إنما يصح في مثلي أو قيمي جماد أمكن وزنه إلا ما يعظم تفأوته كالجواهر والمصوغات غالبا غير مشروط بما يقتضي الربا وإلا فسد] .
قوله: "باب: القرض إنما يصح في مثلي أو قيمي جماد أمكن وزنه".
أقول: هذا باب وردت السنة بالترغيب فيه وتعظيم أجر فاعله ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته وهذا الترغيب وعموم المشروعية لا ينبغي قصره على بعض ما ينتفع به الناس ويطلبون الأجر في قرضه إلا بدليل يدل على ذلك ويقتضي تخصيص العمومات فإن لم يقم دليل على ذلك لم يجز لأحد أن يتقول على الشرع ما ليس فيه ويسد بابا فتحه الله لعباده وجعله نفعا للمحأويج المستقرضين وأجرا للأغنياء المقرضين وأما مجرد تعللهم بأن القرض باب من أبواب
[ ٥٤٨ ]
البيع فلا يجوز إلا فيما يجوز فيه فنقول ما بالهم منعوه فيما هو جائز البيع بلا خلاف وشرطوا أن يكون مثليا جمادا يمكن وزنه ثم ما بالهم منعوه فيما جوزه الشرع وثبتت به السنة الصحيحة الصالحة لتخصيص كل عموم للبيع كما في صحيح مسلم "١١٨/١٦٠٠"، وغيره "أبو داود "٣٣٤٦"، الترمذي "١٣١٨"، النسائي "٤٦١٧"، ابن ماجة "٢٢٨٥"، أحمد "٦/٣٩٠"، من حديث رافع بن خديج قال استسلف النبي ﷺ بكرا فجاءت إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره فقلت إني لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا قال: "أعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء"، وهو في الصحيحين [البخاري "٤/٤٨٢"، مسلم "١٦٠١"، وغيرهما الترمذي "١٣١٦، ١٣١٧"، النسائي "٤٦١٨"، من حديث أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: "أعطوه"، فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها فقال: "أعطوه"، فقال أوفيتني أوفى الله بك فقال النبي ﷺ: "إن خيركم أحسنكم قضاء"، فقد دلت السنة الصحيحة على جواز قرض الحيوان مع كونه مما يعظم فيه التفأوت فدل ذلك على أنه لا وجه لجعل عظم التفأوت مانعا هذا تبرع بالدليل وإن كان الدليل على من ادعى تخصيص ما دل على عموم المشروعية كما قدمنا وجواز القرض في الحيوانات هو مذهب الجمهور.
وأما قوله: "غير مشروط بما يقتضي الربا" فلا ينافي ما قدمنا عنه ﷺ من أنه قضى من أقرضه سنا فوق سنة وأحسن منها لأن ذلك وقع لا على طريق الشرط بل على طريق التفضل والإحسان وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر قال أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني فإن قلت قد ورد ما يدل على أن المقرض لا يقبل من المستقرض هدية أو نحوها كما أخرجه ابن ماجه من حديث أنس أنه ﷺ قال: "إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك"، قلت في إسناده يحيى بن أبي إسحق الهنائي وهو مجهول وفي إسناده أيضا عتبة بن حميد الضبي وهو ضعيف وقد حققنا البحث في شرح المنتقي فليرجع إليه.
[فصل
وإنما يملك بالقبض فيجب رد مثله قدرا وجنسا وصفة إلي موضع القرض ولا يصح الإنظار فيه وفي كل دين لم يلزم بعقد وفاسده كفاسد البيع غالبا ومقبض السفتجة أمين فيما قبضا ضمين فيما استهلك وكلاهما جائز إلا بالشرط] .
قوله: "فصل: وإنما يملكه بالقبض".
أقول: يملكه بقبضه ملكا مستقرا ويملكه أيضا قبل قبضه إذا وقع التراضي على ذلك فإن
[ ٥٤٩ ]
التراضي هو المناط في نقل الأموال من بعض العباد إلي بعض وكررنا ذلك في غير موضع وأما كونه يجب رد مثله قدرا وجنسا وصفة فنعم هذا هو الواجب عند أن يترك المستقرض التفضل والإحسان بالزيادة فإن فعل فذلك إليه بما تقدم من الأدلة.
وأما كونه يجب الرد إلي موضع القرض فصحيح لأن المقرض محسن فعلى المستقرض أن يرد ماله إليه إلي الموضع الذي قبضه منه فيه.
قوله: "ولا يصح الإنظار فيه".
أقول: المستقرض قبض المال على التأجيل فلا يجب عليه قضاؤه إلا عند انقضاء الأجل وتمامه وتأجيل الدين قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز فقال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليس فائدة الكتابة إلا حفظ قدر الدين وقدر أجل تسليمه ومما يدل على لزوم التأجيل حديث: "المؤمنون عند شروطهم"، [أبو داود "٦٥٩٤"، أحمد "٢/٣٦٦"]، وقد ورد في الكتاب العزيز في آيات كثيرة وجوب الوفاء بالعقود وهي ما يحصل عليه التراضي فليس لمن أقرض قرضا مؤجلا أن يطلب قضاءه قبل حلول أجله وهكذا في سائر الديون التي لم تلزم بعقد فإن الدخول في التأجيل يجب على من وقع من جهته الوفاء به.
وأما قوله: "وفاسده كفاسد البيع" فلا وجه له في المشبه ولا في المشبه به لما عرفناك أن مناط البيع وغيره التراضي فإن وقع البيع أو القرض على غير ما يسوغه الشرع فلا يثبت حكمه من الأصل.
وأما قوله: "ومقبض السفتجة" الخ فهذا حكم يرجع إلي باب الأمانة والضمانة والتراضي يسوغ هذا وغيره فلا فائدة في التكلم على مثله وهو معروف في أبوابه وإنما ذكره المصنف هنا لئلا يتوهم أنه من القرض الذي يجر منفعة.
[فصل
وليس لمن تعذر عليه استيفاء حقه حبس حق خصمه ولا استيفاؤه إلا بحكم غالبا وكل دينين استويا في الجنس والصفة تساقطا والفلوس كالنقدين] .
قوله: "وليس بمن تعذر عليه" الخ.
أقول: إذا كان الحق ثابتا شرعا قطعا وبتا وتعذر الوصول إليه من جميع الوجوه إلا من هذا الوجه وذلك لامتناع من هو عليه عن تأديته فعمومات الكتاب والسنة قد دلت على جواز ذلك ولا يعارض هذه العمومات حديث: "أد الأمانة إلي من ائتمنك ولا تخن من خانك"، أخرجه أبو دأود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة وفي الباب عن أنس عند الحاكم مرفوعا وعن أبي بن كعب عند الدارقطني والطبراني وعن رجل من الصحابة عند
[ ٥٥٠ ]
أحمد "٣/٤١٤"، وأبي دأود "٣٥٣٤"، والبيهقي وصححه ابن السكن وعن الحسن مرسلا عند البيهقي وفي إسناد كل واحد من هذه مقال حتى قال أحمد هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح وقال ابن الجوزي لا يصح من جميع طرقه ولا يخفاك أن وروده من هذه الطرق مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها وتحسين إمام ثالث منهم لبعضها مما يصير به الحديث منتهضا للاحتجاج به ولكن خاص بالأمانة فلا يجوز خيانة من خان إذا كان مال الذي للخائن عند من وقعت عليه الخيانة أمانة ويؤيد هذا الكلام أئمة اللغة ويدل على أن الخيانة إنما تكون في الأمانة كما في القاموس وغيره والحاصل أن مال المسلم معصوم بعصمه الإسلام وكذلك دمه وعرضه كما يدل على ذلك القرآن والسنة وهذا عموم مخصص بما كان على طريقة المكافأة كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وهذه الآيات مخصصه بالخيانة في الأمانة فلا يجوز على طريقة المكافأة وما يؤيد الجواز الحديث الصحيح المتقدم في إذنه ﷺ لهند امرأة أبي سفيان أن تأخذ لها ولولدها من مال زوجها ما يكفيهابالمعروف.
وأما قوله: "وكل دينين" الخ فهذا معلوم بالعقل أنه لا يتعلق بعدم التساقط فائدة فمن ثبت له دينار مثلا على من كان له عليه دينار تساقط ولا يحتاج مثل هذا إلي أن يدون في الكتب العلمية وهكذا قوله والفلوس كالنقدين.
[فصل
ويجب رد الرهن والقبض والغصب والمستأجر والمستعار والحق المعجل والمؤجل والكفالة بالوجه إلي موضع الابتداء غالبا لا المعيب والوديعة والمستأجر عليه وكل دين لم يلزم بعقد والقصاص فحيث أمكن ويجب قبض كل معجل مساو أو زائد في الصفة لا مع خوف ضرر أو غرامة ويصح التعجيل بشرط حط البعض] .
قوله: "فصل: ويجب رد الرهن" الخ.
أقول: وجه أن المقرض محسن وما على المحسنين من سبيل فلو كان عليه أن يتجشم مشقة لرد قرضه لكان ذلك منافيا لإحسانه وأما الرهن فليس في رواية ولا رأي صحيح أنه يكون الوجوب على أحدهما لأن كلاهما منتفع بالرهن من جهة وأما الغصب فوجهه أن الغاصب ظالم متعد فعليه رفع ظلامته عن نفسه أن برد ما غصبه من الموضع الذي غصبه منه بل وإلي حيث استقرار المغصوب عليه وإن كان بعيدا عن وضع الغصب وأما المستأجر فوجهه أنه الطالب للانتفاع بالعين فيردها إلي الموضع الذي أخذها منه ويمكن أن يقال إن المؤجر منتفع بالأجرة
[ ٥٥١ ]
كما ينتفع المستأجر بالمنافع المتعلقة بالعين فلا يكون المستأجر بالرد إلي موضع الابتداء أولى من المؤجر وأما المستعير فوجهه أن المعير محسن كما تقدم في القرض وأما الحق المؤجل والمعجل فوجهه أن من هو عليه لا يخلص ذمته عما هو عليه إلا برده إلي يد من هو له ومثل ذلك الكفالة بالوجه هذا غاية ما يمكن في توجيه كلام المصنف وكان الأولى له أن يعقد الفصل على وجوب الرد إلي المالك من غير نظر إلي موضع الابتداء فيقول مثلا يجب الرد إلي المالك في القرض الخ حتى يكون ذلك عملا بحديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، أخرجه أحمد وأبو دأود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث الحسن عن سمرة وفي سماع الحسن من سمرة فقال معروف فإن هذا الحديث يدل على وجوب التأدية لكل ما أخذته اليد ولا تأدية إلا إذا كانت إلي المأخوذ منه ومثل هذا الحديث الذي تقدم بلفظ: "أد الأمانة إلي من ائتمنك"، فإن التأدية في الأمانات لا يكون إلا بدفعها إلي مالكها وبهذا تعرف أنه لا وجه لقول المصنف لا المعيب والوديع الخ وأما كون يجب قبض كل معجل فوجهه أن لمن هو عليه أن يبريء ذمته بالرد فليس لمن هو له أن يمتنع من ذلك مع عدم المانع من خوف ضرر أو غرامة.
قوله: "ويصح شرط حط البعض".
أقول: إذا حصل التراضي على هذا فليس في ذلك مانع من شرع ولا عقل لأن صاحب الدين قد رضي ببعض ماله وطابت نفسه عن باقيه وهو يجوز أن تطيب نفسه عن جميع ذلك المال وتبرأ ذمته من هو عليه فالبعض بالأولى وقد ثبت في الصحيح [البخاري "٤٧١، ٤٥٧، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧١٠" مسلم "١٥٥٨"، أبو داود "٣٥٩٥"، ابن ماجة "٢٤٢٩"، النسائي "٨/٢٤٤"]، أن النبي ﷺ سمع رجلين يتخاصمان في المسجد وقد ارتفعت أصواتهما وكانت تلك الخصومة في دين لأحدهما على الآخر فأشرف عليهما النبي ﷺ وأشار بيده إلي من له الدين أن يضع الشطر فكان هذا دليلا على جواز التعجيل بشرط حط البعض.
[فصل
ويتضيق رد الغصب ونحوه قبل المراضاة والدين بالطلب فيستحل من مطل وفي حق الله الخلاف ويصح في الدين قبل القبض كل تصرف إلا رهنه ووقفه وجعله زكاة أو رأس مال سلم أو مضاربة وتمليكه غير الضامن بغير وصية أو نذر أو إقرار أو حوالة] .
قوله: "فصل: ويتضيق رد الغصب ونحوه قبل المراضاة".
أقول: وجه ذلك أنه مطالب بالرد في كل وقت فإذا لم يحصل الرضا فوجوب الرد ثابت متضيق عليه.
[ ٥٥٢ ]
وأما قوله: "والدين بالطلب فيستحل من مطل" فوجهه أنه مع طلب القضاء قد وجب عليه ذلك إلا كان ظالما إذا كان متمكنا لما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ: "لَيُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته".
وأما قوله: "في حق الله الخلاف" فهو الخلاف المعروف في الأصول هل هو على الفور أو التراخي وفي المسألة طول وليس هذا مقام بسط الكلام فيها.
وأما قوله: "ويصح في الدين قبل قبضه كل تصرف إلا رهنه" فوجهه اشتراط التقابض في الرهن وليس هذا الوجه بوجيه فإنه يصح رهن ما في الذمة ويقبضه المرتهن عند حلول أجله فيصير رهنا في يديه وهكذا يصح وقفه ولا مانع من ذلك وهكذا يصح جعله زكاة رأس مال مضاربة ولا مانع من هذه الأمور إلا مجرد تخيلات مختلة وعلل معتله وأما عدم صحة جعله رأس سلم فوجهه أن يكون من بيع الكاليء بالكاليء وقد قدمنا النهي عنه وهكذا يصح تمليكه غير الضامن ولا مانع من شرع ولا عقل ولو بغير وصية أو نذر أو إقرار أو حوالة.
[ ٥٥٣ ]