسيئة وأعطاه درعا له رهنا ولا معارضة بين هذا وبين حديث عبادة لإمكان الجمع بأن هذا مخصص لاشتراط التقابض بمثل هذه الصورة إذا سلم المشتري رهنا في الثمن وقد استدل بعضهم بالإجماع على جواز ذلك من غير تقابض إذا كان الثمن نقدا فإذا صح هذا الإجماع كان حجة عند من يرى حجيته.
وأما قول الجلال إنها زيادة تفرد بها عبادة فليس من جنس كلام أهل العلم فإن الزيادة الخارجة من مخرج صحيح مقبولة بالإجماع وتفرد الصحأبي بالرواية حجة عند جميع المسلمين كيف وقدمنا حديث ابن عمر الثابت عند أحمد وأهل السنن مع تصحيح الحاكم له أنه قال للنبي ﷺ إني أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال: "لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء"، وأخرجه ابن حبان والبيهقي ولم يأت من أعله بحجة مقبولة وسماك إمام حجة وأما جواز التفاضل فيما لا تقدير له بكيل أو وزن فقد ثبت عند أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث جابر أن النبي ﷺ اشترى عبدا بعبدين وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس أن النبي ﷺ اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي وما أظنه يخالف في جواز التفاضل في هذا إذا كان يدا بيد أحد من أهل العلم.
وأما جواز النساء فيه فقد أخرج أحمد وأبو دأود والدارقطني من حديث عبد الله ابن عمر وقال أمرني رسول الله ﷺ أن أبعث جيشا على إبل كانت عندي قال فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل وبقيت بقية من الناس وقلت: يا رسول الله الإبل قد نفدت وقد بقيت بقية من الناس لا ظهر لهم فقال لي: "ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة
[ ٥٠٩ ]
إلي محلها حتى تنفذ هذا البعث" فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله ﷺ وفي إسناده محمد بن إسحق وهو إمام وإن كان قد تكلم فيه بعض أهل العلم فذلك بغير حق وقد رواه البيهقي من غير طريقه وقوى ابن حجر في الفتح إسناد هذا الحديث ولكنه قد عارض هذا الحديث ما أخرجه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن الجارود من حديث الحسن عن سمرة قال نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ورجال إسناده ثقات إلا ما هو مشهور من الخلاف في سماع الحسن من سمرة وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند من حديث جابر بن سمرة مثله وأخرج البزار والطحأوي وابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس نحو حديث سمرة قال في الفتح ورجاله ثقاة إلا أنه اختلف في وصله وإرساله فرجح البخاري وغيره إرساله وقد ذهب الجمهور إلي جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلا مطلقا وشرط مالك أن يختلف الجنس ومنع من ذلك مطلقا مع النسيئة أبو حنيفة وأحمد بن حنبل وحمل الشافعي المنع على النسئية من الطرفين لأنه من بيع الكاليء بالكاليء وهو لا يصح عند الجميع وعلى فرض عدم إمكان الجمع فأحاديث النهي أرجح واصح ولم يصب من حمل النهي على المضامين وهي ما في بطون الأنعام كما فعل الجلال فإنه حمل الأحاديث على أندر صورة وقد ورد النهي عن بيع الملاقيح والمضامين على حدته وهو أعم من أن تشتري بنقد أو عرض ولكن محبة الإغراب تأتي بمثل هذا العجاب.
وأما قوله المصنف: "إلا الموزون بالنقد فكلاهما" فقد قدمنا الكلام عليه قريبا.
وأما قوله: "ونحو سفرجل برمان سلما" فليس ها هنا ما يدل على المنع من بيع السفرجل بالرمان على أي صفة كان ولا مدخل للربا في ذلك بوجه لكونهما لم يكونا من الأجناس التي نص عليها الشارع ولا اتفق التقدير فيهما بالكيل أو الوزن ولا اعتبار عند المصنف بالعدد ولا عند غيره.
قوله: "فإن اتفقا فيهما اشترط الملك" الخ.
أقول: هذا كله صحيح وأما اشتراط الملك فلكون التصرف في مال الغير بغير إذنه من أكل أموال الناس بالباطل لا من التجارة عن تراض وأما اشتراط الحلول فللأحاديث المصرحة باشتراط أن يكون يدا بيد ولحديث: "إنما الربا في النسيئة" وأما تيقن التسأوي حال العقد فللأحاديث المصرحة باشتراط أن يكون مثلا بمثل سواء بسواء وأما التقابض في المجلس فلقوله يدا بيد ونحو ذلك وإن كان قد أغنى عن هذا القيد قوله الحلول فإنه عدم التأجيل ولا يتحقق عدم التأجيل إلا بالتقابض وأما قوله وإن طال فما دأما في المجلس فلا فرق بين أن يقفا فيه وقوفا طويلا أو قصيرا.
وأما قوله: "أو انتقل البيعان" فمشروط بأن لا يتفرقا أما لو انتقلا متفرقين فقد انقضى المجلس الأول وهما غير متقابضين فلم يكن ذلك القبض الواقع في المجلس الآخر مما يدخل تحت قوله ﷺ: "إلا يدا بيد". وقوله: "إلا هاء وهاء".
[ ٥١٠ ]
وأما قوله: "أو أغمى عليهما أو على أحدهما" فصحيح لأن ذلك عذر مسوغ.
وأما قوله: "أو أخذ رهنا أو إحالة أو كفالة" فباطل مخالف للأدلة مدفوع بها إن أراد أن أحد هذه الأمور يغني عن القبض وإن أراد أنه يكفي ذلك ما دأما في المجلس كما يفيده قوله ما لم يفترقا فلا حاجة إلي هذه الأمور مع البقاء في المجلس لأن التقابض فيه يكفي من غير توسيط هذه الأمور والتعرض لذكر مفارقة المستدرك لهما مما لا حاجة إله ولا مدخل له.
قوله: "وما في الذمة كالحاضر".
أقول: هذه الكلية وإن كان ظاهرها المخالفة للأدلة المشروطة للتقابض المحقق فيمكن أن يستشهد لصحتها بالقرض فإن المستقرض دفع مثل الثابت في ذمته مع عدم وجوده حال القضاء فكان ما في ذمته كأنه حاضر ولكن لا بد أن يكون ما في الذمة باعتبار أحد المتبايعين والمقابل له حاضر وإلا كان من بيع الكاليء بالكاليء كما تقدم.
وأما قوله: "والحبوب أجناس" إلي قوله: "فإن اختلف التقدير" فلا يخفاك أنه لا بد أن يصدق على ما قيل بجنسيته أن أهل اللغة يطلقون عليه ذلك الاسم أو يثبت أنه جنس عند أهل الشرع وأما مجرد الأعراف والاصطلاحات فلا يتعلق ببيانها كثير فائدة ولا يترتب عليها ثمرة إلا في مثل الأيمان وما يلتحق بها فإن كل حالف أو متكلم بكلام لا يقصد في الظاهر إلا عرف قومه واصطلاح أهل بلده والمقام مقام ثبوت الربا أو عدمه فلا يتكل فيه على ما لا يسمن ولا يغني من جوع.
قوله: "فإن اختلف التقدير اعتبر بالأغلب في البلد".
أقول: هذا العرف الغالب لا يثبت به شيء من الأمور الشرعية مثلا لو جرى عرفهم أن الذهب والفضة يكالان لم يكن الكيل مصححا لبيع الجنس بجنسه حتى يقع الوزن لأن النبي ﷺ يقول: "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل"، وهكذا لو جرى عرفهم أن البر أو الشعير يوزنان لم يجز بيع الجنس بجنسه حتى يعرف التسأوي بينهما بالكيل ومن قال إن الاتفاق في التقدير بالكيل والوزن موجب لثبوت الربا كما سبق لم يكن مجرد كيل بلد أو وزنها مقتضيا لذلك لأنه قد رتب على هذا أمر شرعي ولو كان مثل ذلك مسوغا لإثبات الأحكام الشرعية لكان الربا في الشيء ثابتا في بلد وغير ثابت في أخرى وإنما يثبت بذلك حمل ما يصدر من أهل البلد في المجأوزة عليه لأنه الذي يتعلق به القصد لهم وأما مثل صاع الفطرة وأوساق الزكاة فالاعتبار بمكيال المدينة في المكيل وهكذا الاعتبار في مثل قوله ﷺ: "في خمس أواق صدقة"، وفي الدية ونصاب السرقة ونحو ذلك بميزان مكة لما أخرجه أبو دأود والنسائي والبزار وابن حبان والدارقطني وصححاه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة"، ورواه أيضا أبو دأود من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا الدارقطني عن ابن عباس من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن خنظلة عن طأوس عنه وأخرجه عنه ومن طريق أبي نعيم عن الثوري عن حنظلة عن سالم بدل طأوس قال الدارقطني أخطأ أبو أحمد فيه.
[ ٥١١ ]
وإذا تقرر لك أن الاعتبار في الأمور الشرعية بمكيل المدينة ووزن مكة عرفت أنه لا اعتبار بما يخالف ذلك وأن أطبق عليه الأكثر أوالأغلب بل يعتبر في الأمور العرفية ما جرى به العرف في البلد فإن اختلف كان الاعتبار بالأغلب لما تقدم فكلام المنصف لا يصح إلا من هذه الحيثية وبهذا الاعتبار فمن حلف مثلا لا أكل موزونا لم يحنث إلا بما هو موزون في بلدة لأنه المقصود له عند حلفه ولا يتصور غيره.
قوله: "فإن صب أحد المثلين إلي آخر الفصل".
أقول: هذا المسائل التي يسمونها مسائل الاعتبار مردودة مدفوعة بالنسبة الصحيحة الصريحة دفعا أظهر من شمس النهار وأجل من عمود الصباح أما أولا فبالأحاديث المتواترة المشتملة على أن تلك الأجناس لا تباع إلا مثل بمثل سواء بسواء فانضمام ما ليس من جنس واحد المتسأويين إلي أحدهما لا يسوغ أن يكون الجنس المقابل له أكثر قدرا منه ولو بلغ في القيمة ما بلغ ووصل في النفاسة وارتفاع الجنس إلي أبلغ غاية وأما ثانيا فحديث القلادة الذى أخرجه مسلم وغيره وصححه جماعة من الأئمة من حديث فضالة بن عبيد قال اشتريت قلادة يوم خيبر بأثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "لا يباع حتى يفصل"، وفي لفظ أن النبي ﷺ قال: "لا حتى تميز بينه وبينه"، فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي ﷺ: "لا حتى تميز بينهما"، وقد أخرجه الطبراني في الكبير من طرق كثيرة جدا يدل أبلغ دلالة على أن هذه المسائل مخالفة للشريعة المطهرة مضادة لها وتنادى بأعلى صوت أن مثلها يستلزم تحليل ما حرم الله من الربا الذى توعد عليه بالحرب منه واتفق المسلمون على تحريمه وأنه من كبائر الذنوب والعجب ممن يزعم من أهل الإنصاف كالمقبلي أنها إذا طابت أنفس المتعاملين لذلك ورضيا به كان من البيع المأذون فيه فإن هذه غفلة عظيمة للعلم لأن الله سبحانه لم يجعل للتراضي فيما هو ربا أو وسيلة إلي الربا حكما يحلل هذا الحرام البحت والكبيرة العظيمة وأما تأويل حديث القلادة هذا بأنه وجد فيها ذهبا أكثر من شرائها به فلم يكن المنفرد غالبا كما فعل الجلال في شرحه لهذا الكتاب فتأويل زائف وقد ذهب إلي العمل بحديث القلادة كثير من السلف الصالح وإليه ذهب مالك والليث وأحمد وإسحق وغيرهم وهو الحق الذى لا شك فيه ولا شبهة.
[فصل
ويحرم بيع الرطب والتمر والعنب بالزبيب ونحوهما والمزابنة إلا العرايا وتلقي الجلوبة واحتكار قوت الآدمي والبهيمة الفاضل عن كفايته ومن يمون إلي الغلة مع الحاجة
[ ٥١٢ ]
وعدمه إلا مع مثله فيكلف البيع في القوتين فقط والتفريق بين ذوي الأرحام المحارم في الملك حتى يبلغ الصغير وإن رضي الكبير والنجش والسوم على السوم والبيع على البيع بعد التراضي وسلم أو سلف وبيع وربح ما اشترى بنقد غصب أو ثمنه وبيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء وبأقل مما شرى به إلا من غير البائع أو منه غير حيلة أو بغير جنس الثمن الأول أو بقدر ما انتقص من عينه وفوائده الأصلية] .
قوله: "ويحرم بيع الرطب بالتمر".
أقول: وجهه ما أخرجه أحمد "١/١٧٥"، وأهل السنن أبو داود "٣٣٥٩"، الترمذي "١٢٢٥"، النسائي "٤٥٤٥، ٤٥٤٦"، ابن ماجة "٢٢٦٤"، وصححه الترمذي "٣/٥٢٨"، وابن خزيمة والحاكم كلهم وصححه أيضا قبلهم ابن المديني من حديث سعد بن أبي وقاص قال سمعت أن النبي ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: "أينقص الرطب إذا يبس؟ "، قالوا: نعم فنهى عن ذلك.
وأما قوله: "والعنب بالزبيب" فلما سيأتي في الحديث المتفق عليه من تحريمه ﷺ لبيع الكرم بالزبيب والمراد بالكرم العنب ولا علة للمنع من ذلك إلا تجويز النقص وكونه في شجرة لا تأثير له فكان محرما بالنص لا بالقياس على التمر بالرطب وأما قوله ونحوهما فالمراد به كل جنس ربوي إذا كان بعضه أخضر وبعضه يابسا أو بعضه مبلولا وبعضه غير مبلول لعدم العلم بالتساوي فمنعه داخل تحت النصوص المصرحة بقوله ﷺ: "إلا مثلا بمثل سواء بسواء".
قوله: "والمزابنة إلا العرايا".
أقول: المزابنة بيع التمر في النخل بالتمر كما وقع تفسيرها بذلك في الصحيحين [البخاري "٤/٣٨٤"، مسلم "٧٢/١٥٤"]، وغيرهما أبو داود "٣٣٦١"، النسائي "٧/٢٦٦"، ابن ماجة "٢٢٦٥"، أحمد "٢/٥"، بلفظ: "وهي بيع التمر على رؤوس النخل كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا"، وهذا التفسير إن صح رفعه قامت به الحجة في تفسير المزابنة وإن كان مدرجا كما قيل فهو يدل على معناه ما في الصحيحين [البخاري "٥/٥٠"، مسلم "٧٠/٨١٥٤٠"]، وغيرهما أحمد "٤/١٤٠"، من حديث رافع بن خديج وسهل ابن أبي حثمة أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة بيع الثمر بالثمر إلا أصحاب العرايا والثمر بالثاء المثلثة وقوله بالتمر بالتاء المثناة الفوقية والمراد بالثمر بالمثلثة هو ما كان في النخلة فلا يقال له ثمرا إلا ما دام فيها وهكذا في الصحيحين وغيرهما من غير حديثهما وقد صرح بذلك مسلم في رواية له فقال ثمر النخلة وفي الصحيحين أيضا في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة أن يبيع الرجل تمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله فتقرر بهذا أن المزابنة بيع ثمر النخلة ما دام فيها ومثل ذلك بيع العنب في أصوله وبيع الزرع قبل قطعه بأجناس هذه الثلاثة الأجناس التي قد جفت ويبست فإن كل ذلك مزابنة ووجه المنع عدم العلم بالتساوي في الجنس الربوي وأما العرايا فأصلها أن العرب كانت تتطوع على من لا ثمر له كما
[ ٥١٣ ]
يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة قال الجوهري في الصحاح العرية هي النخلة التى يعريها صاحبها رجلا محتاجا بأن يجعل له ثمرها عأما من عراه إذا قصده انتهى فرخص ﷺ لمن لا نخل لهم أن يشتروا الرطب على النخل بخرصها تمرا كما وقع في الصحيحين [البخاري "٤/٣٨٧، مسلم "٦٧/١٥٤٠"، وغيرهما أبو داود "٣٦٦٣"، الترمذي"١٣٠٣"، النسائي "٧/٢٦٨"، من حديث سهل بن أبي حثمة وكذا في البخاري وغيره من حديث زيد بن ثابت وفي لفظ في الصحيحين [البخاري "٤/٣٧٧، مسلم "٦١/١٥٣٩"]، من حديثه: "رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا"، وفي لفظ لهما من حديثه: "ولم يرخص في غير ذلك" فهذا جائز والذي أخبرنا بتحريم الربا ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص لنا في العرايا والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة ومن منع من ذلك فقد تعرض لرد الخاص بالعلم ولرد الرخصة بالعزيمة ولرد السنة بمجرد الرأي وهكذا من منع من البيع وجوز الهبة كما روى عن أبي حنيفة ولكن هذه الرخصة مقيدة بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة كما وقع في حديث جابر عند الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك.
قوله: "وتلقي الجلوبة".
أقول: لنهيه ﷺ عن ذلك كما ثبت في الصحيحين [البخاري"٤/٣٧٣"، مسلم "١٥/٥١٨" [، وغيرهما [أحمد "١/٤٣٠"، ابن ماجة "٢١٨٠"، الترمذي "١٢٢٠"]، من حديث ابن مسعود نهى النبي ﷺ عن تلقي البيوع وفي لفظ من حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره: نهى النبي ﷺ أن يتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق والنهي ثابت في الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر وابن عباس وقد اختلف أهل العلم هل هذا البيع صحيح أم باطل واستدل من قال بأنه صحيح بإثبات الخيار المذكور في الحديث فإنه يدل على انعقاد البيع وقالوا أيضا النهي هنا لأمر خارج لا لعين البيع ولا لوصفه ونقول هذا التلقي حرمه الشارع على فاعله بنهيه الثابت بلا خلاف فمن زعم أن ما ترتب على هذا الحرام صحيح فقد خالف مقاصد الشرع بمجرد رأي حرره أهل الأصول لا يستند إلي ما تقوم به الحجة وأما إثبات الخيار فهو دليل على أن هذا البيع موكول إلي اختيار صاحبه إن أمضاه مضى وإن لم يمضه فوجوده كعدمه فهو حجة عليهم لا لهم لأن هذا الإمضاء هو الذي وقع به التجارة عن تراض وما تقدم منه من الرضا فقد أبطله انكشاف الأمر على غير ما وقع من تغرير المتلقي وليس المراد بقوله سبحانه: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩]، مثل هذا الرضا الناشيء عن التغرير والتلبيس بل الرضا المحقق بلا تغرير وطيبة النفس الصحيحة.
قوله: "واحتكار قوت الآدمي والبهيمة".
[ ٥١٤ ]
أقول: لما ثبت في صحيح مسلم "١٢٩/١٦٠٥"، وغيره [أبو داود "٣٤٤٧"، الترمذي "١٢٦٧"، ابن ماجة "٢١٥٤"، أحمد "٦/٤٠٠"]، من حديث معمر بن عبد الله العدوي أن النبي ﷺ قال: "لا يحتكر إلا خاطيء"، ولحديث معقل بن يسار عند أحمد والترمذي قال قال رسول الله ﷺ: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يعقده بعظم من النار يوم القيامة"، ورجاله رجال الصحيح كما قال في مجمع الزوائد إلا زيد بن مرة أبو المعلا قال ولم أجد من ترجمة ولحديث ابن عمر عند ابن ماجه وإسحق بن راهويه والدارمي وأبي يعلى والعقيلي والحاكم بلفظ: "الجالب مرزوق والمحتكر معلون" وفي إسناده ضعف ولحديث ابن عمر عند أحمد وابن أبي شيبة والبزار وأبي يعلى والحاكم بلفظ: "من احتكر الطعام أربعين يوما فقد برئ من الله وبرئ الله منه" وفي إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة والأول مختلف فيه والثاني كذلك وقد وثق الأول النسائي ووثق الثاني أو سعيد وفي الباب أحاديث والاحتكار والحكرة قد فسرا بحبس السلع عن البيع وهذا يدل على تحريم الاحتكار لكل ما تدعو إليه حاجة الناس ويؤيد هذا حديث: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين" فإنه يعم كل ما له سعر فلا يكون التنصيص على الطعام في بعض الأحاديث مقتضيا لتخصيص تحريم الاحتكار لأن ذلك من التنصيص على بعض أفراد العام وأيضا إذا كانت العلة الإضرار بالمسلمين فهو يشمل كل ما يتضررون باحتكاره وتدعو حاجتهم إليه وإن كان التضرر باحتكار الطعام أكثر لمزيد الحاجة إليه ويدخل في ذلك قوت الدواب.
وأما قوله: "الفاضل عن كفايته ومن يمون إلي الغلة" فقد حكى ابن رسلان في شرح السنن الإجماع على جواز ذلك فقال ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان من قوت وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به انتهى ويدل على ذلك ما ثبت أن النبي ﷺ كان يعطي كل واحدة من أزواجه مائة وسق من خيبر قال ابن رسلان في شرح السنن وقد كان رسول الله ﷺ يدخر لأهله قوت سنتهم من تمر وغيره.
وأما قوله: " مع الحاجة" فهذا القيد لا بد منه لأن إدخار ما لا حاجة للناس إليه لا يضربهم إلا إذا كان فعله لذلك يقضي إلي الغلاء فإنه يتنأوله قوله ﵌: "ليغليه عليهم".
قوله: "فيكلف البيع".
أقول: هذا صحيح لأنه فاعل لما هو من محرمات الشريعة مع مزيد أن فيه إضرارا بالمسلمين فلا يجوز تقريره على الحرام ولا يجوز ترك المسلمين يتلهفون من الجوع صيانة لهذا المحتكر الخاطيء المضار للمسلمين ولهذا عاقبة أمير المؤمنين علي ﵁ بتحريق طعامه وأما قول الجلال ها هنا إلي المنكر هو ما كان دليله قطعيا بحيث لا خلاف فيه فمن ساقط الكلام وزائفه فإن إنكار المنكر لو كان مقيدا بهذا القيد لبطل هذا الباب وانسد بالمرة وفعل من شاء ما شاء إذ لا محرم من محرمات الشريعة في الغالب إلا وفيه قول لقائل أو شبهة من الشبه وسيأتي في هذا الكتاب في السير أنه لا إنكار في مختلف فيه على ما هو مذهب وهو أيضا باطل من القول وإن كان أقل مفسدة من هذا الكلام.
[ ٥١٥ ]
قوله: "إلا التسعير في القوتين".
أقول: يدل على عدم جواز التسعير القرآن الكريم قال الله ﷿: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩]، فمن وقع الإجبار له أن يبيع بسعر لا يرضاه في تجارته فقد أجبر بخلاف ما في الكتاب وهكذا يدل على عدم جواز التسعير قوله سبحانه وتعالي: ﴿وَلا تَأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، فإن من أكره على بيع ماله بدون ما يرضى به فقد أكل ماله بالباطل وهكذا يدل على عدم جواز التسعير قوله ﷺ: "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه"، ويدل على عدم جوازه على الخصوص ما أخرجه أحمد وأبو دأود والترمذي وابن ماجه والدارمي والبزار وأبو يعلى وصححه الترمذي وابن حبان من حديث أنس إن السعر غلاء فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال: "إن الله هو المسعر القابض الباسط وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال"، قال ابن حجر وإسناده على شرط مسلم.
ويدل على عدم جوازه على الخصوص أيضا ما أخرجه أحمد وأبو دأود من حديث أبي هريرة قال جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر، فقال: "بل أدعو الله" ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعر فقال: "بل الله يخفض ويرفع" قال ابن حجر وإسناده حسن.
ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه ابن ماجة والبزار والطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد بنحو حديث أنس قال ابن حجر وإسناده حسن أيضا قال وللبزار نحوه من حديث علي وعن ابن عباس في الطبراني في الصغير وعن أبي جحيفة في الكبير وأغرب ابن الجوزي فأخرجه في الموضوعات عن علي وقال إنه حديث لا يصح انتهى وظاهر هذه الأدلة عدم الفرق بين القوتين وغيرهما لأن الكل يتأثر عنه عدم طيبة النفس ويقع على خلاف التراضي المعتبر ولا فرق بين أن يكون في التسعير الرد إلي ما يتعامل به الناس أو إلي غيره فإن الفرق بمثل هذا الفرق هو مجرد رأي وملاحظة مصلحة في شيء يخالف الشرع وقد أشار ﷺ في حديث أنس السابق إلي ما يفيد أن في التسعير مظلمة فلا خير ولا مصلحة في مظلمة بل الخير كل الخير والمصلحة كل المصلحة في العمل بما ورد به الشرع.
قوله: "والتفريق بين ذوي الأرحام والمحارم".
أقول: لحديث أبي أيوب عند أحمد والترمذي وحسنه والدارقطني والحاكم وصححه قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"، ولحديث أبي موسى عند ابن ماجه والدارقطني بإسناد لا بأس به قال: لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالد وولده وبين الأخ وأخيه ولحديث علي عند أبي دأود والدارقطني أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ عن ذلك ورد البيع وقد أعله أبو دأود بالانقطاع ولكنه أخرجه الحاكم وصحح إسناده ورجحه البيهقي لشواهده ولحديث علي أيضا عند ابن ماجه والدراقطني وصححه ابن خزيمة وابن الجارود
[ ٥١٦ ]
وابن حبان والحاكم والطبراني وابن القطان قال أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما وفرقت بينهما فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا"، ولحديث أنس أيضا عند ابن عدي بلفظ: "لا يولهن والد عن ولده"، وفي إسناده مبشرين عبيد وهو ضعيف ورواه من طريق أخرى فيها إسماعيل ابن عياش عن الحجاج بن أرطاه وقد تفرد به إسماعيل وهو ضعيف في غير الشاميين ولحديث أبي سعيد عند الطبراني بلفظ: "لا توله والدة بولدها"، وأخرجه البيهقي.
وهذه الأحاديث تدل على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها وبين الوالد وولده وبين الأخوين وقد قيل إنه مجمع على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها ومن عدا من هو مذكور في هذه الأحاديث فقيل إنه يحرم بطريق القياس وظاهر الأحاديث أنه يحرم التفريق بالبيع وغيره.
وأما قوله: "حتى يبلغ الصغير وأن رضى الكبير" فقد استدل على ذلك بما أخرجه الدارقطني والحاكم من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: "لا يفرق بين الأم وولدها" قيل: إلي متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية" وفي إسناده عبد الله بن عمرو الواقعي وهو ضعيف وقد رماه علي بن المديني بالكذب ولكن لم يبق بعد البلوغ ما يحصل به التضرر التام كما في من كان صغيرا وقد حكى المصنف في الغيث الإجماع على جواز التفريق بعد البلوغ.
قوله: "والنجش".
أقول: النجش في اللغة تنفير الصيد وإثارته من مكان ليصاد يقال نجشت الصيد أنجشه وفي الشرع الزيادة في السلعة فيعطي بها الشيء وهو لا يريد شراءها ليقتدي به السوام فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعون نجشه وقد ثبت النهي عن ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر وعند مسلم من حديث عقبة بن عامر وفي الباب غير ذلك وقد نقل ابن بطال الإجماع على أن الناجش عاص بفعله قال واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع إذا وقع على ذلك وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك وهو المشهور عند الحنابلة وهو وجه للشافعية قلت وهو الحق لاقتضاء النهي لذلك.
قوله: "والسوم على السوم".
أقول: لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من النهي عنه من حديث أبي هريرة وغيره كما ثبت النهي عن السوم على السوم ثبت النهي عن البيع على البيع في الصحيحين [البخاري "٢١٤٠"، مسلم "١٥١٥"، وغيرهما أبو داود "٣٤٤٣"، من حديث أبي هريرة أيضا وثبت في غير الصحيحين من غير حديثه وصورة السوم أن يأخذ الرجل سلعة ليشتريها فيقول له قائل رده لأبيعك خيرا منه أو مثله بأرخص منه أو يقول للبائع رده لأشتريه منك بأكثر وأما صورة البيع على البيع والشراء على الشراء فهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار أفسخ لأبيعك بأنقص أو
[ ٥١٧ ]
يقول للبائع: أفسخ لأشتري منك بأزيد قال ابن حجر في الفتح وهذا مجمع عليه فعرفت بهذا أن صورة السوم على السوم غير صورة البيع على البيع وأن تقييد المنع بكونه بعد التراضي هو الصواب وأما بيع المزايدة فقد دل على جوازه ما أخرجه أحمد وأبو دأود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث أنس أن النبي ﷺ باع
قدحا وحلسا فيمن يزيد وفي لفظ لأبي دأود أن النبي ﷺ نادى على قدح وحلس لبعض أصحابه فقال رجل هما علي بدرهم قال آخرهما علي بدرهمين وحكى البخاري عن عطاء أنه قال أدركت الناس لا يرون بأسا ببيع المغانم فيمن يزيد وقال الترمذي بعد إخراجه لحديث أنس المذكور والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لم يروا بأسا ببيع من يزيد في المغانم والمواريث قال ابن العربي لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث فإن الباب واحد والمعنى مشترك.
قوله: "وسلم أو سلف وبيع".
أقول: قد ثبت النهي عن السلف والبيع بما أخرجه أحمد وأبو دأود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح وصححه أيضا ابن خزيمة والحاكم من حديث عبد الله ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع"، الحديث قال أحمد هو أن يقرضه قرضا ثم يبايعه عليه بيعا يزداد عليه وهو فاسد لأنه إنما يقرضه على أن يحأبيه في الثمن وقد يكون السلف بمعنى السلم وذلك مثل أن يسلم إليه في شيء ويقول إن لم يتهيأ المسلم فيه عندك فهو بيع لك وهذه الصورة داخلة تحت الأحاديث المشتملة على النهي عنه أن يبيع الإنسان ما ليس عنده وداخلة تحت الأحاديث المشتملة على النهي عن بيع الشيء قبل قبضه فهذه الصورة التى ذكرها المصنف قد منع الشارع عنها وكل ما منع الشارع عنه فهو باطل ولا فرق بن منع ومنع ولا بين نهي ونهي إلا أن تقوم قرينة تدل على أن المراد من ذلك مجرد الكراهية فقط القاصرة عن رتبة التحريم وما اعتل به الحامدون على الرأي من قولهم هذا نهي عنه لذاته وهذا نهي عنه لوصفه وهنا نهى عنه لأمر خارج عنه كما وقع ذلك في كتب الأصول فقد عرفناك غير مرة أن هذه التفرقة مبنية على رأي بحت لم تربط بدليل عقل ولا نقل ولا شك أنه لم يذكر كثيرا من المناهي ولها حكم هذه المذكورة.
قوله: "وربح ما اشترى ينقد غصب أو ثمنه".
أقول: إنما تعرض المصنف لذكر الربح هنا مع كونه في مناهي البيع لأن ذلك مترتب على الشراء بنقد الغصب أو ثمنه فهو من ذيول مباحث البيع والشراء من هذه الحيثية على أن النبي ﷺ قد ذكر عدم حل هذا الربح مقترنا بمناهي البيع كما في حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك"، أخرجه أحمد وأبو دأود والنسائي والترمذي وصححه أيضا ابن خزيمة والحاكم وقد تقدم طرف منه قريبا.
قوله: "وبيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النسا".
[ ٥١٨ ]
أقول: يمكن الاستدلال لهذا المنع بما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا"، وبما أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال نهى النبي ﵌ عن صفقتين في صفقة قال سماك هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسا بكذا وهو ينقد بكذا وكذا قال في مجمع الزوائد رجال أحمد ثقات فهذان الحديثان قد دلا على أن الزيادة لأجل النسا ممنوعة ولهذا قال: "فله أوكسهما أو الربا" والأعيان التي هي غير ربوية داخلة في عموم الحديثين وقد أفردت هذا البحث في رسالة مستقلة سميتها شفاء العلل في حكم زيادة الثمن لأجل الأجل والكلام في المقام يطول وقد ذهب الجمهور إلي جواز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النسا ونازعوا في دلالة الحديثين المذكورين على محل النزاع.
قوله: "وبأقل مما اشترى به" الخ.
أقول: إذا كان المقصود التحيل فلا فرق بين بيعه من البائع أو غيره وبين أن يكون بجنس الثمن الأول أو بغير جنسه فالأولى أن يقال وبأقل مما شرى به حيلة فإن ذلك يغني عن هذا التطويل الذي ذكره المصنف ووجه المنع من ذلك ما فيه من التوصل إلي الربا لأن الغالب في مثل هذا أن يريد الرجل أن يزيد له المستقرض زيادة على ما أقرضه فيتوصل إلي تحليل ذلك بهذه الحيلة الباطلة وهي أن يبيع منه عينا بأكثر من قيمتها ثم يشتريها منه بأقل من ذلك فتبقى هذه الزيادة في ذمة المشتري وهي في الحقيقة زيادة في قدر ما استقرضه وهنا البيع هو بيع العينة الذى ورد الوعيد عليه بما أخرجه أحمد وأبو دأود عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم"، ولفظ أبي دأود: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه حتى ترجعوا إلي دينكم" وأخرجه أيضا الطبراني وابن القطان وصححه قال ابن حجر في بلوغ المرام ورجاله ثقات وقال في التلخيص إنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا لأن الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه من عطاء وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر انتهى ولا يخفاك أن الحديث بعد تصحيح ذلك الإمام والحكم على رجاله بأنهم ثقات قد قامت به الحجة والأصل عدم ما ذكره من الاحتمال فلو كان مجرد الاحتمال الذي في مثل هذا مبطلا للاستدلال لمذهب شطر السنة بالدعأوى ودفع من شاء ما شاء والأعمش إمام حافظ ثقة حجة فأقل أحواله أن يحمل ما يرويه على الصحة حتى يتبين ما يخالف ذلك ولكنه قال المنذري في مختصر السنن إن في إسناده إسحق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزل مصر لا يحتج بحديثه وفيه أيضا عطاء الخراساني وفيه مقال انتهى قال الذهبي في الميزان إن هذا من مناكيره انتهى قال أبو حاتم في إسحق بن أسيد لا يشتغل به شيخ ليس بالمشهور وقال ابن عدي مجهول.
[ ٥١٩ ]
وفي التقريب في ضعيف وأما عطاء الخراساني فقد ضعفه بعض أهل الحديث ووثقه ابن معين وأبو حاتم وقال ابن حجر في التقريب صدوق يهم كثيرا ويدلس انتهى قلت إذا كان كلام ابن حجر في الرجلين هكذا ولم يرو الحديث من طريق غيرهما فكيف يحكم على رجال إسناده بأنهم ثقات ولا يخفاك أن عطاء الخراساني من رجال مسلم قد أخرج له في صحيحه فجاز القنطرة وقد عقد البيهقي لطرق هذا الحديث بابا وقال ابن كثير إنه روي
من وجه ضعيف عن عبد الله بن عمر بن العاص مرفوعا.
ويشهد لحديث الباب ما أخرجه الدارقطني عن أبي إسحق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت يا أم المؤمنين إني بعت غلأما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت لها عائشة بئس ما اشتريت وبئس ما شريت إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلا أن يتوب.
والحاصل أن مجموع ما في الباب تقوم به الحجة ولا سيما وهذه حيلة من الحيل الباطلة التى جاءت الشريعة بإبطالها وأيضا قد استلزمت أن يرد المستقرض زيادة على ما استقرضه وذلك ربا مجمع على تحريمه فلو لم يرد في الباب شيء لكان ما ورد في تحريم هذا الربا كافيا مغنيا عن غيره قال الجوهري في الصحاح العينة بالكسر السلف قال في القاموس وغيره أخذ بالعينة بالكسر أي السلف أو أعطى بها قال والتاجر باع سلعته بثمن إلي أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن انتهى قال الرافعي وبيع العينة هو أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلي المشتري ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقدا أقل من ذلك العقد وقد ذهب إلي عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم وهو الحق وجوز ذلك الشافعي وأصحابه واستدلوا بما لا دلالة فيه على المطلوب.
[ ٥٢٠ ]