هو بيع مخصوص يعبر فيه لفظه أو أي ألفاظ البيع وفي متفقي الجنس والتقدير ما مر إلا الملك حال العقد فإن اختل أحدهما بطل أو حصته فيترادان ما لم يخرج عن اليد وإلا فالمثل في النقدين والعين في غيرهما ما لم يستهلك فإذا أرادا تصحيحه ترادا الزيادة وجددا العقد وما في الذمة كالحاضر] .
قوله: "باب: الصرف هو بيع مخصوص فيعتبر لفظه أو أي ألفاظ البيع".
أقول: قد عرفت مما قدمنا في البيع أن اعتبار اللفظ المخصوص لا أصل له وأن البيع المأذون فيه بقوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، هو ما ذكره في قوله: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩]، فإذا حصل التراضي فقد وجد المناط الشرعي ولو بمجرد المقابضة من غير لفظ أو أشارة من قادر على النطق.
وأما قوله: "ويعتبر في متفقي الجنس والتقدير ما مر" فصحيح للأدلة الدالة على تحريم التفاضل والنساء فيما كان كذلك.
وأما قوله: "إلا الملك حال العقد" فلا بد من تقييد ذلك بحصول التقابض في محل العقد قبل التفرق وإلا كان ذلك نساء وهو ربا كما تقدم في حديث: "إنما الربا في النسيئة"، وفي
[ ٥٥٣ ]
حديث: "إذا كان يحصل يد بيد" وفي حديث: "إذا لم تتفرقا وبينكما شيء".
وقول المصنف: "فإن اختل أحدهما بطل أو حصته" صحيح لأنه ربا كما عرفت وإذا حصل التراد ودفع المثل ففيه استدراك لما فرط منهما من الدخول في الربا.
قوله: "وما في الذمة كالحاضر".
أقول: هذه الكلية محتاجة إلي دليل يدل على تخصيص ما ورد من الأحاديث الصحيحة المصرحة بمثل قوله: "إلا يدا بيد" ومثل قوله: "إلا ها وها" وسائر ما ورد في هذا المعنى هذا مع الاتفاق في الجنس والتقدير ومع الاختلاف كالذهب بالفضة ونحو ذلك ما ورد في قوله ﷺ: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"، ولم يثبت ما يدل على خلاف ذلك فالواجب الوقوف على ما تقتضيه الأدلة وعدم التخصيص لها بمجرد الرأي القائل والاجتهاد العاطل وهذا على تقدير أن أحد البدلين أما لو كانا جميعا في الذمة كان ذلك من بيع الكاليء بالكاليء وقد تقدم النهي عنه.
[فصل
ومتى انكشف في أحد النقدين رديء عين أو جنس بطل بقدره إلا أن يبدل الأول في مجلس الطرف فقط والثاني فيه مطلقا أو مجلس الرد إن رد ولم يكن قد علمه فيلزم أو شرط رده فافترقا مجوزا له أو قاطعا فيرضى أو يفسخ فإن كان لتكحيل فصل إن أمكن وبطل بقدره وإلا ففي الكل] .
قوله: فصل: "ومتى انكشف في أحد النقدين رديء عين أو جنس" الخ.
أقول: الأدلة قد أوجبت التقابض في المجلس مع الاتفاق كالذهب بالذهب والفضة بالفضة من غير فرق بين جيد ورديء فإذا انكشف لأحد المتصارفين بعد المجلس رداءة ما صار إليه فله فسخه بخيار العيب بدليله السابق فيرد القابض للجيد ما يقابل ذلك الرديء من الجيد الذى قبضه من صاحب الرديء إذا كان الذى انكشفت رداءته هو بعض ما صار إليه فإن كان رديئا كله فله رده كله بالعيب ويرد صاحب الرديء جميع ما قبضه من الجيد ويبطل الصرف الواقع بينهما هكذا ينبغي أن يقال في هذا الفصل وبه يتضح ما هو الصواب وإذا أراد إبدال الرديء بجيد فلا يجوز ذلك إلا في مجلس الصرف من غير فرق بين رديء العين والجنس فإن تفرقا وقد قبض صاحب الرديء رديئه أو بعضه وترك جيده عند المصارف له فقد وقعا في الربا ولا استدراك إلا بالتراد ثم التصارف والتقابض في المجلس.
[ ٥٥٤ ]
[فصل
ولا تصححه الجريرة ونحوها إلا مسأوية لمقابلها ولا يصح في متفقي الجنس والتقدير قبل القبض حط ولا إبراء ولا أي تصرف ويصح حط البعض في المختلفين لا التصرف ولا يصح الربا بين كل مكلفين في أي جهة ولا بين العبد وربه] .
قوله: "فصل: ولا تصححه الجريرة".
أقول: هذا صحيح وقد تقدم الكلام عليه عند قول المصنف فإن صحب أحد المثلين غيره ذو قيمة.
وأما قوله: "ولا يصح في متفقي الجنس والتقدير" الخ فهذا معلوم لأنه يؤدي إلي صرف الجنس بجنسه متفاضلا وذلك ربا والاعتبار بالمجلس فلا حكم لما وقع قبله من حط أو إبراء أو تصرف.
وأما قوله: "ويصح حط البعض في المختلفين" فيدل عليه قوله ﷺ: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"، فإنه ﷺ جوز التفاضل ومنع النساء وقد قدم المصنف ﵀ في باب الربويات ما يغني عن هذا وإنما أعاده تكميلا لمباحث الصرف.
وأما قوله: "ولا يحل الربا بين كل مكلفين في أي جهة" فهذا معلوم أما المسلمون فظاهر وأما الكفار فلما تقدم من أنهم مخاطبون بالشرعيات أي معذبون على فعل ما يحرم وترك ما يجب ولا فرق بين دار الحرب وغيرها لأن ما حرمه الله حرام في كل زمان ومكان وتخصيص دار الحرب بأحكام لا يقتضي تخصيصها بتحليل الربا فيها.
قوله: "ولا بين العبد وربه".
أقول: هذا الربا غير معقول لأنه إذا أعطى الفقير درهما عن دراهم تواطئا على أنها في ذمة الغني المذكر للفقير المصروف إليه فهذه إنما هى حيلة باطلة ودلسة عاطلة لا نفوذ لها ولا قبول ومعلوم أنه لو واطأ الفقير على أن يبيع منه ما في ذمته من الزكاة وهي ألوف مؤلفة بدرهم واحد أو بدونه لقبل منه ذلك وفي الحقيقة أنه لم يقع عن الزكاة إلا هذا الدرهم ولا يبعد أن لا يقع عن الزكاة لما شابه من القصد الباطل والإضمار المخالف للحق.
[ ٥٥٥ ]