ومن وصل جوفه من فيه أو انفه في الحولين لبن آدمية دخلت العاشرة ولو ميتة أو بكرا أو متغيرا غالبا أو مع جنسه مطلقا أو غيره وهو الغالب أو التبس دخول العاشرة لا هل في الحولين ثبت حكم البنوة لها ولذي اللبن إن كان وإنما يشاركها من علقت منه ولحقه حتى ينقطع أو تضع من غيره أو يشترك الثلاثة من العلوق الثاني إلي الوضع وللرجل فقط بلبن من زوجتيه ولايصل إلا مجتمعا ويحرم به من صيره محرما ومن انفسخ نكاح غير مدخولة بفعله مختارا رجع بما لزم من المهر عليه إلا جأهلا محسنا] ي.
قوله: باب: "الرضاع فصل من وصل جوفه من فيه أو انفه" الخ.
أقول: اعلم ان الرضاع المقتضى للتحريم ورد مطلقا كما في قوله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم"، وفي لفظ: "من النسب" ونحو ذلك من الاحاديث الواردة بهذا المعنى ثم ورد تقييد هذا الرضاع المطلق بقيود وردت بها السنة.
فمنها حديث عائشة عند مسلم "٧/١٤٥٠"، وغيره [أحمد "٦/٩٦"، أبو داود "٢٠٦٣"، النسائي "٦/١٠١"، الترمذي "١١٥٠"، ابن ماجة "١٩٤٠"]، أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم المصة والمصتان".
وأخرج مسلم وغيره من حديث ام الفضل ان رجلا سأل النبي ﷺ اتحرم المصة فقال: "لا تحرم الرضعة والرضعتان والمصة والمصتان"، وفي لفظ لمسلم "١٨/١٤٥١"، وغيره [النسائي "٦/١٠٠، ١٠١"، أحمد "٦/٣٤٠"]، من حديثها قالت دخل اعرابي إلي نبي الله ﷺ وهو في بيتي فقال: يا نبي الله إن كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين فقال النبي ﷺ: "لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان".
وأخرج أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الزبير ان النبي ﷺ قال: "لا تحرم من الرضاعة المصة والمصتان"، قال الترمذي الصحيح عن أهل الحديث من رواية ابن الزبر عن عائشة كما في الحديث الأول ورواه النسائي من حديث أبي هريرة.
[ ٤٧٠ ]
فهذه الاحاديثت تدل على ان المصة والمصتين لا تقتضيان التحريم فهذا التقييد الأول مما قيدت به تلك الاطلاقات.
التقييد الثاني ما أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه من حديث أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الامعاء في الثدي وكان قبل الفطام"، ومعنى فتق الامعاء في الثدي أي في أيام الثدي وذلك حيث يرضع الصبي منها.
وأخرج سعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي وابن عدي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين".
وأخرج أبو دأود الطيالسي في مسنده من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام".
فهذه الاحاديث تدل على ان الرضاع الواقع بعدالحولين لا حكم له ولا يقتضى التحريم.
التقييدالثالث ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٩/١٤٦"، مسلم "٣٢/١٤٥٥"]، وغيرهما [أحمد "٦/٩٤"، أبو داود "٢٠٥٨"، النسائي "٦/١٠٢"، ابن ماجة "١٩٤٥"]، من حديث عائشة قالت دخل على رسول الله ﷺ وعندي رجل فقال: "من هذا" قلت اخي من الرضاعة فقال: "يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة"، فهذا الحديث يدل على ان الرضاع إذا وقع لغير مجاعة من الصبي لم يثبت حكمه.
التقييد الرابع ما أخرجه أبو دأود من حديث ابن مسعود مرفوعا: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم"، ولكن في إسناده مجهولان فلا تقوم به حجة.
التقييد الخامس وعليه تدور الدوائر وبه يجتمع شمل الاحاديث مطلقها ومقيدها وهو ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عائشة قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات وتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرا من القرآن وله الفاظ.
وقد أخرج البخاري من حديثها نحوه وأخرج مالك في الموطأ وأحمد من حديثها ان النبي ﷺ قال لسهلة في قصة سالم: "أرضعيه خمس رضعات"، فهذا يدل على انها لاتحرم إلا خمس رضعات ولا يعارضه أحاديث: "لاتحرم المصة والمصتان" لأن غاية ما فيها الدلالة بالمفهوم على ان ما فوقها يحرم وحديث الخمس يدل بمفهومة على ما دون الخمس لا يحرمن وكلاهما مفهوم عدد ولكنه يقوى حديث الخمس أنه مات رسول الله ﷺ وهو قرآن يتلى ويقويه أيضا أنه قد ذهب جماعة من ائمة البيان كالزمخشري إلي أن الاخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر ومفهوم الحصر ارجح من مفهوم العدد ويقويه أيضا ما أخرجه ابن ماجه من حديثها بلفظ: "لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس"، وهذه الصيغة تقتضي الحصر بلا خلاف.
وإذا عرفت رجحان ما دل على أنه لا يحرم إلا الخمس وأن العشر منسوخة فلا يعارضه ما
[ ٤٧١ ]
دل على اعتبار الحولين بل يجمع بينه وبينه بأن الخمس في الحولين.
ولا يعارضه ما دل على ان الرضاعة من المجاعة بل يجمع بينهما ان يرضع الخمس في وقت حاجة اليها.
ولا يعارضه أيضا حديث: "الرضاع ما فتق الامعاء"، لأن من المعلوم ان الخمس الرضعات بفتقها بعضها.
ولا يعارضه أيضا حديث: "لا رضاع إلا ما انشر العظم وانبت اللحم"، على فرض صحته لان الخمس الرضعات لمن هي طعامه وشرابه تؤثر في ذلك وإن لم يظهر للعيان >و
إذا تقرر لك هذا الجمع بين شمل الاحاديث فاعلم ان حديث زينب بنت ام سلمة قالت قالت ام سلمة لعائشة إنه يدخل عليك الغلام الايفع الذي ما احب ان يدخل علي فقالت عائشة أما لك في رسول الله اسوة حسنة وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء قال ﷺ: "أرضعيه حتى يدخل عليك"، أخرجه مسلم "٢٩/١٤٥٣"، وغيره أحمد "٦/٣٨، ٣٩، ٦/٢٠١"، النسائي "٦/١٠٤، ١٠٥، ٦/١٠٥"، ابن ماجة "١٩٤٣"]، وهذا الحديث قد رواه امهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة ورواه الجمع الجم من التابعين وهكذا من بعدهم حتى قال بعض الائمة إن هذه السنة بلغت رواتها نصاب التواتر.
والحاصل أنه خاص يوقف على من عرضت له تلك الحاجة واحتاج ان يدخل على امراته من لا يتسغنى عن دخوله بيته وتردده في حاجاته ومصالحه ومن رده بلا برهان فقد انتصب للرد على رسول الله ﷺ وعلى الشريعة المطهرة ومن قصره على سالم فقط فقد جاء بمالا يعقل ولا يوافق القواعد المقررة في الاصول.
وبهذا التحقيق تعرف الكلام على ما ذكره المصنف.
وأما قوله: "لبن آدمية" فاحتراز عما لا يقع إلا في ذهن مغفل ولا يسبق إلي فهم أبله فإن الكلام في بني آدم والبانهم لا في ألبان الدواب.
وأما قوله: "دخلت العاشرة" فلكون ذلك المقدار هو من أوائل مظنة البلوغ وقد تقدم له في الحيض أنه يتعذر قبل دخول المراة في التاسعة فكان عليه ان يمضي في الموضعين على نمط واحد فإن التسع إذا كانت مظنة للحيض كانت مظنة للحبل الذي يتاثر عنه اللبن.
وأما قوله: "ولو ميتة" فغير صحيح فإن الأحكام المتعلقة بها وبلبنها قد انقطعت بالموت فلم يبق لذلك حكم ولم يصدق عليها انها مرضعة كما في قوله تعالي: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
وأما قوله: "أو بكرا" فصحيح لأن بعض الابكار قد يخرج منها لبن ولا سيما إذا كانت مربية لرضيع وأرضعته من ثديها مرة بعد مرة.
[ ٤٧٢ ]
وأما قوله: "أو متغير" فلا بد ان يكون اللبن الخالص بحيث يصدق عليه أنه لبن وكل على اصله في اعتبار مجرد الوصول إلي الجوف أو اعتبار ثلاث رضعات أو اعتبار خمس رضعات.
وهكذا الكلام في قوله: "أو مع جنسه أو غيره وهو الغالب".
وأما قوله: "أو التبس دخول المرأة في العاشرة" فقد تقدم ان دخول العاشرة عندالمصنف من جملة الشروط التي لا يصح الرضاع إلا بها فكان عليه ان يحكم مع اللبس بعدم ثبوت الرضاع لأن الاصل عدم الدخول.
وأما قوله: "لا هل في الحولين" فصحيح لأن الاصل بقاؤه في الحولين وعدم انتقاله عنهما.
قوله: "ثبت حكم النبوة لها ولذي اللبن".
أقول: هذا هو الحق وقد ثبتت النصوص المصرحة بأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة وهذان اللفظان في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس وعائشة وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عباس ان النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة ﵁ فقال: "إنها لا تحل لي إنها ابنة اخي من الرضاعة.
وفي الصحيحين وغيرهما "النسئي "٦/١٠٣"، أحمد "٦/٢٣، ٣٧، ١١٧، ٢٧١"، ابن ماحة "١٩٤٨"، أيضا من حديث عائشة ان افلح اخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد ان نزل الحجاب وقالت فأبيت ان آذن له فلما جاء رسول ﷺ اخبرته بالذي صنعت فامرني أن آذن له ولم يأت من لم يجعل للرجل حقا في اللبن شيء يصلح لمعارضة ما ذكرناه ولا ثبت عن النبي ﷺ في ذلك حرف واحد.
وأما مجرد الاجتهاد من بعض الصحابة فلا تقوم به حجة ولا سيما والذاهب إلي ما قضت به هذه الأدلة التي ذكرناها هم الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم.
وأما قوله: "وإنما يشاركها من علقت منه" الخ فصحيح لأنه لا يصدق عليه الابوة من الرضاع إلا بذلك.
وأما قوله: "ويشترك الثلاثة" ألخ فلا وجه لأن دخولها في نكاح الاخر يقطع العلاقة بينها وبين الأول فلا يبقى له حق في اللبن كما أنه لم يبق له حق في المراة ولا يجوز له النظر اليها وإنما أوقع المصنف في مثل هذا التفريع اشتغاله بجمع آراء القائلين وإن كانوا من الواقعين تحت اسر التقليد فإنه ﵀ اختصر هذا الكتاب من التذكرة للفقيه حسن النحوي والفقيه حسن النحوي جمع فيها ما قاله الفقهاء من الهدوية الذين يقال لهم المذاكرون في عرف هذه الطائفة وهؤلاء لم يبلغ الاجتهاد منهم الا النادر وغالبهم لا يعرفون إلا مسائل الفروع المختصة بمذهبهم ولهذا اجتمع في هذا الكتاب المتردية والنطيحة وما أكل السبع.
قوله: "وللرجل فقط بلبن من زوجتيه لا يصل إلا مجتمعا".
أقول: لا يقتضى التحريم إلا الرضاع من امراة واحدة رضاعا يوجب التحريم كما قدمنا ولا
[ ٤٧٣ ]
حكم لما لا يكون مجموعه إلا من اثنتين أو ثلاثا أو اكثر ولا يثبت به حكم الرضاع لا للرجل ولا للنساء فمن يعتبر خمس رضعات لا بد ان تكون جميعا من امرأة واحدة فلو رضع من كل واحدى رضعة أو رضع الخمس من ثلاث أو اثنتين لم يكن لذلك حكم ولا يثبت به رضاع.
وهكذا لو لم يصل الجوف عند من يعتبر مجرد الوصول إلي الجوف إلا لبن امرأتين أو اكثر فإنه لا يثبت بذلك حكم عنده وإن قال إنه يثبت به الحكم كما قال المصنف فقد عول على مجرد رأي زائف واجتهاد زائغ.
وأما قوله: "ويحرم به من صيره مرحما" فقد ذكرنا في شرحنا للمنتقى عددالمحرمات بالرضاع فليرجع اليه.
وأما قوله: "ومن انفسخ نكاح غير مدخولة لفعله" الخ فوجهه ان ذلك جناية تسبب عنها تغريم الزوج بما غرمه من المهر ولم يستوف ما في مقابلته وهو الوطء فتغرم المرضعة ما غرم بسبب جنايتها ولا وجه لقوله إلا جأهلا محسنا لأن مجردالجهل والاحسان لا يسقطان الضمان لأن ضمان الجناية من أحكام الوضع فلتزم الجأهل كما تلزم العالم وتلزم المحسن كما تلزم المسيء وتلزم المجنون والصبي كما تلزم العاقل المكلف ومثل هذا لا يخفى على المصنف ولكنه بصدد جمع انظار المقلدين كما قدمنا قريبا.
[فصل
وإنما يثبت حكمه في إقراره أو ببينتها ويجب العمل بالظن الغالب في النكاح تحريما فيجبر الزوج المقر به وبإقراره وحده يبطل النكاح لا الحق والعكس في إقرارها إلا المهر بعد الدخول] .
قوله: فصل: "وإننا يثبت حكمه بإقراره أو ببينتها" الخ.
أقول: إذا اقر أو قامت عليه البينة بإقراره أو بمشاهدة الارضاع للرضيع فليس في ذلك نزاع ومن جملة البينة إخبار مرضعته لما ثبت في اصحيح البخاري وغيره ان عقبة ابن الحارث تزوج ام يحيى بنت أبي إهاب فجاءت امة سوداء فقالت قد ارضعتكما قال فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني قال فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: "وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما"، فنهاه عنها
وفي رواية للبخاري وغيره "دعها عنك"، وهذا النهي والأمر يدلان أوضح دلالة على وجوب العمل بقول المرضعة ولم يصب من تكلف لرد هذه السنة بما لا يسمن ولا يغني من جوع.
وأما قوله: "ويجب العمل بالظن الغالب في النكاح تحريما" فصواب لأن الله سبحانه قد تعبدنا بالعمل بالظن ولا سيما في النكاح الذي يترتب عليه الخطر العظيم من استحلال فرج حرمه الله ولحوق نسب بغير من هول له.
[ ٤٧٤ ]
وقد ثبت التعبد بالعمل باخبار الاحاد وهي لا تفيدا لا الظن ولا وجه لتقييدالظن هنا بالغالب بل يجب العمل بكل ظن يصدق عليه مسمى الظن إذا لم يكن مجرد شكوك ووسوة ومقتضى العمل بالظن هو إخبار الزوج المقر بحصول الظن له.
وأما قوله: "وبإقراره وحده يبطل النكاح" فصحيح لأن التسريح إليه والطلاق بيده وقد أقر بما يقتضى ذلك فبطل ما هو إليه ولا يستلزم ذلك بطلان الحق للزوجة.
وأما قوله: "والعكس في إقرارها" فلا وجه له لأنه إذا لم يبطل به النكاح لم يبطل به حق عليها تستحقه بالنكاح لأن النكاح باق شاءت أم أبت.
إلي هنا انتهي النصف الأول من هذه التعليقة المسماة السيل الجرار المتدفق علي حدائق الأزهار في نهار يوم الاثنين لعله حادي عشر شهر جمادي الآخرة من شهور سنة أربع وثلاثين بعد مائتين وألف من الهجرة الشريفة بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
تم إملاء علي جماعة من الطلبة في شهر ذو القعدة سنة ١٢٣٩.
[ ٤٧٥ ]