[فصل
يشترط في لزومه التكليف والاختيار حال اللفظ واستمرار الإسلام إلى الحنث ولفظه صريحا كأوجبت أو تصدقت أو على أو مالي كذا أو نحوها أو كناية كالعدة والكتابة والشرط غير مقترن بصريح نافذ وفي المال المال كون مصرفه قربة أو مباحا يتملك.
وإنما ينفذ من الثلث مطلقا ومقيدا يمينا أو لا مملوكا في الحال أو سببه أو في المال إن قيده بشرط فأضاف إلى ملكه وحنث بعده كما أرثه من فلان ومتى تعلق بالعين المملوكة اعتبر بقاؤها واستمرار الملك إلى الحنث ولا تدخل فروعها المتصلة والمنفصلة الحادثة قبل الحنث غالبا وتضمن بعده ضمان أمانة قبضت لا باختيار المالك.
ولا تجزيء القيمة عن العين ويصح تعليق تعيينها في الذمة وإذا عين مصرفا تعين ولا يعتبر القبول باللفظ وتبطل بالرد والفقراء لغير ولده ومنفقه والمسجد للمشهور ثم
[ ٦٩٥ ]
معتاد صلاته ثم حيث شاء وفي الفعل كونه مقدورا معلوم الجنس جنسه واجب وإلا فالكفارة إلا في المندوب والمباح فلا شيء.
ومتى تعذر أوصى على نحو الحج والصوم كالفرض وعن غيرهما كغسل الميت لكفارة يمين كمن التزم ترك محظور أو واجب ثم فعله أو العكس أو نذرا ولم يسم.
وإذا عين للصلاة والصوم والحج زمانا أثم للتأخير لم يجزه التقديم إلا في الصدقة ونحوها فيجزيه وفي المكان تفصيل وخلاف ومن نذر بإعتاق عبده فأعتق بر ولو بعوض أو عن كفارته] .
قوله: "باب: النذر فصل ويشترط في لزومه التكليف والاختيار" الخ.
أقول: أما اشتراط التكليف فلكون الصغير والمجنون لا يلزمهما ما أوجبه الله على عباده فضلا عن أن يلزمهما ما أوجباه على أنفسهما وأما اشتراط الاختيار فلكون المكره قد رفع عنه قلم التكليف بالأدلة الشرعية كما قدمنا ذلك في غير موضع.
وها هنا بحث ينبغي التكلم عليه وهو أن النذر قد أجمع المسلمون على صحته ووجوب الوفاء به كما حكى هذا الإجماع النووي في شرح مسلم وحكاه غيره أيضا ومدح الله في كتابه العزيز من يفي بالنذر فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وثبت عنه ﷺ في الصحيح من حديث عائشة أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه"، وورد ما يدل على كراهته إذا لم يدل على تحريمه كحديث ابن عمر في الصحيحين [البخاري "٦٦٠٨"، مسلم "٢/١٦٣٩"]، وغيرهما [أبو داود "٣٢٨٨"، النسائي "٣٨٠١"، ابن ماجة "٢١٢٢"]، قال نهى رسول الله ﷺ عن النذر وقال: "إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل" وفي الصحيحين وغيرهما أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته ولكن يلقيه النذر إلى القدر فيستخرج الله فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل"، أي يعطيني قال أبو عبيدة القاسم بن سلام النهي عن النذر والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثما ولو كان كذلك ما أمر الله أن يوفى به ولا حمد فاعله ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر وتغليظ أمره لئلا يستهان بشأنه فيفرط في الوفاء به ويترك القيام به وذكر المازري أن وجه النهي أن الناذر يأتي بالقربة مستثقلا لها لما صارت عليه عليه ضربة لازب وكل ملزوم فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار.
وذكر القاضي عياض أنه وقع الإخبار بذلك على سبيل الإعلام بأنه لا يغالب القدر ولا يأتي الخير بسببه والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظن بعض الجهلة وذكر ابن الأثير نحو هذا في النهاية.
وهذا التأويل الثالث هو أظهر ما قيل فالنذر في طاعة الله مشروع والوفاء به واجب يثاب
[ ٦٩٦ ]
عليه العبد ثواب الواجب والنذر في معصية حرام يأثم الفاعل له ويحرم عليه الوفاء وتجب عليه الكفارة كما في حديث عائشة عند أحمد "٦/٢٤٧"، وأهل السنن أبو داود "٣٢٩٠"، الترمذي "١٥٢٤"، النسائي "٧/٢٦"، ابن ماجة "٢١٢٥"، قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، وفي إسناده مقال طويل ويعضده ما أخرجه أبو داود بإسناد حسن من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين"، ويعضده أيضا حديث عقبة بن عامر عند مسلم "١٣/١٦٤٥"، قال: قال رسول الله ﷺ: "كفارة النذر كفارة اليمين".
قوله: "واستمرار الإسلام إلى الحنث".
أقول: وجهه أنه قربة ولا قربة لكافر فلا يصح منه في حال كفره أن يفي بنذر نذره يتضمن القربة وأما إذا نذر بقربة في حال كفره ثم أسلم فقد قام الدليل الصحيح أنه يفي بنذره لما أخرجه ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب بإسناد رجاله رجال الصحيح قال نذرت نذرا في الجاهلية فسألت النبي ﷺ بعدما أسلمت فأمرني أن أفي بنذري.
وثبت في الصحيحين [البخاري "٢٠٣٢، ٢٠٤٣، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧، ٣١٤٤"، مسلم "١٦٥٦"]، وغيرهما [أبو داود "٣٣٢٥"، الترمذي "١٥٣٩"، النسائي "٣٨٢٠، ٣٨٢١، ٣٨٢٢"، ابن ماجة "٢١٢٩"، أحمد "١/٣٧، ٤١٩"]، عنه أنه قال قلت يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال: "أوف بنذرك" وزاد البخاري في رواية: "فاعتكف ليلة".
وأخرج أحمد وابن ماجة عن ميمونة بنت كردم قال كنت ردف أبي فسمعته يسأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة قال رسول الله ﷺ: "أبها وثن أو طاغية؟ "، قال: لا، قال: "أوف بنذرك"، ورجال إسناده في سنن ابن ماجة رجال الصحيح.
وأخرجه أحمد "٣/٤١٩"، أيضا من حديث كردم بن سفيان أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن نذر نذره في الجاهلية فقال: "ألوثن أو لنصب؟ "، قال: لا ولكن لله، قال: "أوف لله ما جعلت له انحر على بوانة وأوف بنذرك".
وأخرج أبو داود "٣٣١٣"،من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت يا رسول الله إني نذرت أن أنحر بمكان كذا وكذا مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية؟ قال: "لصنم أو لوثن؟ " قالت: لا، قال: "أوفي بنذرك" وهو شاهد للحديث الأول وإن لم يذكر فيه أنها نذرت في الجاهلية لأن الظاهر أنها لا تنذر هذا النذر إلا في الجاهلية لا في الإسلام.
قوله: "صريحا كأوجبت" الخ.
أقول: قد عرفناك غير مرة أنه لا تعويل على خصوص الألفاظ بل المعتبر ما يدل على المقصود بأي دلالة كانت والمشروط فيه يقع عند حصول شرطه ويلزم الوفاء به إن كان قربة
[ ٦٩٧ ]
وإلا وجبت الكفارة لما تقدم من الأدلة والوفاء بالوعد وبالنذر واجب للأدلة الدالة على أن خلف الوعد من خصال النفاق.
قوله: "وفي المال كون مصرفه قربة".
أقول: وجه هذا الأدلة التي قدمناها في وجوب الوفاء بالنذر في طاعة الله ومن ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأبي داود والطبراني والبيهقي أن النبي ﷺ قال: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله"، قال في مجمع الزوائد في إسناده عبد الله بن نافع المدني وهو ضعيف انتهى ولكن هذا المدني لم يكن في إسناد أبي داود لأنه أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المقال المشهور ولكنه لا يخرج حديثه بذلك عن كونه حسنا.
وهذا الحديث وحديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" المتقدم يدلان على أنه لا يصح أن يكون مصرف النذر مباحا ومنطوقهما أرجح ومفهوم حديث: "لا نذر في معصية الله" وسيأتي مزيد كلام في المباح.
وما قيل من أن كون الفعل قربة وصف عائد إلا الناذر لا إلى المصرف فهو مدفوع بأنها لا تتحقق القربة في فعل الناذر إلا مع ملاحظة كون الصرف في ذلك المصرف قربة فمن هذه الحيثية صح نسبة القربة إلى المصرف.
قوله: "وإنما ينفذ من الثلث" إلخ،
أقول: لما يدل على هذا دليل يخصه وفي القياس على الوصايا لقوله ﷺ فيها: "الثلث والثلث كثير"، نظرا لأن الوصايا مضافة إلى ما بعد الموت وهذا منجز في حال الحياة فإن كان مضافا إلى ما بعد الموت كان له حكم الوصية.
وقد استدل على هذا بما روي من رده ﷺ لصدقة من تصدق بجميع ماله كصاحب الثوبين وصاحب البيضة الذهب وفيه نظر لأنه ﵌ علل ذلك بأن الفاعل لذلك يتكفف الناس من بعد ذلك.
وهكذا لا يصح قياس هذا على من أعتق الستة الأعبد مع كونه لا يملك غيرهم فأنفذ النبي ﷺ اعتق اثنين وأرق أربعة لأن ذلك الذي أعتق هؤلاء كان عليه دين فباع النبي ﵌ الأربعة في دينه.
والظاهر أن النذر في حال الصحة نافذ من جميع المال كسائر التصرفات المالية وأما من ادعى تخصيص النذر بهذا الحكم فعليه الدليل.
ويمكن الاستدلال لذلك بحديث كعب بن مالك الثابت في الصحيحين [البخاري "٤٤١٨"، مسلم "٢٧٦٩"، أنه قال يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة فقال: "أمسك عليك بعض مالك"، وفي لفظ لأبي داود "٣٣٢١"، قلت: فنصفه؟ قال: "لا"، قلت: فثلثه؟
[ ٦٩٨ ]
قال: "نعم"، وفي لفظ لأبي داود "٣٣١٩"،أنه قال له: "يجزيء عنك الثلث" وهكذا ما روي من حديث أبي لبابة عند أحمد "٣/٤٥٢، ٤٥٣"، وأبي داود "٣٣٢٠".
وأما ما ذكره من اشتراط كونه مملوكا أو سببه فصحيح لا يحتاج إلى ذكر وجهه وهكذا إذا نذر بما يرثه من مورثه فإنه صحيح لأنه قيد النذر بوصول ذلك إلى ملكه ولم ينذر بما لم يملك حتى يكون النذر بما لا يملك العبد الذي ورد النهي عنه.
وهكذا اشتراط بقاء العين المنذور بها إلى حضور الوقت أو حصول الشرط الذي قيد النذر به فإنه لا بد من ذلك ومع التلف لا يلزمه شيء.
وأما ما ذكره من أنها لا تدخل فروعها المتصلة الحادثة قبل الحنث فالظاهر في مثل هذا أنه يرجع إلى قصد الناذر فإن قصد النذر بالعين مجردة عن فروعها الحادثة لم تدخل الفروع وإن قصد أنها من جملة النذر دخلت وإن كان لا قصد له فالظاهر أن فروع العين المنذور بها لاحقة بها،
قوله: "وتضمن العين بعده ضمان أمانة قبضت لا بإختيار المالك".
أقول: لا ضمان عليه في هذا إلا لجنابة أو تفريط ولا يضمن بغير ذلك ولا وجه لذلك لا من رواية ولا من رأي صحيح فإن المنذور به هو قبل النذر ملك الناذر فمع الجناية أو التفريط قد تسبب للضمان ووجب عليه العوض ومع التلف بغير هذين السببين لا سبب لتضمينه أصلا.
وأما ما ذكره من كونها لا تجزيء القيمة فذلك ظاهر لأن النذر تعلق بالعين فلا وفاء إلا بإخراجها فالعدول إلى قيمتها لا يجزيء عنها إلا بدليل.
وما ذكره من كون الناذر إذا عين مصرفا تعين فوجهه ظاهر لأن له أن يصرف ما يقرب به إلى من شاء وكيف شاء مع وجود مطلق القربة وإن كان غيرها أعلى منها.
وأما كونه لا يعتبر القبول بل يكفي عدم الرد فعدم الرد قبول تام وقد عرفناك غير مرة أن اعتبار الألفاظ إما مجرد جمود أو قصور عن إدراك حقائق الأمور.
قوله: "والفقراء لغير ولده ومنفقه".
أقول: المعتمد في مثل هذا العرف الشائع بين القوم الذين منهم الناذر فإن ثبت هذا العرف فهو المقدم على لغة العرب وغيرها لأن الناذر لا يقصد بكلامه إلا عرف أهل جهته فإن عرف من قصده أنه أراد المعنى اللغوي والشرعي وجب العمل بذلك وإن لم يقصد ولا وجد كان الظاهر دخول ولده ومنفقه في عموم الفقراء لأنهما من جملتهم ولا مانع من ذلك لا من شرع ولا عقل وأما دخول الناذر نفسه فعلى الخلاف في دخول المخاطب في خطاب نفسه.
وهكذا الكلام في النذر على المسجد من غير تعيين فإن المعتبر ما يطلق عليه هذا الإسم في عرف الناذر وأهل بلده فإن لم يكن عرف رجع إلى مقصده فإن لم يكن له قصد فالظاهر أن مراده المسجد الذي يصلي فيه وإن كانت مساجد البلد كثيرة فصلاته في أحدها فيها وجه
[ ٦٩٩ ]
وتخصيص وإن كان يصلي في جميع مساجد بلده أو يصلي في بيته كان الأولى بذلك أقرب مسجد إلى بيته فإذا استوت في القرب كان الأولى ما يكثر فيه المصلون وتقام فيه الجماعات لكثرة من الناس وإلا حصص المنذر به بينها لعدم المزية الموجبة للترجيح لبعضها على بعض.
قوله: "وفي الفعل كونه مقدورا".
أقول: وجه هذا الاشتراط معلوم عقلا وشرعا أما عقلا فلكون نذره بما لا يقدر عليه إذا كلف بالوفاء به كان ذلك من تكليف ما لا يطاق وأما شرعا فلكون ما لا يقدر عليه لا يملكه وقد ثبت في الصحيح: "أنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" كما تقدم
وأما اشتراط أن يكون النذر معلوم الجنس فوجهه أن إيجاب ما لا يعلم جنسه لغو فهو من باب من نذر نذرا لم يسمه.
قوله: "جنسه واجب".
أقول: هذا الاشتراط لم يدل عليه رواية ولا رأى صحيح والذي تقدم من الأدلة له مصرح بوجوب الوفاء بما هو طاعة وبما ابتغي به وجه الله والطاعة وابتغاء وجه الله لا تختصان بالواجب بل بما فيه قربة وهي كائنة في فعل الواجب وترك الحرام وفعل المندوب وترك المكروه ولا توجد في المباح إلا عند النافين للمباح وقد قوينا هذا القول برسالة بوجوه من المنقول والمعقول وسميناها رفع الجناح عن نافي المباح.
قوله: "وإلا فالكفارة".
أقول: أما وجوب الكفارة حيث كان المنذور به غير مقدور للناذر فيدل عليه ما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن ينذر نذرا ولم يطقه فكفارته كفارة يمين"، قال ابن حجر في بلوغ المرام إسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه.
ومما يدل على عدم لزوم ما فيه مشقة من النذر ما أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم فقال النبي صلى الله عليه آله وسلم: "مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه"، فأمره بالوفاء بما هو طاعة وهو الصوم وأمر بترك ما فيه مشقة ولا قربة فيه.
ومما ورد في عدم لزوم ما فيه مشقة وأنه يكفر كفارة يمين ما أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله رجال الصحيح من حديث ابن عباس قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها"، وفي رواية لأحمد من حديث عقبة بن عامر أنها نذرت أخته أن تمشي إلى الكعبة فقال رسول الله ﷺ: "إن الله لغني عن مشيها لتركب ولتهد بدنه"، وأصل الحديث في الصحيحين [البخاري "٤/٧٨"ن مسلم "١١/١٦٤٤"، بلفظ: "لتمش ولتركب".
[ ٧٠٠ ]
وأما وجوب الكفارة في غير معلوم الجنس وهو الذي لم يسم فيدل عليه ما أخرجه ابن ماجه "٢١٢٧"، والترمذي "١٢٥٨"، وصححه من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" ويدل على ذلك أيضا حديث ابن عباس المتقدم قريبا بلفظ: "من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين".
وأما وجوب الكفارة في النذر الذي جنسه غير واجب فقد قدمنا أن الطاعة وابتغاء وجه الله لا يختصان بالواجب بل بما فيه قربة فلا يخرج عن ذلك إلا ما ليس بقربة ولا يبتغى به وجه الله وقد قدمنا حديث ابن عباس بلفظ: "من نذر نذرا ولم يطقه فكفارته كفارة يمين"، وقد قدمنا أيضا حديث عائشة بلفظ: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، ويشهد لذلك ما أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ: "كفارة النذر كفارة اليمين"، وإنما احتاج المصنف أن يستثني المندوب والمباح لأجل قوله جنسه واجب وقد عرفناك أنه لا وجه للتقييد بالوجوب فلا احتياج إلى هذا الاستثناء بل الواجب الوفاء بما هو قربة وأما المباح فقد قدمنا الكلام عليه.
قوله: "ومتى تعذر أوصى على نحو الحج" الخ.
أقول: قد استدل على هذا بما أخرجه أبو داود "٣٣٠٧"، والنسائي "٣٨١٨"،من حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه فقال رسول الله ﷺ: "اقضه عنها"، ولا دلالة له على المطلوب وهو وجوب الوصية فإنه لا وصية من أم سعد وغايته أن يقضي الولد ما علمه من نذر على والده وإن لم يوص ووهم من زعم أن هذا الحديث في الصحيحين وهما فاحشا فإنه ليس فيهما ولا في أحدهما والذي فيهما بلفظ آخر وليس في هذا اللفظ إلا في أبي داود والنسائي.
وأما وجوب الكفارة عن غيره نحو الحج والصوم كغسل الميت إذا تعذر بعد النذر فوجهه أنه إذا تعذر بلا تفريط صار غير مقدور للناذر وقد قدمنا الدليل على وجوب الكفارة بلفظ: "ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين".
وأما وجوب الكفارة على من التزم ترك محظور أو واجب ثم فعله أو العكس فوجه ذلك فيما هو معصية ما قدمنا من حديث: "من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين"، وأما ما كان واجب الفعل أو الترك فالوفاء به واجب فإن ترك أثم ويدل على وجوب الكفارة عليه حديث عقبة بن عامر عند مسلم بلفظ: "كفارة النذر كفارة اليمين"، فإن هذا الجنس من النذر مندرج تحت هذا العموم ولا يصح لتخصيصه أو تقييده ما ورد في غيره بذكر المعصية أو عدم التسمية.
قوله: "وإذا عين للصلاة والصوم والحج زمانا تعين".
أقول: هذا صحيح لأن فعله في الزمان المخصوص قد صار قيدا له لا يحصل الوفاء إلا به فلا يجزيء التقديم وأما التأخير فالظاهر أيضا أنه لا يجزيء وتلزم الكفارة لأنه قد صار غير
[ ٧٠١ ]
مقدور للناذر لفوات وقته المقيد به وهكذا الصدقة الظاهر أنها لا تجزيء في غير الوقت المعين لها وتلزم الكفارة فلا وجه لاستثناء المصنف لها وهكذا المكان يتعين فلا يجزيء من غيره وتحمل الأحاديث الواردة في جواز فعل المندوب به في غير المكان المعين كحديث أمره ﷺ لمن نذر أن يصلى في بيت المقدس أن يصلى في المسجد الحرام أو في مسجده على ما فيه من مشقة زائدة على الناذر وقد قدمنا أمره ﷺ لمن نذر الذبح ببوانة بالوفاء بذلك.
وأما ما ذكره من أن من نذر بإعتاق عبده بر بإعتاقه ولو لعوض أو عن كفارة فوجهه أنه قد وقع مطلق العتق فصدق على هذا الناذر بأنه قد أعتق كما نذر إلا أن يكون له قصد أنه العتق المقيد بكونه للنذر فقط.
[ ٧٠٢ ]