[باب والمتمتع
من يريد الانتفاع بين الحج والعمرة بما لا يحل للمحرم الانتفاع به وشروطه ان ينويه وان لا يكون ميقاته داره وان يحرم له من الميقات أو قبله وفي اشهر الحج وان يجمع حجة وعمرة سفر وعام واحد] .
[ ٣٣٥ ]
قوله: "باب والمتمتع هو من يريد الانتفاع بين الحج والعمرة بما لا يحل للمحرم الانتفاع به".
أقول: قد ثبت ان أنواع الحج ثلاثة تمتع وقران وأفراد فهذا الرسم لبيان ماهية حج التمتع وتمييزه من النوعين الاخرين فلا يرد عليه من هذه الحيثية اعتراض والمراد انه توصل بالعمرة إلي ان يحل له مالا يحل لمن يحج كحجه.
قوله: "وشرطه أن ينوى".
أقول: التمتع بالعمرة إلي الحج عمل وانما الاعمال بالنيات ولا عمل الا بنية كما صح ذلك من رسول الله ﷺ وقد أصاب المصنف بجمل النية شرطا ها هنا فهو الحق في جميع الاعمال وقد قدمنا تقرير ذلك وأما قوله وان لا يكون ميقاته داره فقد استدل عليه بقوله تعالي: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهلهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، على ان الاشارة إلي التمتع وهو الظاهر لا إلي الهدى ويؤيد هذا المجي بصيغة الاشارة إلي البعيد ويؤيده أيضا قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنه خطاب للمحصرين لا لأهل مكة فإنهم لا يحصرون عن البيت.
وأما قوله: "وأن يحرم له من الميقات أو قبله" فمعناه انه يشترط لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ان يحرم من الميقات وقد تقدم في باب العمرة ما يوضح المراد ويبين الصواب.
وأما قوله: "وفي اشهر الحج" فليس عليه دليل تقوم به الحجة.
وأما قوله: "وأن يجمع حجه وعمرته سفر وعام واحد" فلكونه لا يظهر معنى التمتع الا بجمع الحج والعمرة في عام واحد ثم الواقع ممن حج تمتعا من الصحابة في عام حجة ﷺ كان هكذا ولكن قد عرفناك ان الدليل الذي يصلح للاستدلال به على الشرطية لا بد ان يكون مقتضيا لتاثير عدم الشرط في عدم المشروط كما سبق غير مرة.
[فصل
ويفعل ما مر الا انه يقدم العمرة فيقطع التلبية ندبا عند رؤية البيت ويتحلل عقيب السعي ثم يحرم للحج من أي مكة وليس شرطا ثم يستكمل المناسك مؤخرا لطواف القدوم ويلزمه الهدى بدنة عن عشرة وبقر ةعن سبعة مقترضين وان اختلف وشاة عن واحد فيضمنه إلي محله ولا ينتفع قبل النحر به غالبا ولا بفوائده ويتصدق بما خشى فساده إن لم يتبع وما فات ابد له فإن فرط فالمثل والا فالواجب فإن عاد خير ويتصدق بفضله الأفضل
[ ٣٣٦ ]
ان نحر الادون فإن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج أخرها يوم عرفة فإن فاتت فأيام التشريق ولن خشي تعذرها والهدى تقديمها منذ احرم بالعمرة ثم سبعة بعد التشريق في غير مكة ويتعين الهدى بفوات الثلاث وبإمكانه فيها لا بعدها الا في أيام النحر] .
قوله: "فصل ويفعل ما مر الا انه يقدم العمرة"
أقول: هو لا يكون متمتعا الا بتقديم العمرة كما سلف وأما الخلاف في قطع التلبية متى يكون فقد قدمنا ما ورد في قطعها وفي أي وقت يقطع.
وأما قوله: "ويتحلل عقيب السعي" فهذا شأن المتمتع ولم يتمتع الا لهذا.
وأما كونه يحرم للحج من أي مكة فصحيح وإذا أراد ان يحرم من غيرها فله ذلك.
وأما قوله: "ثم يستكمل المناسك مؤخرا لطواف القدوم" فليس على من قدم مكة متمتعا الا طواف عمرته ولا يجب عليه طواف آخر للقدوم.
قوله: "ويلزمه الهدى".
أقول: لما في القرآن الكريم من قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد وقع الاجماع على وجوب الهدى على المتمتع.
وأما كون البدنة عن عشرة والبقرة عنس سبعة فترده الاحاديث الصحيحية كما في حديث جابر في الصحيحين وغيرهما قال امرنا رسول الله ﷺ ان نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة وفي لفظ لمسلم انه قيل لجابر ايتشرك في البقر ما يشترك في الجزور فقال ماهي الا من البدن فدل على استواء البقرة والبدنة وان كل واحد منهما عن سبعة واليه ذهب الجمهور ولا يعارض هذا ما روى عن ابن عباس قال كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضر الاضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه وحسنه الترمذي فإن هذا في الأضحية وهي باب آخر غير باب الهدى.
وهكذا لا يعارض هذا ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج انه ﷺ قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير فإن هذا في القسمة وهي باب آخر.
وأما قوله فيضمنه إلي محله فلا دليل عليه بل إذا خاف هلاكه فعل ما أمر به ﷺ من سأله عن الهدى إذا خاف صاحبه عطبه فإنه قال له: "انحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم خل بينها وبين الناس يأكلونها" أخرجه أحمد "٤/٣٣٤"، وابو دأود "١٧٦٢"، وابن ماجه "٣١٠٦"، والترمذي "٩١٠"]، وصححه وهو في صحيح مسلم بلفظ: "انحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها انت ولا أحد من أهل رفقتك" ولم يأمره ﷺ بتعويضها.
وأما قوله: "ولا ينتفع قبل النحر به" فمخالف بما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين
[ ٣٣٧ ]
[البخاري "٣/٥٣٦"، مسلم "١٣٢٣"]، من حديث أنس انه أمر صاحب البدنة ان يركبها وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر انه سئل عن ركوب الهدى فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا الجئت إليها حتى تجد ظهرا".
وأخرج أحمد "١٣/٤٢، ٤٣"]، عن علي انه سئل يركب الرجل هديه فقال لا بأس به قدكان رسول الله ﷺ يمر بالرجال يمشون فيأمرهم بركوب هديه وفي إسناده محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ضعفه جماعة وثقه ابن حبان.
وكما انه لا دليل على المنع من الانتفاع بالهدى فلا دليل أيضا على المنع من الانتفاع بفوائده.
وأما قوله: "ويتصدق بما خشى فساده" فهذا صواب لكن قوله ان لم يبتع لا وجه له وهكذا لا وجه لقول وما فات ابدله لعدم الدليل على ذلك ولما قدمنا من انه ﷺ لم يأمر بذلك من عطب هديه وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وأما قوله: "فإن فرط فالمثل" فإذا كان التفريط بغير وجه مسوغ فهو لم يفعل ما امره الله به بقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، من الهدى فعليه ان يفعل ما يصدق عليه مسمى الهدى وان كان دون الذي فرط فيه فلا وجه لقوله فالمثل بل لا يجب عليه الا الواجب الاصلي.
وأما قوله: "فإن عاد خير" فصواب لأنه لم يجب عليه الا الهدى وهو يحصل بالوفاء بأحدهما ولا وجه لقوله ويتصدق بفضلة الافضل إن نحر الادون لما عرفناك.
قوله: "فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام".
أقول: لنص الكتاب العزيز على ذلك وظاهر قوله تعالي: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] . انها تصام في أيام الحج أو مع أعمال الحج.
وأما قوله فإن فاتت فأيام التشريق فمبني على ان القرآن قد خصص ما ورد في النهي عن صومها وفيه نظر لأن أحد الامرين ليس بأولى بالتخصيص من الاخر فكما قيل إن القرآن هنا قد خصص السنة يمكن ان يقال هنا إن السنة هنا قد خصصت القرآن ولا ينتهض لنسخ النهي عن صومها ما ورد عن بعض الصحابة نعم إن صح ما رواه الطحاوي والدارقطني والحاكم عن عبد الله بن حذافة مرفوعا: "إن هذه أيام أكل وشرب وذكر لله فلا صوم فيهن الا صوما في هدى"، كان هو التخصيص لما ورد في النهي عن صومها.
وأما قوله: "ويجوز لمن خشي تعذرها والهدى تقديمها منذ احرم بالعمرة" فهذا محتاج إلي دليل يدل عليه.
وأما قوله: "ثم سبعة بعد التشريق في غير مكة" فكان الأولى ان يقول وسبعة إذا رجع إلي أهله فإنه اتم وأكمل.
وأما قوله: "ويتعين الهدى بفوات الثلاث" فلا دليل على هذا التعيين بل الظاهر أنه إذا حصل التعذر لم يلزمه شيء لا الصوم ولا غيره فإن قيل قد وجب القضاء بقوله ﷺ:
[ ٣٣٨ ]
"فدين الله أحق أن يقضى"، فيجاب عنه بان يقضى صوم الثلاث لأنها هي التي صارت واجبة عليه عند تعذر الهدى ولا وجه لقوله وبإمكانه فيها لأنه قد صار معه معذورا عن الهدى ووجب عليه الصيام بالدخول فيه ولا فرق بين أيام النحر وغيرها.
[ ٣٣٩ ]