[فصل
يفسده صريحها لا الحالي ومن عقدها ما أقتضى جهالة في البيع كخيار مجهول المدة أو صاحبه أو في البيع كعلي إرجاحه أو كون البقرة لبينا ونحوه أو في الثمن كعلي إرجاحه ومنه على حط قيمة كذا من الصبرة لا كذا من الثمن وعلى أن ما عليك من خراج الأرض كذا شرطا لا صفة فخالف ومنه شرط الإنفاق من الغلة ولو لمعلومين أو رفع موجبه غالبا
[ ٥٠٣ ]
كعلي أن لا تنتفع ومنه بقاء المبيع ولو رهنا لا رده وبقاء الشجرة المبيعة في قرارها مدتها وعلى أن يفسخ إن شفع أو علقه بمستقبل كعلي أن تغل أو تحلب كذا لا على تأدية الثمن ليوم كذا وإلا فلا بيع أو لا تعلق له به كشرطين أو بيعين في بيع ونحوهما مما نهي عنه غالبا] .
قوله: "باب: الشروط المقارنة للعقد فصل يفسده صريحها لا الحالي".
أقول: كون الشرط مفسدا للبيع للواقع عن تراض لا بد فيه من دليل عليه ولم يثبت في ذلك إلا حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد وأبي دأود والنسائي والترمذي أن النبي ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع"، الحديث قال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن خزيمة والحاكم ومعنى هذا الحديث هو أن يقول البائع بعت منك هذا بكذا إن كان نقدا وبكذا إن كان نسيئة ووجه كون هذا الشرط لا يحل ما يستلزمه من عدم استقرار البيع والتردد بين الطرفين.
ومن هذا القبيل حديث النهي عن الثنيا إلا أن تعلم أخرجه النسائي "٣٨٧٩"، ٣٨٨٠"، والترمذي "١٢٩٠، ١٣١٣"]، وصححه وأصله في صحيح مسلم "٨٥/١٥٣٦"، بلفظ نهي عن الثنيا ومعناه أن يقول بعت منك كذا واستثنى بعضه فإن كان ذلك البعض معلوما كان البيع صحيحا وإن لم يكن معلوما لم يصح البيع للنهي عنه وهذا وإن لم يكن بلفظ الشرط فوقوع الثنيا التى لم تعلم تفيد عدم الاستقرار للبيع والتردد فيما هو داخل في المبيع وخارج عنه وذلك نوع من أنواع الغرر المنهي عنه ومما يستلزم الجهالة وإذا عرفت أنه لم يرو إلا هذان الحديثان فينبغي الحكم لما دل عليه بعدم الصحة ويلحق بهما ما له تأثير في الغرور والجهالة وما عدا هذا فلا تأثير له هذا على فرض أنه لم يرد في الشروط الخارجة عما ذكرناه دليل فكيف وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر: أنه كان يسير على جمل قد أعيا فأراد أن يسيبه قال: ولحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه فسار سيرا لم يسر مثله فقال: "بعنيه"، فقلت: لا ثم قال: "فبعنيه" فبعته واستثنيت حملانه إلي أهلي وفي لفظ لأحمد والبخاري: وشرطت ظهره إلي المدينة فهذا الحديث يدل على أن الشروط الواقعة من جهة البائع صحيحة إذا لم تستلزم الغرر والجهالة ومن ذلك حديث بريرة المشهور كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق فاشترطوا ولاءها فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط"، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر وأبي هريرة نحو حديث عائشة ففي هذا الحديث دليل على عدم تأثير الشروط المخالفة لما يوجهه العقد ويقتضيه وأنها باطلة في أنفسها لا تصح بوجه ومما ورد في الشروط الجائزة حديث ابن عمر في الصحيحين [البخاري
[ ٥٠٤ ]
"٤/٣٣٧"، مسلم "١٥٣٣"، وغيرهما أبو داود "٣٥٠٠"، النسائي "٤٤٨٤"، أحمد "٥٠٣٦، ٥٤٠٥، ٥٢٧١، ٥٥١٥، ٥٥٦١، ٥٨٥٤"]، قال: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال: "ما بايعت فقل: لا خلابة"، فإن هذا وإن لم يكن بلفظ الشرط ففيه معنى الشرط فيصح هذا الشرط ولا يبطل به البيع فعرفت بمجموع ما ذكرناه أن الشروط الواقعة في العقد لا تقتضي الفساد بل هي أما باطلة في نفسها لكون ذكرها كعدمها أو صحيحة معمول بها هي والعقد إلا ما كان منها مقتضيا للوقوع في الغرر الذي يحصل عنده التردد وعدم العلم بالحقيقة فإن ذلك لا يتحقق معه التراضي الذي هو المناط في المعاملات الشرعية وليس عدم الصحة لمجرد الشرط بل لاقتضائه الوقوع في بيع الغرر المنهي عنه حسبما قدمنا.
وبهذا تعرف أن لا فرق في الشروط بين صريحها ومستقبلها وحاليها وعقدها فإن كل ما سلم منها من الجهالة الموقعة في بيع الغرر فهو غير مؤثر في المناط الذى هو التراضي ولا منع من أن يحصل التراضي على انتقال الملك من ملك البائع إلي ملك المشتري بعد شهر أو سنة أو أكثر إذا كان مما لا يجوز فيه المصير إلي صفة غير الصفة التي كان عليها عند التراضي كالأراضي ونحوها من الأعيان التى لا تتغير بمضي مدة من الزمان عليها فإن هذا تجارة عن تراض أباحها الشرع ولم يرد ما يدل على المنع منها لا من شرع ولا عقل وهذا التحقيق يبصرك في جمع ما ذكره المصنف ﵀ من الصور والأمثلة فما كان منها مستلزما للجهالة في المبيع الموجبة لبيع الغرر فهو ممنوع وما لم يكن كذلك فلا اعتبار به بل هو أما باطل في نفسه غير مؤثر في البيع كالشروط المستلزمة لرفع موجب العقد المخالفة لما يقتضيه كما يفيد ذلك حديث بريرة أو هو صحيح في نفسه مع صحة العقد وهو ما يرجع إليه منها إلي حديث جابر وحديث ابن عمر في شرط عدم الخداع فلا نطول الكلام على هذه الصورة التي ذكرها المصنف فإن في هذا البحث ما يغني عن ذلك.
قوله: "كشرطين في بيع أو بيعتين في بيع".
أقول: أما الشرطان في بيع فقد قدمنا ما ورد في النهي عنه وأما البيعتان في بيع فلحديث أبي هريرة عند أحمد "٢/٤٣٢، ٤٧٥"، ٥٠٣"]، وأبي دأود "٣٤٦١" والنسائي "٤٦٣٢"، والترمذي "١٢٣١"، وصححه قال قال رسول الله ﷺ: "من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا"، وفي لفظ: نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة.
وأخرج أحمد بإسناد رجاله ثقات كما قال في مجمع الزوائد من حديث ابن مسعود قال نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة قال سماك الراوي للحديث: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسا بكذا أو ينقد بكذا وقد وافق سماك على هذا التفسير أحمد والشافعي فيكون معنى البيعتين في بيعة والصفقتين في صفقة هو معنى الشرطين في بيع كما قدمنا وقد روي عن الشافعي تفسير آخر فقال هو أن تقول بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا ووجه الفساد هو ما قدمنا في شرطين في بيع من استلزام ذلك للجهالة الموجبة للغرر.
[ ٥٠٥ ]
[فصل
ويصح منها ما لم يقتضي الجهالة من وصف للبيع كخيار معلوم أو للمبيع كعلى أنها لبون أو تغل كذا صفة في الماضي ويعرف بأول المستقبل مع انتفاء الضار وحصول ما تحتاج إليه أو للثمن كتأجيله أو يصح أفراده بالعقد كأيصال المنزل ومنه بقاء الشجرة مدة معلومة وما سوى ذلك فلغو وندب الوفاء ويرجع بما حط لأجله من لم يوف له به] .
قوله: "ويصح منها ما لم يقتضي الجهالة".
أقول: هذا صحيح لما قدمنا وما ذكره من الأمثلة صحيح أيضا وكذلك قوله وما سوى ذلك فلغو ووجه كونه لغوا هو ما قدمناه في أول الباب هذا وأما قوله وندب الوفاء فالظاهر من دليل مطلق الشروط حيث قال ﷺ: "المؤمنون عند شروطهم"، أبو داود "٣٥٩٤"ن أحمد "٢/٣٦٦"]، أنه يجب الوفاء بها جميعها إلا ما استثناه الحديث من قوله: "إلا شرطا أحل حرأما أو حرم حلالا"، وأما كونه يرجع بما حط لأجله من لم يوف له به فظاهر لأن ذلك الحط مقيد بحصول الشرط.
[ ٥٠٦ ]