[باب والقارن
من يجمع بنية إحرامه حجة وعمرة معا وشرطه ان لا يكون ميقاته داره وسوق بدنة وندب فيه وفي كل هدى التقليد والايقاف والتجليل ويتبعها واشعار البدنة فقط] .
قوله: "باب والقارن من يجمع بنية إحرامه حجة وعمرة معا".
أقول: هذا الرسم بين به ماهية حجالقرىن وإنما سمى قرانا لأنه قرن فيه بين الحج والعمرة ولكن ليس من شرطه ان ينويهما جميعا بل يجوز ان يحرم بالحج مفردا ثم يدخل العمرة على الحج كما وقع ذلك من رسول الله ﷺ فيكون قارنا وقد وقع الاتفاق على انه ﷺ حج قرانا مع ما جاءت به الاحاديث الصحيحية من انه ﷺ لبى بالحج أولا ثم بالعمرة بعد ذلك.
وأما قوله وشرطه ان لا يكون ميقاته داره فلا دليل على ذلك ولا يصح قياس القرآن على التمتع لعدم وجود الجامع الصحيح الذي لا يتم القياس بدونه.
قوله: "وسوق بدنة".
أقول: قد ساق ﷺ هديا في حجه الذي بين فيه للناس ما نزل اليهم وقد قدمنا انه بيان لمجمل القرآن والسنة المقتضيين للوجوب فكان واجبا وما قيل من انه يلزم القائلين بوجوب سوق الهدى بفعله ﷺ أن يوجبوا التقليد والاشعار فهو ملتزم وان ابوه ولا يلزمهم ان يكون الهدى قدر هديه ﷺ لأنه قد وجد مسمى الهدى والسوق في الهدى الواحد.
ويؤيد هذا ان النبي ﷺ لم يقلد ولم يشعر الا بدنة واحدة فدل ذلك على انها على انفرادها هديه دون غيرها وما ذكره المصنف من التقليد والتجليل والاشعار فهو ثابت بالاحاديث الصحيحة.
وأما إيقاف الهدى في المواقف لم يرد من وجه تقوم به الحجة وما يدل على ان السوق في هذا النوع من أنواع الحج شرط قوله ﷺ: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى" [البخاري "٣/٥٠٤"، مسلم "١٤١/١٢١٦"، أبو داود "١٧٨٥، ١٧٨٩"، أحمد "٣/٣٢٠"]، وهو حديث صحيح فجعل ﷺ سوق الهدى هو المقتضى لبقائه قارنا.
[ ٣٣٩ ]
[فصل
ويفعل ما مر إلا انه يقدم العمرة إلي الحل ويتشنى ما لزمه من الدماء ونحوها قبل سعيها] .
قوله: "فصل ويفعل ما مر".
أقول: هذه العبارة صحيحية على ما تقتضيه الادلة وإن كانت غير مناسبة لما هو المقرر عند المصنف ومن قال بقوله فقد ثبت في الصحيحين [البخاري "١٥٥٧"، مسلم "١١١/١٢١١"]، وغيرهما من حديث عائشة: "أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة إنما طافوا طوافا واحدا".
وثبت في صحيح مسلم "١٣٣/١٢١١"] وغيره [أحمد "٦/١٢٤"]، أن النبي ﷺ قال لعائشة: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك".
وفي مسلم "١٣٣/١٢١١"، أيضا أن النبي ﷺ قال لها: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك".
وفي صحيح البخاري "١٥٥٨/١٥٥٩"]، عن ابن عمر أنه طاف لحجه وعمرته طوافا واحدا بعد أن قال إنه سيفعل كما فعل رسول الله ﷺ.
وأخرج أحمد "٢/٦٧"، وابن ماجه "٢٩٧٥"، وسعيد بن منصور عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ: "من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد".
وأخرج الترمذي "٩٤٨"، بلفظ: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد لهما حتى يحل منهما جميعا"، وحسنه.
وأما قوله: "إلا انه يقدم العمرة إلي الحل" فليس على هذا دليل وقد عرفت انه يكفي لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد فلا تقديم ولا تأخير.
وأما قوله: "ويتثنى ما لزمه من الدماء ونحوها قبل سعيها" فمبنى على وجوب طوافين وسعيين هو مندفع بما قدمنا.
[فصل
ولا يجوز للآفاقي الحر المسلم مجأوزة الميقات إلي الحرم الا بإحرام غالبا فإن فعل لزم دم ولو عاد إن كان قد احرم أو عاد من الحرم فإ فاته عامه قضاه ولا يداخل غيره] .
قوله: "فصل ولا يجوز للآفاقي" الخ.
أقول: لم يرد على هذا دليل يصلح للتمسك به ولا حجة في اجتهاد بعض الصحابة ولا فيما روى عن رسول الله ﷺ ولم يصح ولو كان هذا شرعا ثابتا لما خفي دليله فقد كان الداخلون إلي مكة من الافاق في أيام النبوة كثيرين جدا ولم يسمع عن أحد منهم انه أمره ﷺ
[ ٣٤٠ ]
بالإحرام وإذا عرفت بطلان إيجاب الاحرام لمجرد المجأوزة عرفت بطلان إيجاب الدم على من جاوز بغير إحرام وبطلان إيجاب القضاء للإحرام المتروك عند المجاوزة.
والحاصل ان هذا الفصل مبني على غير أساس.
[فصل
ويفعل الرفيق فيمن زال عقله وعرف نيته جميع ما مر من فعل وترك فيبي ان أفاق وإ مات محرما بقي حكمه فإن كان قد احرم وجهل فكناس ما احرم له ومن حاضت اخرت كل طواف ولا يسقط عنها الا الوداع وتنوى المتمتعة والقارنة رفض العمرة إلي بعدا لتشريق وعليهما دم الرفض] .
قوله: "فصل وبفعل الرفيق فيمن زال عقله".
أقول: زوال العقل لا تصح معه عبادة ولا معاملة فمن زعم انها تصح منه هذه العبادة وان مجرد فعل رفيقه به ما شرعه الله لعباده من اعمال الحج تكفي ويسقط عنه الوجوب فهو مطالب بالدليل المخصص لهذه العبادة من بين سائر العبادات ولا دليل اصلا ولم يتفق مثل هذا في زمن النبوة ولا له مأخذ من كتاب ولا سنة ولا قياس والعجب من قوله ويبنى إن أفاق فإن هذا الذي زال عقله قد من الله عليه برجوع عقله وأمكنه ان يأتي بما أوجبه الله عليه عاقلا صحيحا فكيف يدع هذا ويجترئ بما فعل به حال جنونه وإذا عرفت هذا عرفت عدم صحه ما ترتب عليه.
قوله: "ومن حاضت اخرت كل طواف".
أقول: قد ثبت انه ﷺ أمر عائشة لما أخبرته انها قد حاضت بأن تغتسل ثم تهل بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة وثبت في الصحيح انه ﷺ قال لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، وثبت في الصحيح أيضا انه ﷺ قال لها: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك".
وأما قوله: "ولا يسقط عنها الا طواف الوداع" فقدت تقدم انه ﷺ رخص فيه للحائض.
وأما قوله: "وتنوى القارن والمتمتعة رفض العمرة إلي ما بعد ايام التشريق" فليس على هذا دليل بل هو خلاف الدليل الصحيح وهكذا لا وجه لقوله وعليهما دم الفرض.
[فصل
ولا يفسد الاحرام الا الوطء في أي فرج على أي صفة وقع قبل التحلل برمي جمرة
[ ٣٤١ ]
العقبة أو بمضي وقته أداء وقضاء أو نحوهما فيلزم الاتمام كالصحيح وبدنة ثم عدلها مرتبا وقضاء ما أفسد ولو نفلا ومالا يتم قضاء زوجة اكرهت ففعلت الا به وبدنتها ويفترقان حيث افسدا حتى يحلا
قوله: "فصل ولا يفسد الاحرام الا الوطء"
أقول: قد قدمنا طرفا من الكلام على هذا وقدا ستدل من قال بالفساد بقوله تعالي: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا الاستدلال غير صحيح.
أما أولا: فللاحتمال في معنى الرفث والمحتمل لا تقوم به الحجة.
وأما ثانيا: فلو سلمنا ان الرفث هو الوطء لكان المنع منه لا يستلزم بطلان الحج لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام وغايته ان فاعله إذا تعمد اثم إثم فالح الحرام فمن اين يلزم بطلان حجه.
وأما ثالثا: فلو كان الرفث مبطلا للحج لزم ان يكون الجدال مبطلا له واللازم باطل بالاجماع فالملزوم مثله وإذا عرفت انه لادليل على ان الجماع عمدا مبطل للحج فكيف يبطل الجماع سهوا أو جهلا.
وأما قوله: "قبل التحلل برمي جمرة العقبة" فقد قدمنا حديث ابن عباس بلفظ: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
والحاصل ان ما رتبه المصنف على فسادا لحج بالوطء وجعله متفرعا عليه من لزوم إتمامه كالصحيح ولزوم قضائه ولو نفلا كلام لا دليل عليه وتكليف لعبادالله بما لم يكلفهم الله به وهكذا من اعتمد في اثبات الأحكام الشرعية على خيالات الرأي وزائف الاجتهاد ياتي بمثل هذه الخرافات التي لا ثمرة لها الا إتعاب العباد في غير شرع.
ومن هذا الكلام الوارد على خلاف مناهج الشرع وأساليب الدين الحنيف قوله وما لا يتم قضاء زوجة اكرهت الا به ففعلت ويفترقان من حيث افسدا حتى يحلا وبطلان جميع هذا غني عن البيان وليته اقصتر على دعوى فساد الحج بالوطء ثم يقول وعليه ان يحج عن فرضه الذي افسده بالوطء في عام آخر فإن هذا وإن كان لا دليل عليه ولكنه أهون الشررين وأقل الضررين.
[فصل
ومن احصره عن السعي في العمرة أو الوقوف في الحج حبس أو مرض أو خوف أو انقطاع زاد أو محرم أو مرض من يتعين امره أو تجدد عدة أو منع زوج أو سيد لهم ذلك بعث بهدي وعين لنحره وقتا من ايام النحر في محله فيحل بعده فإن انكشف حله قبل
[ ٣٤٢ ]
أحدهما لزمته الفديه وبقي محرما حتى يتحلل فإن زال عذره قبل الحل في العمرة والوقوف في الحج لزمه الاتمام فيتوصل اليه بغير مجحف وينتفع بالهدي إن ادركه في العمرة مطلقا وفي الحج إن ادرك الوقوف وإلا تحلل بعمرة ونحره ومن لم يجد فصيام كالمتمتع وعلى المحصر القضاء ولا عمرة معه] .
قوله: "فصل ومن احصره عن السعي في العمرة أو الوقوف في الحج" الخ.
أقول: احسن ما يستدل به على اثبات حكم هذا الحصر ما أخرجه مسلم وغيره عن ابن عباس ان ضباعة بنت الزبير قالت: يا رسول الله إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج فكيف تأمرني أهل؟ فقال: "أهلي واشترطي أن محلى حيث حبستني".
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بن الزبير فقال لها: "لعلك أردت الحج؟ " قالت: والله ما أجدني الا وجعة فقال لها: "حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني".
وقد أخرج أحمد "٣/٤٥٠"، من حديث ضباعة نفسها وفي الباب عند أنس عند البيهقي وعن جابر عنده أيضا وعن ابن مسعود وأم سلمة عنده أيضا وعن ام سلمة عند أحمد والطبراني في الكبير وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير.
فهذه الاحاديث قد دلت على ثبوت حكم الحصر وان من اشترط هذا الاشتراط لم يثبت عليه حكم الحصر ومن لم يشترط ثبت عليه وقد ذهب جماعة من الصحابة منهم على وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين اليه ذهب أحمد واسحاق وابو ثور إلي انه لا يجوز التحلل مع عدم الاشتراط وذهب أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين إلي انه لا يصح الاشتراط وهذه الاحاديث ترد عليهم.
وإذا تقرر هذا فقد ثبت انه ﷺ هو وأصحابه احصروا بالحدييية ونزل قوله تعالي: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فدل هذا على ان ما يلزم هذا المحصر الذي لم يشترط هو ما استيسر له فقول المصنف ﵀: "بعث بهدي" ما استيسر له وهذا إذا أمكنه البعث بالهدي فإن تعذر عليه ذلك لخوف طريق أو نحوه نحره حيث احصر وإن كان في الحل فقد نحر النبي ﷺ هو وأصحابه بالحديبية وهي من الحل ولهذا تلكأ اصحابه ولم ينحروا حتى نحر ولم يحلقوا حتى حلق وهذه الآية وإن كان سببها خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ كما تقرر في الاصول فيقيد بها ما ورد مطلقا كحديث: "من كسر أو عرج فقد حل" وأما ما ذكره من لزوم الفدية إذا انكشف حله قبل احدهما فلا دليل عليه كما انه لا دليل على قوله فإن زال عذره قبل الحل في العمرة والوقوف في الحج لزمه الاتمام الخ بل الظاهر
[ ٣٤٣ ]
ان من احصر وقد اشترط فإنه يصير حلالا والأمر مفوض اليه إن شاء حج مع زوال عذره وإن شاء ترك وحج في عام آخر وهكذا من لم يشترط وبعث بالهدي فإنه بعد بعثه بالهدى باختيار نفسه إذا زال عذره ولا قضاء عليه إذا لم يحج بل الفرض باق عليه متى استطاع وجب عليه الاتيان به فهذا حاصل ما ينبغي اعتماده في هذا البحث ولم يرد ما يخالفه الا مالا تقوم به الحجة ومالا تقوم به الحجة وجوده كعدمه.
[فصل
ومن لزمه الحج لزمه الايصاء به فيقع عنه والا فلا وإنما ينفذ من الثلث الا ان يجهل زيادة الوصي المعين فكله وإن علم الاجير وإذا عين زمانا أو مكانا أو نوعا أو مالا أو شخصا تعين وإن اختلف حكم المخالفة الا فالأفراد ومن الوطن أو ما في حكمه وفي البقية حسب الامكان] .
قوله: "فصل ومن لزمه الحج لزمه الايصاء به".
أقول: لم يكن في هذا دليل يصلح للتمسك به بل من لزمه الحج ووجد السبيل اليه وجب عليه تأديته لقوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإن لم يفعل فقد باء بالإثم ولم يسمع في أيام النبوة ان رجلا أوصى بان يحج عنه بعدموته استدراكا لما فاته من فريضة الحج ولا ثبت عنه ﷺ شيء في الوصية بالحج بل ثبت عنه حج الولد عن أبيه وأمه وحج الاخ عن اخيه وابن عمه وقريبه وقد قدمنا الكلام على هذا والاصل في العبادات البدنية انها لاتصح الا ممن وجبت عليه ولا تصح من غيره الا بدليل وقد دل الدليل في الحج على ما ذكرنا فيقتصر عليه وكذلك ورد في الصوم: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" كما قدمنا فيقتصر على ذلك وما عدا ما ورد به الدليل فالأصل المنع ولم يات من قال بأن الوصية مسوغة لحج غير الموصى عنه بما يصلح للاحتجاج به وأما عموم قوله ﷺ: "فدين الله احق ان يقضي" فمعناه صحيح وان من فاته شيء من العبادات فعليه القضاء.
وأما كونه يصح ان يقضيه عنه غيره فمتوقف على ورود الدليل بذلك فما ورد به الدليل صح ومالا فلا ولا سيما مع ما ثبت من قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]، وقوله ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عنه كل شيء الا صدقة جارية أو علم ينفع به أو ولد صالح يدعو له". [مسلم "١٦٣١"، الترمذي "١٣٧٦"، النسائي "٦/٢٥١"، أحمد ٢/٣٧٢"، أ [وداود "٢٨٨٠"] .
فالحاصل ان المتعين الوقوف على موارد النصف في كل شيء يقال إنه يلحق الميت ويناله ثوابه أو يسقط عنه فرضا من فرائض الله عليه وقد اطلنا البحث في هذا في شرحنا للمنتقى
[ ٣٤٤ ]
وذكرنا جميع ما ورد من الادلة الدالة على تخصيص هذه الادلة المقتضية لاختصاص كل عامل بعمله فليرجع اليه. وبهذا القدر تعرف لأكلام على ما جعله المصنف متفرعا على لزوم الوصية بالحج إلي آخر الفصل فلا تشتغل بالكلام عليه.
[فصل
وإنما يستأجر مكلف عدل لم يتضيق عليه حج في وقت يمكنه أداء ما عين فيستكمل الأجرة بالاحرام والوقوف وطواف الزيارة وبعضها بالبعض وتسقط جميعا بمخالفة الوصي وإن طابق الموصى وبترك الثلاثة وبعضها بترك البعث ولا شيء في المقدمات الا لذكر أو فساد عقد وله ولورثته الاستنابة للعذر ولو لبعد عامة إن لم يعين وما لزمه من الدماء فعليه الا دم القران والتمتع] .
قوله: "فصل وإنما يستأجر مكلف" الخ.
أقول: هذا فصل مبني على صحة الاسئجار وصحة الوصية به وقد قدمنا الكلام على ذلك فلا حاجة لنا في الكلام على هذا الفصل فإنه متفرع على ما أوضحنا عدم ورود دليل يدل عليه وعلى تقدير صحة الاستئجار وصحة الوصية فما ذكره المصنف من اشتراط التكليف والعدالة في الاجير أمر لا بد منه فإن غير المكلف لا يصح منه عمل نفسه فكيف يصح منه عمل غيره ومن لا عدالة له فهو غير مأمون ان يستأجر على تأدية فريضة الله وركن من أركان الإسلام.
وأما قوله: "لم يتضيق عليه الحج" فصحيح إن قلنا بصحة الاستئجار لأنه مع التضييق قد صار مخاطبا بفريضة نفسه فلا يجوز له الاشتغال بغيرها مما هو فرض على غيره ولهذا يقول ﷺ: "حج عن نفسك ثم عن شبرمة" وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث.
وهكذا لا بد ان يكون الاستئجار للأجير في وقت يمكنه أداء ما استؤجر له وأما كونه يستحق الأجرة بالاحرام والوقوف وطواف الزيارة فلكونها أركان الحج التي يتم بفعلها وقد قدمنا الكلام على ذلك.
وأما كون الأجرة تسقط جميعها بمخالفة الوصي وإن طابق الموصى فهو خلاف ما يختاره المصنف في سائر الابواب من ان الاعتبار بالانتهاء.
وأما كونه لا شيء في المقدمات فصحيح لأنه لم يفعل المقصود لو بعضه الا ان يذكرها فقد اشترط لنفسه لا لفساد العقد فإن فساده لا يكون سببا لاستحقاق الأجرة على غير المقصود.
[ ٣٤٥ ]
وأما كون له ولورثته الاستنابة فمحتاج إلي دليل لأن الوجوب عند من قال بصحة الاجارة متعلق بذمة الميت لا بذمة الاجير.
[فصل
وأفضل الحج الإفراد مع عمرة بعد التشريق ثم القران ثم العكس]
قوله: "فصل وافضل أنواع الحج الأفراد".
أقول: نوع الأفراد هو أحد الأنواع التي ثبتت بالسنة المطهرة وبه حج بعض من كان معه ﷺ من الصحابة.
وأما قوله: "مع عمرة بعد ايام التشريق" فليس لهذا وجه ابدا وجعل العمرة بعد أيام التشريق مبني على ما تقدم للم صنف من ان العمرة لا تكره الا في اشهر الحج وأيام الشتريق وقد عرفناك فيما سبق أن القول بهذه الكراهة كانت سنة جأهلية أبطلها الإسلام.
واعلم ن حجة ﷺ وان اختلفت الأحاديث في بيان نوعه فقد تواتر انه حج قرانا وبلغت الاحاديث في ذلك زيادة على شعرين حديثا من طريق سبعة شعر صحأبيا ولم يرد ما يصلح لمعارضته بعض هذه الاحاديث فضلا عن كلها فمن جعل وجه التفضيل لاحد أنواع الحج هو انه ﷺ حج بنوع كذا وان الله سبحانه لا يختار لرسوله الا ما كان فاضلا على غيره فقد كان حجه ﷺ قرانا فيكون القران افضل أنواع الحج ولكنه قد ثبت من حديث جابر في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى وجعلها عمرة"، فدل على ان التمتع افضل من القران وقد سقت المذاهب والادلة في شرحي للمنتقى مما لا يحتاج الناظر فيه إلي الرجوع إلي غيره فالاحالة عليه أولى لأن المقام طويل الذيول وكل أنواع الحج شريعة صحيحية وسنة ثابتة فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت خرجنا مع رسول الله ﵌ فقال: "من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل".
[فصل
ومن نذر أن يمشي إلي بيت الله أو ما في حكمه لزمه لأحد النسكين فيؤدى ما عين وإلا فما شاء ويركب للعجز فيلزم دم وبأن يهدي شخصا حج به أو اعتمر إن أطاعه
[ ٣٤٦ ]
ومؤنه وجوبا وإلا فلا شيء وبعبده أو فرسه شرى بثمنه هدايا وصرفها من حيث نوى وبذبح نفسه أو ولده أو مكاتبه ذبح كبشا هنالك لا من له بيعه فكما مر.
ومن جعل ماله في سبيل الله تعالي صرف ثلثه في القرب لا هدايا ففي هدايا البيت والمال للمنقول وغيره ولو دينا وكذا الملك خلاف م بالله في الدين] .
قوله: "فصل ومن نذر ان يمشي إلي بيت الله لزمه لأحد النسكين"
أقول: أما لزوم الوفاء فلما ورد من الوفاء بالنذر إذا كان في غير معصية الله.
وأما كونه يلزمه لاحد النسكين فلا دليل على هذا وقد قدمنا انه لا دليل على عدم مجاوزة الحرم الا بإحرام.
وأما جواز الركوب للعجز ولزوم الدم فلحديث عقبة الثابت في الصحيحين [البخاري "٤/٨٧"، مسلم "١١/١٦٤٤"]، وغيرهما [أبو داود "٣٢٩٩"، النسائي "٣٨١٤"، أحمد "٤/١٥٢"]، ان اخته نذر بالحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي ﷺ: "إن الله عن مشى أختك لغني فلتركب"، وأخرج أبو دأود نحوه من حديث ابن عباس وزاد فيه "ولتهد بدنة".
وأما قوله: "ومن نذر ان يهدي شخصا" فإن أراد بالإهداء الإيصال فلا باس بأن يحج به ويعتمر إن اطاعه ولكن لا دليل على ذلك فإن غاية ما يجب عليه إيصاله إلي حيث نذر وإن أراد بالاهداء جعل الشخص هديا فهذا نذر في يمعصية الله وهو باطل.
وهكذا لا يصح نذر من نذر بذبح نفسه لأنه نذر في معصية الله.
وأما قوله: "ومن نذر بعبده أو فرسه" الخ فإذا كان قصده من ذلك لزمه وإن كان له قصد آخر كان ينذر بعبده لخدمة الحرم وبفرسه لركوب من يلي الحرم عليه أو نحو ذلك كان صحيحا وإن قصد جعلهما هدايا فلا يصح النذر بالعبد لأنه في معصية الله ويصح بالفرس فينحرها حيث ينحر الهدى لأن الراجح ان أكلها حلال كما سياتي.
وأما قوله: "ومن جعل ماله في سبيل الله" الخ فهذا سيأتي الكلام عليه في النذر إن شاء الله تعالي.
وأما قوله: "لا هدايا ففي هدايا البيت" فهو صحيح لأن الهدايا لا تكون الا كذلك.
وأما قوله: "والمال للمنقول وغيره" الخ فهذا هو معنى المال لغة الا ان يتجدد اصطلاح يقصره على البعض كان الاصطلاح مقدما لأن الرجل يتكلم باصطلاح قومه فيحمل ماتكلم به عليه.
[فصل
ووقت دم القران والتمتع والإحصار والإفساد والتطوع في الحج أيام النحر اختيارا
[ ٣٤٧ ]
وبعدها اضطرارا فيلزم دم التأخير ولا توقيت لما عداها واختياري مكانها مني ومكان دم العمرة مكة واضطراريهما الحرم وهو مكان ما سواهما الا الصوم ودم السعي فحيث شاء.
وجميع الدماء من رأس المال ومصرفها الفقراء كالزكاة الا دم القران والتمتع والتطوع فمن شاء وله الأكل منها ولا تصرف الا بعد الذبح وللمصرف فيها كل تصرف] .
قوله: "فصل ووقت دم القرآن" الخ.
أقول: إن كان جعل أيام النحر وقت اختيار لدليل يدل على ذلك فما هو فإن الثابت عنه ﷺ انه نحر هديه يوم النحر وامر من معه بالنحر في يوم النحر فكان ينبغي ان يكون يوم النحر هو وقت الاختيار ثم إذا خرج هذا الوقت كان إجزاء النحر فيما بعده محتاجا إلي دليل وليس كل عبادة تقضى لكن يقال ان لأعذار حكمها وان من تعذر عليه النحر في يوم النحر كان الوقت ممتدا في حقه كامتداد وقت الأضحية لحديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ أنه قال: "أيام التشريق ذبخ"، أخرجه أحمد "٤/٨٢"، وبان حبان في صحيحه والبيهقي وأخرج نحوه ابن عدي من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف وأخرج نحوه أيضا ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد وهو ضعيف.
وأما كون وقت الاضطرار بعد أيام التشريق فهذا يحتاج إلي دليل لأنه تعيين وقت لعبادة من العبادات وذلك لا يثبت بمجرد الرأي فإن قام الدليل على ذلك فلا وجه لايجاب دم التأخير وقد قدمنا البحث عن هذا.
وأما قوله: "ولا توقيت لما عداها" فإذا قد ثبت وجوب الدم غير مقيد بوقت فالأمر كذلك وهكذا لا دليل لجعل مكانين اختياري واضطراري لدم العمرة بل مكان جميع الدماء مني وفجاج مكة ولهذا يقول ﷺ: "إن منى كلها منحر وإن فجاج مكة طريق ومنحر".
وأما استثناء الصوم فإن كان المراد به الذي قال الله سبحانه فيه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فظاهر وإن كان سائر أنواع الصوم التي تلزم من لم يجد الدم فلم يرد دليل يدل على تعيين وقتها.
وأما دم السعي فحكمه حكم سائر الدماء زمانا ومكانا ولا وجه لاستثنائه.
وأما كون جميع الدماء من رأس المال فهكذا ينبغي ان يكون لانها لزمت من هي عليه فوجب تخليصها من ماله ولا وجه لاخراجها من الثلث فإن الامور التي وردت ان مخرجها من الثلث هي امور مخصوصة معروفة لزمت بالوصية أو لنذر أو نحوهما.
قوله: "ومصرفه الفقراء كالزكاة".
أقول: الظاهر عدم الفرق بين هذه الدماء ودم القران أو التمتع أو التطوع انه يجوز الأكل منها لمن هي عليه لقوله تعالي: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وقوله تعالي:
[ ٣٤٨ ]
﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقد ثبت في الاحاديث الصحيحية ان النبي ﷺ أكل مما أهداه وأطعم أصحابه ونساءه فهذا الكتاب العزيز والسنة المطهرة قد دلا على جواز الأكل منها وصرفها في مصارفها ودعوى التفرقة بين الدماء يحتاج إلي دليل ولم يثبت ما يقتضى ذلك وإن كان السبب خاصا فلا يتقيد الحكم بالسبب.
وأما كونها لا تصرف الا بعد الذبح فلكون الحكم المتعلق بها لا يسقط الا بنحرها وأما كون للمصرف يها كل تصرف فظاهر.
[ ٣٤٩ ]