[فصل]
إنما يلتقط مميز قيل حر أو مكاتب ما خشي قوته من موضع ذهاب جهله المالك بمجرد نية الرد وإلا ضمن للمالك أو لبيت المال ولا ضمان إن ترك ولا يلتقط لنفسه ما تردد في إباحية كما يجره السيل عما فيه ملك ولو مع مباح] .
قوله: "باب: الضالة واللقطة واللقيط".
قوله: "فصل: إنما يلتقط مميز" الخ.
أقول: خطابات الشرع إنما تتوجه إلى المكلفين ولا تتوجه إلى غير المكلف وذلك لقوله ﷺ: "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل أو ليحفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها وإن لم يجيء صاحبها فهي مال الله يؤتيه من يشاء"، أخرجه أحمد "٤/٢٦٦"، وأبو داود "١٧٠٩"، والنسائي "٥٨٠٨/١"ن وابن ماجه "٢٥٠٥"، ابن حبان ومثله حديث زيد بن خالد في الصحيحين [البخاري "٥/٨٣"، مسلم ط٥/١٧٢٢"]، وغيرهما [أبو داود "١٧٠٤"]، قال: سئل النبي ﷺ عن اللقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة"، الحديث.
والحاصل أن جميع ما ورد في الأحاديث في هذا الباب إنما يتوجه إلى من تتوجه إليه الخطابات الشرعية والصبي قبل بلوغه لا يتوجه إليه شيء من ذلك فإن وقع منه الالتقاط انتزع من يده فإن أتلفه ضمنه من ماله وخوطب بذلك وليه وأما العبد فإن التقط وأذن له سيده بذلك صح التقاطه وإن منعه من ذلك لم يجز له الالتقاط فإن فعل رفعها إلى الإمام أو الحاكم وإن أتلفها كان ذلك جناية تتعلق برقبته.
[ ٧٠٢ ]
وأما قوله: "ما خشي قوته من موضع ذهاب جهله المالك" فوجهه أن اللقطة إنما تلتقط مع خشية القوت أما لو لم يخش القوت فهو متعد بالالتقاط وهكذا إذا لم يكن الموضع موضع ذهاب أو كان المالك عالما بأن اللقطة في ذلك المكان وتركها باختياره فليس لغيره أن يلتقطها ولا ينبغي أن يكون غير المالك أحرص على المال من مالكه وليس التقاطه هذا من باب التعاون على الخير ولا يتوجه إليه أوامر الشارع فالملتقط والحال وهكذا غاصب لاستيلائه على مال الغير عدوانا فيضمن ضمان الغاصب ولهذا قال المصنف: وإلا ضمن للمالك أو لبيت المال.
قوله: "ولا ضمان إن ترك".
أقول: استدلوا على عدم الضمان بعدم وجود دليل يدل عليه أو يدل على وجوب الالتقاط ولا يخفاك أن قوله ﷺ: "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل وليحفظ عفاصها ووكاءها"، وكذلك قوله: "اعرف عفاصها ووكاءها"، كما في الحديثين المتقدمين وكذلك قوله في ضالة الغنم: "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب"، كما في الصحيحين [البخاري ٢٣٧٢، ٢٤٢٩"، مسلم "١٧٢٢"]، وغيرهما [أبو دتود "١٧٠٥"]، تدل على أن الملتقط مأمور بالتقاط ما وجده ولا يخرج عن ذلك إلا ضالة الإبل لقول النبي ﷺ: "ما لك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وترعى الشجر حتى يجدها ربها"، ولا ينافي هذا حديث: "لا يأوي الضالة إلا ضال"، كما أخرجه أحمد "٤/١١٦"، وأبو داود "١٧٢٠"، والنسائي وابن ماجة "٢٥٠٣"، وأبو يعلى والطبراني في الكبير والضياء في المختارة من حديث جرير بن عبد الله البجلي لأن هذا في الضالة وهي خاصة بالحيوانات ويجمع بينه وبين ما تقدم من قوله ﷺ: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، بحمل هذا على ضالة الإبل.
وأقل أحوال هذه الأوامر أن يأثم التارك وأما أنه يضمن فلا لأن ماله معصوم بعصمة الإسلام فلا يلزمه إخراج شيء منه إلا بناقل شرعي عن هذه العصمة.
وأما قوله: "ولا يلتقط لنفسه ما تردد في إباحته" فوجهه ظاهر لأن الأصل في الأمور التي تملك التحريم ولو مع مجرد الشك والتجويز ويدل على ذلك الأدلة الكلية الواردة في تحريم ملك الغير ولا يجوز الإقدام إلا على ما علم الإنسان أنه حلال مطلق مباح لم يملكه مالك وإذا اختلط ما تردد في إباحته بما هو مباح فالحق ما ذكره المصنف بقوله ولو مع مباح لأنه إذا لم يتميز المباح صار التردد فيه كالتردد في غيره.
[فصل
وهي كالوديعة إلا في جواز الوضع في المربد والإيداع بلا عذر ومطالبة الغاصب بالقيمة ويرجع بما أنفق بنيته ويجوز الحبس عمن لم يحكم له ببينته ويحلف له على
[ ٧٠٣ ]
العلم ويجب التعريف بما لا يتسامح بمثله في مظان وجود المالك سنة ثم تصرف في فقير أو مصلحة بعد اليأس وإلا ضمن قيل وإن أيس بعده وبثمن ما خشي فساده إن ابتاع وإلا تصدق ويغرم المالك متى وجد لا الفقير إلا لشرط أو العين فإن ضلت فالتقطت انقطع حقه] .
قوله: "فصل وهي كالوديعة إلا في جواز الوضع في المربد".
أقول: هذا صحيح ووجهه أنه عاون على الخير وفعل ما أرشد إليه الشرع ولم يقصد الالتقاط لنفسه ومن كان هذا حاله فهو أمين أي أمين لا يضمن إلا لجناية أو تفريط وقد حكى المصنف في البحر الإجماع على هذا.
وما ذكره من أن له الوضع في المربد الذي كان يفعله الخلفاء لضوال المسلمين فذلك صحيح لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل فإذا وجد مخرجا من معرة الإنفاق عليها والقيام عليها بما يحتاجه من وضعها في مثل هذا المكان الذي ينفق فيه على الضوال من بيت المال كان له ذلك وكذلك له الإيداع وله مطالبة غاصبها بالقيمة لأنها قد تثبت له ولاية وله أن يرجع على صاحبها بما أنفقه عليها لأنه بالإنفاق حفظ تلك العين من التلف بالجوع والعطش ونحوهما.
قوله: "ويجوز الحبس عمن لم يحكم به ببينته".
أقول: هذا مبني على أن صاحبها لم يصفها بالأوصاف الصحيحة الموافقة بل جاء بالبينة على أنها له فيجوز للملتقط أن يحبسها حتى يحكم الحاكم بذلك لأنه إذا دفعها إليه بدون ذلك كان معرضا لنفسه لضمانها ولا يجب عليه الدخول فيما يخشى من عاقبة التضمين لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل وهذا من أعظم السبيل عليه أما إذا وصفها صاحبها بالأوصاف الصحيحة الموافقة فقد وجب دفعها إليه لقوله ﷺ في حديث زيد بن خالد في الصحيحين [البخاري "٢٤٢٩، ٦١١٢"، مسلم "٥/١٧٢٢"]، وغيرهما أبو داود "١٧٠٤"، الترمذي "١٣٧٢"، ابن ماجة "٢٥٠٣"]: "اعرف وكاءها وعفاصها"، وفيه: "فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه".
وفي رواية لمسلم من هذا الحديث: "فإذا جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك"، وفي حديث أبي بن كعب عند مسلم "٦/١٧٢٣"، وغيره أحمد "٥/١٢٦"، الترمذي "١٣٧٤"، ابن ماجة "٢٥٠٦"، بلفظ: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه وإلا فاستمتع بها".
فإن قلت: إذا كان يخش أن يكون هذا الواصف لها قد عرفها من مالكها وبلغه التقاطها أو أخبره مالكها بأوصافها فخشي من دفعها إليه أن يأتي مالكها فيضمنه إياه؟ قلت: يرفع أمره إلى الإمام أو الحاكم حتى يكون الوصف والرفع باطلاع أحدهما وليس عليه بعد ذلك ضمان لأنه فعل ما أمره به الشارع ولمالكها أن يرجع على ذلك المقرر الكاذب.
قوله: "ويجب التعريف بما لا يتسامح بمثله في مظان وجود المالك سنة".
[ ٧٠٤ ]
أقول: هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: "ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه"، ولا يعارض هذا ما أخرجه البخاري من حديث أبي بن كعب وفيه وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: "عرفها حولا"، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته ثانيا فقال: "عرفها حولا"، فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثالثا فقال: "احفظ وعاءها ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها"، فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة فقال سلمة بن كهيل الراوي لهذا الحديث لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا وقد جزم ابن حزم بأن الزيادة على الحول في حديث أبي بن كعب غلط قال ابن الجوزي والذي يظهر لي أن سلمة بن كهيل أخطأ فيها ثم تثبت واستمر على عام واحد ولا يؤخذ إلا بما لم يشك فيه راويه قال المنذري لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا شريح عن عمر وحكى ابن المنذر عن عمر أربعة أقوال تعرف ثلاثة أحوال عاما واحدا ثلاثة أشهر ثلاثة أيام وزاد ابن حزم عن عمر قولا خامسا وهو أربعة أشهر.
والحق أن مدة التعريف حول فقط ثم يستمتع بها الملتقط فإن جاء صاحبها ضمنها له كما تقدم في الحديث الصحيح ولكن هذا فيما كان لا يتسامح بمثله أما ما كان يتسامح بمثله فقد أخرج أحمد وأبو داود "١٧١٧"،من حديث جابر قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقط الرجل ينتفع به وفي إسناده المغيرة بن زياد وفيه مقال ولكنه صدوق وشهد له ما أخرجه البخاري "٢٤٣١"، ومسلم "١٠٧١"، وغيرهما أبو داود "١٦٥١، ١٦٥٢"، من حديث أنس أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها"، وأما ما روي من تعريف المحقرات ثلاثة فلم يثبت من وجه تقوم به الحجة.
وأما قول المصنف: "وتصرف في فقير أو مصلحة بعد اليأس" فالسنة قد قضت بها بأن استمتاع الملتقط بها وصرفها في نفسه مقدم على صرفها في غيره فإن أراد الصرف في الغير صرف في فقير أو مصلحة.
وأما ما اشتراطه من حصول اليأس فلا وجه له بل الوجه التعريف حولا كما تقدم دليله وأما إيجابه للضمان إذا لم يصرف مع اليأس فليس على ذلك أثارة من علم لأن استمتاع الملتقط بها أو صرفها فيمن هو مصرف لها لم يكن على طريق الحتم بل الأمر فيه للإباحة كما في نظيره وبهذا تعرف عدم صحة ما ذكره المصنف بعد هذا.
وأما قوله: "فإن ضلت فالتقطت انقطع حقه" فهذا الانقطاع مسلم إن كان بتقريط منه وإلا فلا وجه لإنقطاع حقه لحديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، فقد صار هذا الملتقط الأول مخاطبا بتأدية ما التقطه حتى يؤديه إلى مالكه.
[ ٧٠٥ ]
[فصل
واللقيط من دار الحرب عبد ومن دارنا حر أمانة هو وما في يده ينفق عليه بلا رجوع إن لم يكن له مال في الحال ويرد للواصف لا اللقطة فإن تعددوا واستووا ذكورا فابن لكل فرد ومجموعهم أب] .
قوله: "فصل: واللقيط من دار الحرب عبد" الخ.
أقول: لما ترجم الباب بقوله باب الضالة واللقطة واللقيط أراد بهذا الفصل استيفاء ما ترجم له ولا يخفى أن دار الحرب دار إباحة يملك كل فيها ما ثبتت يده عليه كما سيأتي في السير سواء كان الأخذ على جهة القسر أو الختل من غير فرق بين الأشخاص والأموال والرجال والنساء والأطفال وأما إذا كان من دار الإسلام أو دخلها بأمان فهو معصوم الدم والمال فلا وجه لقوله ومن دارنا حر أمانة هو وما في يده بل لا يجوز التقاطه إذا كان حافظا لنفسه ولماله لأن إثبات اليد عليه والحال هكذا مخالف لتأمينه وأما إذا دخل دارنا بغير أمان فهو وماله غنيمة لمن سبق إليه هكذا ينبغي أن يقال وبهذا تعرف أنه لا وجه لقوله ينفق عليه بلا رجوع إلخ لأنه إما غنيمة لمن سبق إليه أو لا يجوز التقاطه بحال كما بينا وإذا كان غنيمة وجب إنفاقه على القائم وإن كان مؤمنا لم يجب إنفاقه على أحد.
وأما قوله: "ويرد للواصف" فمبني على جواز الالتقاط وقد عرفت ما فيه وما كان ينبغي أن يذكر المصنف مثل هذا في اللقطة لورود الأدلة بذلك كما تقدم فتركه في المحل الخليق به وذكره هنا بلا فائدة نعم إن كان اللقيط الذي كلام المصنف فيه في هذا الفصل هو المسلم الملتقط من دار الحرب والمسلم الملتقط من دار الإسلام كان لكلامه وجه ولكنه لم يقيده بهذا ويرد للواصف إذا كان لا يهتدي إلى الإعراب عن نفسه والعجب من قول المصنف لا اللقطة يعني أنها لا ترد للواصف فإن هذا دفع في وجه الأدلة ورد لما قد صح بلا خلاف.
وأما قوله: "فإن تعددوا واستووا فإبن لكل فرد ومجموعهم أب" فقد تقدم الكلام عليه في كتاب الطلاب بما يغني عن الإعادة هنا وليس هذا المقام بمقام التعرض لكيفية ثبوت النسب وكان على المصنف أن يتعرض لذكر ضالة الإبل وأنها لا تلتقط لما تقدم من الأدلة ويتعرض لذكر ضالة الغنم ونحوها وأنها تلتقط لقوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، ويتعرض أيضا لذكر ضالة مكة لما ثبت في الصحيح من النهي عن لقطة الحاج وما ثبت من قوله ﷺ: "لا تحل لقطتها إلا لمعرف" [البخاري "٢٤٣٤"، مسلم "٤٤٧/١٣٥٥"] .
[ ٧٠٦ ]