يوجبه رمي مكلف مسلم غير اخرس لزوجة مثله حرة ممكنة الوطء تحته عن نكاح صحيح أو في العدة بزنا في حال يوجب الحد ولو قبل العقد أو نسبة ولده منها إلي الزنا مصرحا قيل ولو بعد العدة وثم إمام ولا بينة ولا اقرار فيهما ومنه يا زانية] .
قوله: باب: "اللعان فصل يوجبه" الخ.
أقول: المراد بالايجاب التسويغ والجواز مع ثبوت ذلك ولهذا كان ﷺ يعظ الملاعنين ويخوفهما من الاقدام عليه.
وأما اشتراط كون الزوج مكلفا مسلما فلما تقدم غير مرة.
وأما كونه غير اخرس فلكون اللعان لا يكون الا باللفظ لا بالاشارة ولا بالكناية.
وأما اعتبار كون الزوجة مثل الزوج فلأنها تحلف كما يحلف وتثبت ما ينفي الزوج وتنفي ما يثبت وذلك لا يكون الا من مكلفة مسلمة غير خرساء.
وأما اشتراط ان تكون الزوجة حرة فلكون ذلك مورد النص ولكن المفسدة كائنة في الامة كالحرة والأحكام تدور بدوران عللها.
وأما كونها ممكنة الوطء فلأن اللعان لا يكون الا بالرمي بالزنا أو النفي للولد وهو يستلزم الزنا فن كانت رتقاء أو عذراء فلا يتيسر ذلك منها.
[ ٤٤٩ ]
وأما كونها تحته عن نكاح صحيح فلا وجه له بل يكفي ان تكون تحته عن نكاح شبهة يوجب لحوق النسب لأن ذلك هو المقتضى للعان ومعلوم ان نفي اللاحق بشبهة يترتب عليه من الفائدة ما يترتب على نفي اللاحق بنكاح صحيح.
وأما قوله: "في العدة" فصحيح لأن لحوق الولد به في العدة ثابت لثبوت الفراش فالغرض باللعان موجود وهو نفي الولد.
وأما قوله: "بزنا في حال يوجب الحد" فهذا صحيح إن كان الغرض من اللعان دفع الحد وأما إذا كان الغرض منه نفي الولد فهذا صحيح وإن كان الحد ساقطا لشبهة كما تقدم واضافة الزنا منها إلي قبل عقده بها صحيح لان الغرض الذي يكون لاجله اللعان موجود.
وهكذا يقوم مقام رميه بالزنا نسبة ولده منها إلي الزنا لأن ذلك يستلزم الزنا.
وأما قوله: "ولو بعد العدة" فإنما يتم إذا كان الولد لاحقابه بعدها لا إذا لم يلحق به فلا فائدة في اللعان وأما أعتبار ان يكون في الزمان إمام فلا وجه لذلك بل الصالح لتنفيذ أحكام الله سبحانه من هذه لامة يقوم بما تقوم به الائمة في جميع الامور من غير فرق بين الحدود وغيرها كما تدل على ذلك الايات القرآنية والاحاديث النبوية.
وأما قوله: "ولا بينة ولا إقرار فيهما" فصحيح لأن اللعان إنما يصح مع التناكر والتدافع وأما قوله: "ومنه يا زانية" فلا حاجة اليه بعد قوله بزنى.
[فصل
ويطلبه الزوج للنفي وإسقاط الحق وهي للنفي والقذف فيقول الحاكم بعد حثهما على التصادق فامتنعا قل والله إني لصادق فيما رميتك به من الزنا ونفي ولدك هذا اربعا ثم تقول والله إنه لمن الكاذبين في رميه ونفيه كذلك والولد حاضر مشار اليه فإن قدمها اعاد ما لم يحكم ثم يفسخ ويحكم بالنفي إن طلب فيسقط الحد وينتفي النسب وينفسخ النكاح ويرتفع الفراش ويحرم مؤبدا لا بدون ذلك مطلقا ويكفي لمن ولد بعده لدون ادنى الحمل ويصح الرجوع عن النفي فيبقى التحريم فإن رجع بعد موت المنفي لم يرثه قبل وإن لحقه ولده ولا نفي بعد الاقرار أو السكوت حين العلم به وإن له النفي ولا بدون حكم ولعان ولا لمن مات أو أحد ابويه قبل الحكم ولا لبعض بطن دون بعض ولا لبطن ثان لحقه بعد اللعان ويصح للحمل إن وضع لدون ادنى مدته لا اللعان قبل الوضع. وندب تأكيده بالخامسه والقيام حاله وتجنب المسجد] .
[ ٤٥٠ ]
قوله: فصل: "ويطلبه الزوج" الخ.
أقول: الطلب من كل واحد منهما يكون لاحد غرضين أولهما معا الأول انتفاء نسب الولد من الزوج وغرض الزوج من ذلك أنه لا يلحق به من هو من غيره وغرضها ان يكون ابنا لها على الاستقلال.
الثاني دفع الحد فغرض الزوج باللعان ان لا يحد حد القذف وغرضها ان لا تحد حد الزنا.
وأما كون من أغراض الزوج إسقاط الحق من نفقة عدة ونحوها فذلك لا يتم الا على القول بوجوب النفقة ونحوها لكل مطلقة رجعيا كان أو بائنا وقد عرفت ما قدمنا من أنه لا نفقة ولا سكنى للمطلقة بائنا فالزوج يمكنه ان يسقط عن نفسه ذلك بطلاق بائن من غير اقتحامه لهذه العقبة الكوود.
قوله: "فيقول الحاكم بعد حثهما على التصادق".
أقول: قد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه قال لهما: "إن عذاب الدنيا اهون من عذاب الاخرة" وثبت عنه ﷺ في الصحيحين [البخاري "٥٣١٢"، مسلم "١٤٩٣"]، وغيرهما [أبو داود "٢٢٥٧"، النسائي "٦/١٧٧"، أحمد "٤٥٨٧"]، أنه قال لهما: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ".
وأما قوله: "قل: والله إني لصادق فيما رميتك به من الزنا" فقد علمنا الله سبحانه كيف يقول المتلاعنان فلا حاجة إلي الزيادة على ذلك ولا في إحضار الولد.
وأما قوله: "فإن قدمها أعاد ما لم يحكم" فوجهه أن القرأن قدم إيمان الزوج على إيمان الزوجة فتقديمها مخالف لما علمنا الله به وأرشدنا إليه وهكذا قدم رسول الله ﷺ في اللعان الواقع لديه الرجل على المراة وأيضا قولها والله إنه لكاذب جواب عن قوله إنه لصادق والجواب لا يتقدم على ما هو جواب عليه.
قوله: "ثم يفسخ ويحكم بالنفي".
أقول: قد ثبت في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ قال للزوج: "لا سبيل لك عليها" وفي الدارقطني من حديث سهل بن سعد أن النبي ﵌ فرق بين المتلاعنين وقال: "لا يجتمعان أبدا"، وهكذا روى من حديث ابن عباس [أبو داود "٢٢٥٦"]، ومن حديث علي وابن مسعود.
وأما نفي الولد فثبت في الصحيحين [البخاري "٥٣١٥"، مسلم "٨/١٤٩٤"، وغيرهما [أبو داود "٢٢٥٩"، الترمذي "١٢٠٣"، النسائي " ٦/١٧٨"، أحمد "٢/٧، ٣٨، ٦٤، ٧١"]، من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين والحق الولد بالمرأة.
وأما ما ذكره من سقوط الحد فلا ينبغي ان يقع فيه خلاف لأن ذلك هو موجب اللعان وهكذا كونه ينفي النسب لأن ذلك موجب اللعان أيضا وهكذا كونه ينفسخ النكاح بمجرد اللعان لقوله ﷺ: "لا سبيل لك عليها".
[ ٤٥١ ]
وأما ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٥٣٠٨"، مسلم "١٤٩٢"]، من ان عويمرا العجلاني لما فرغا من اللعان قال كذبت عليها يا رسول الله إن امسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يامره رسول الله ﷺ فليس في ذلك حجة الا أنه ثبت في الصحيحين وغيرهما عن الزهري أنه قال فكانت سنة المتلاعنين وفي الصحيحين وغيرهما أيضا أن النبي ﷺ قال: "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين"، وفي لفظ لمسلم وغيره أحمد "وكان فراقه إياها سنة في المتلاعنين".
وأخرج أبو دأود بإسناد رجاله رجال الصحيح عن سهل بن سعد في خبر المتلاعنين قال: فطلقها ثلاث تطليقات فانفذه رسول الله ﷺ وكان ما صنع عند النبي ﷺ سنة والحاصل أنه قد ثبت أن النبي ﷺ فرق ما بينهما قبل الطلاق كما تقدم فالفرقة بتفريق الحاكم مغنية عن الطلاق فإن وقع الطلاق فذلك تأكيد للقرعة ولا تتوقف الفرقة عليه وإنما نسبه إلي السنة لكونه وقع بحضرته ﷺ ولم ينكره.
وأما كونه يرتفع الفراش فلكونها قد حرمت عليه تحريما مؤبدا كما تقدم عنه ﷺ بلفظ: "لا يجتمعان أبدا".
وأما قوله: "لا بدون ذلك مطلقا" فصحيح لكونه لم يكمل السبب.
وأما قوله: "ويكفي عن ولد بعده" الخ فلكونه حملا واحدا لا يصح النفي لبعضه دون البعض.
قوله: "ويصح الرجوع عن النفي" الخ.
أقول: الرجوع عن النفي رجوع عن اللعان وإقرار ببطلان أيمانه وأنه مفتر عليها وقاذف لها فبطل اللعان من اصله ولا يبقى شيء من أحكامه لا تحريم ولا غيره ولا فرق بين ان يرجع قبل موت الولد أو بعده وتجويز ان يكون رجوعه طمعا في الميراث لا يدفع ما هو الظاهر فيرثه ويلحقه ولده.
وأما كونه لا يصح نفي الولد بعد الاقرار فظاهر لان الاقرار يكذب النفي.
وأما مجرد السكوت مع علمه بأن له النفي فلا وجه لجعله مبطلا لان له حقا في النفي لا يبطل الا بابطاله باقرار صحيح أو ما يقوم مقامه.
وأما قوله: "فلا يصح النفي بدون حكم ولعان" فلكون الطريق الشرعية إلي ذلك هو اللعان فمن جاء من طريق غيرها فقد جاء بخلاف الشرع.
وأما قوله: "ولا لمن مات أو أحد ابويه قبل الحكم" فلا وجه له بل إذا أمكن اللعان فالسبب الذي يكون به النفي موجود سواء كان الولد حيا أو ميتا وأما إذا كان الميت أحد الزوجين قبل أن يقع اللعان فقد بطل السبب وهو اللعان بموته.
[ ٤٥٢ ]
وأما إذا مات بعد اللعان قبل الحكم فقد حصل السبب وهو اللعان لأنه فرقة بمجرده كما تقدم ولو كان الحكم شرطا لما كانم موت احدهما مانعا له لأنه يمكن الحاكم ان يحكم بعد موت احدهما بما يقتضيه اللعان من نفي الولد.
وأما قوله: "ولا لبطن ثان لحقه بعد اللعان" فلا وجه له لانها قد حرمت عليه ابدا فلا يمكن بعد ذلك ثبوت الفراش وقد صرح فيما تقدم بأنه يرتفع الفراش وعرفناك ان التحريم المؤبد وارتفاع الفراش يحصلان بمجرد اللعان سواء وقع الحكم من الحاكم ام لا.
وأما قوله: "ويصح للحمل إن وضع لدون أدنى مدته" فلا وجه لهذا التقييد بل يصح للحمل مهما كان ممكنا ان يكون للفراش الذي كان بينهما.
وأما قوله: "لا اللعان" فوجهه أنه قد يكون غير حمل لعلة من العلل ولا وجه لهذا لأن مرجع اللعان هو ان يشاهدها تزني فإن وقع له ذلك لاعنها ونفى ولدها إن وجد ولا يضره إن لم يوجد.
والحاصل ان هذه مسائل مظلمة لم يدل عليها دليل ولا كانت مبنية على رأي معقول.
قوله: "وندب تأكيده بالخامسة".
أقول: الخامسة منصوص عليها في الكتاب العزيز وأمر بها ﷺ في اللعان الواقع لديه فلها حكم الاربع الشهادات ولا يبعد ان تكون آكد منها ويدل على ذلك قوله ﷺ: "إنها الموجبة"، فإن هذا يشعر بأن تمام اللعان وصحته وإبجابه لما يوجبه يتوقف عليها فكان الأولى الحكم عليها بما يدل على انها آكد من الاربع الشهادات وأدخل منها في اقتضاء حكم اللعان.
وأما قوله والقيام حاله فيرشد اليه ما وقع في وصف اللعان الواقع بين يديه ﷺ أنه قام الرجل فقال: وقامت المرأة فقالت.
وأما قوله: "ويجنبه المسجد" فلا وجه له بل هو خلاف ما روى من وقوع اللعان بين يدي رسول الله ﷺ في المسجد عند المنبر
[ ٤٥٣ ]