"هي ثنائية وثلاثية ورباعية"
فصل وفروضها نية يتعين بها الفرض مع التكبيرة أو قبلها بيسير ولا يلزم للأداء والقضاء إلا للبس ويضاف ذو السبب إليه.
قال المؤيد بالله تكفي صلاة إمامي حيث التبس أظهر أمر جمعة فقط والمحتاط آخر ما علي من كذا والقاضي ثلاثا عما علي مطلقا وركعتان ممن لا قصر عليه لا الأربع غالبا ثم التكبير قائما لا غيره وهو منها في الأصح ويثنى للخروج والدخول في أخرى ثم القيام قدر الفاتحة وثلاث آيات في أي ركعة أو مفرقا ثم قراءة ذلك كذلك سرا في العصرين وجهرا في غيرهما.
ويتحمله الإمام عن السامع وعلى المرأة أقله من الرجل وهو إن يسمع من بجنبه ثم ركوع بعد اعتدال ثم اعتدال تام وإلا بطلت إلا لضرر أو خلل طهارة ثم السجود على الجبهة مستقرة بلا حائل حي أو يحمله إلا الناصية وعصابة الحرة مطلقا والمحمول لحر أو برد وعلى الركبتين وباطن الكفين والقدمين وإلا بطلت ثم اعتدال بين كال سجودين ناصبا للقدم اليمنى فارشا لليسرى وإلا بطلت.
ويعزل ولا يعكس للعذر ثم الشهادتان والصلاة على النبي وآله قاعدا والنصب والفرش هيئة ثم التسليم على اليمين واليسار بانحراف مرتبا معرفا قاصدا للملكين ومن في
[ ١٢٨ ]
ناحيتها من المسلمين في الجماعة وكل ذكر تعذر بالعربية فبغيرها إلا القرآن فيسبح لتعذره كيف أمكن.
وعلى الأمي ما أمكنه آخر الوقت إن نقص ويصح الاستملاء لا التلقين والتعكيس وتسقط عن الأخرس لا الألثغ ونحوه وإن غير.
ولا يلزم المرء اجتهاد غيره لتعذر اجتهاده] .
قوله: "وفروضها نية يتعين بها الفرض مع التكبيرة" الخ
أقول: حديث: "إنما الأعمال بالنيات" وفي لفظ: "لا عمل إلا بنية " قد دل على أن النية شرط من شروط الصلاة لوجود دليل الشرطية القاضي بعدم المشروط عند عدم الشرط فإنه إن قدر أن الذات الشرعية لا تكون إلا بالنية كما هو المعنى الحقيقي انتفت تلك الذات الشرعية بانتفاء النية وهذا هو معنى الشرط.
وهكذا إن قدرت الصحة التي هي أقرب المجازين إلي الحقيقة أفاد انتفاء الصحة بانتفاء النية ولا يصار إلي تقدير الكمال إلا بدليل لأنه مجاز بعيد.
إذا عرفت هذا علمت أن النية شرط من شروط الصحة وأنه لا صلاة لمن لم ينو وليست بفرض كما قال المصنف فإن الفرض لا يؤثر عدمه في عدم ما هو فرض فيه إلا إذا كان ركنا فإن الركن يؤثر عدمه في عدم ما هو ركن فيه لعدم وجود الذات المطلوبة على الصفة المقصودة إلا أن يدل دليل على أن عدم ذلك الركن لا يقدح في تلك الذات المطلوبة ولا يوجب انعدامه انعدامها.
وقد تكلم الجلال ها هنا بما هو نوع من الهذيان لأنه لم يجر على مقتضى الرواية ولا على أسلوب الرأي وهكذا لا وجه لقول المصنف ولا يجب للأداء والقضاء إلا للبس فإن وجوب النية ليس لمجرد رفع اللبس بل لورود التعبد بها في كل عبادة سواء كانت مما يلتبس بغيره أم لا ولا فرق بين الصلوات الخمس وبين غيرها كالجمعة والعيد والجنازة لأن جميع ذلك عمل ولا عمل إلا بنية.
والمراد بالنية قصد تأدية تلك العبادة التي شرعها الله سبحانه لعباده على الوجه المطلوب منهم فلا يصح أن تكون مترددة ولا مجملة ولا مشروطة.
وبهذا تعرف الكلام على ما حكاه المصنف عن المؤيد بالله.
قوله: "ثم التكبير".
أقول: اعلم أن الله سبحانه أمرنا بالصلاة في كتابه العزيز أمرا مجملا فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠، النساء: ٧٧، ١٠٣، الأنعام: ٧٢، العراف: ٢٩، يونس: ٨٧، الحج: ٧٨]، وهذا أمر فما وقع في بيانه منه ﷺ فهو بيان لمجمل واجب فيكون واجبا.
فهذا الدليل بمجرده قد دل على وجوب جميع ما وقع منه ﷺ في الصلاة سواء كان
[ ١٢٩ ]
ركنا أو ذكرا أو شرطا ثم زاد هذا الدليل تأكيدا قوله ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" [البخاري "٦٠٠٨"، مسلم "٢٤/٣٩٢"، أبو دأود "٥٨٩"، الترمذي "٢٠٥"، النسائي "٢/٧٧"، ابن ماجة "٩٧٩"]، فكان هذا دليلا على وجوب جميع ما فعله في صلاته أو قاله فيها فلا يخرج عن الوجوب شيء منها إلا بدليل يدل على عدم وجوبه وذلك كحديث "المسيء صلاته" [البخاري "٦٢٥١"، مسلم "٣٩٧"]، فإنه اقتصر في تعليمه على البعض مما كان ﷺ يفعله في الصلاة وكان ذلك دليلا على أن ما لم يذكر فيه ليس بواجب ومن جملة ما هو مذكور فيه تكبير الافتتاح فتقرر بهذا أنه من واجبات الصلاة وزاد ذلك تأكيد قوله ﷺ: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" [أحمد "١/١٢٩"، أبو دأود "٦١٨"، الترمذي "٣"، ابن ماجة "٢٧٥"]، فإنه قد بين في هذا الحديث أن للصلاة تحريما وتحليلا فكان ذلك دليلا علي وجوبهما لوجوب ما هما تحريم له وتحليل.
وأما المعارضة بأنه قد وقع في حديث المسيء اشياء غير واجبة فليس مجرد هذه المعارضة قادحة في وجوب ما دلت الأدلة على وجوبه لأن ذلك هو مجرد إلزام لمثل مصنف هذا الكتاب ومن قال بقوله.
وقد استكثر الجلال من التمسك بمجرد هذه المعارضة في شرحه لهذا الكتاب وأسقط بها فرائض جاءت الأوامر بها وثبتت في حديث المسيء وليس هذا من داب أهل الإنصاف بل مجرد مجأدلة ومخاصمة في الحق ولا يوجب وقوع المعارضة أو المناقضة لطائفة ذهاب الحق الذي شرعه الله لعباده وهم إذا التزموا ذلك واعترفوا فالحق من وراء إلزامه لهم واعترافهم له.
ونحن نقول له ما عارضتهم به أو ناقضتهم باعتبار ما قالوه وما صرحوا به هو عندنا ملتزم ونحن نقول بوجوبه حتى يدل دليل على عدم وجوبه وحينئذ يصفو مشرب الحق وترتفع ظلمة الجدال وينجلي قتام الخصام.
فيا طالب الحق خذ هذه الكلية واجعلها على ذكر منك تنتفع بها في كثير من المباحث التي صارت بالتمسك بالطرائق الجدلية ظلمات بعضها فوق بعض ولم يستفد منها كثير من المطلعين عليها إلا مجرد الحيرة وعدم الاهتداء لوجه الصواب.
وقد جمعت جميع طرق حديث المسيء في شرحي للمنتقي وذكرت جميع ألفاظه المختلفة فاحكم لجميع ما اشتمل عليه بالوجوب لما قدمنا من كونه بيانا لمجمل واجب ولأمره ﷺ بأن نصلي كما رأيناه يصلي ولاقتصاره في تعليم المسيء على ما اشتمل عليه حتى يأتي دليل يخص بعضه بعدم الوجوب فإنك بهذا الصنع قاعد في مقعد الإنصاف قائم في مقام الحق الذي لا تزحزحه شبهة ولا يدفعه جدال ولا يضره قيل ولا قال.
إذا عرفت هذا فاعلم أن تكبير الافتتاح من قعود أو بغير اللفظ الذي ثبت عن الشارع بدعة وكل بدعة ضلالة فما لنا وللتعرض لمثل هذا وأنه قد قال به فلان أو عمل به فلان وجعل ذلك ذريعة إلي الاعتراض على من قال بالحق ودان بالصواب.
قوله: "والقيام قدر الفاتحة".
[ ١٣٠ ]
أقول: القيام ركن من أركان الصلاة التي لا تتم إلا به ولا ينبغي أن يقع في مثله خلاف فهو فرض ركني له مزيد خصوصية على مجرد الفرضية لتأثير عدمه في عدم الصلاة.
وأما تقدير المصنف لما هو الواجب من القيام بأنه قدر الفاتحة وثلاث آيات فهذا مجرد رأي محض ليس عليه دليل ولا شبهة دليل.
وأعجب من هذا وأغرب أنه يكفي القيام هذا القدر في ركعة من الركعات ولا يستقر في قيامه في سائر الركعات إلا قدر سبحان الله فإن هذه ليست الصلاة التي جاءت بها الشريعة وعلمها رسول الله ﷺ الصحابة منذ فرض الله الصلاة إلي أن قبضه الله إليه.
ويا لله العجب من التجرؤ على مثل هذه العبادة التي هي رأس الدين وأساسه بمثل هذه الخزعبلات والترهات
قوله: "ثم قراءة ذلك كذلك".
أقول: قد ورد الأمر بالقراءة في الكتاب العزيز ثم بينت السنة بأنه "لا صلاة لمن لا يقرأ بأم القرآن" [البخاري "٨٢٢"، مسلم "٣٤/٣٩٤"، أبو دأود٨٢٢"، الترمذي "٢٤٧"، النسائي "٢/١٣٧"، ابن ماجة "٨٣٧"، أحمد "٥/٣١٤"]، وفي لفظ: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن".
وقوله: "لا صلاة" يدل أن ترك قراءة الفاتحة تبطل به الصلاة لأن المراد لا صلاة شرعية فما وقع من الصلاة لم يقرأ فيه بأم القرآن فهو غير صلاة شرعية وهذا يكفي في الاستدلال على فرضية القراءة بفاتحة الكتاب بل استلزم عدمها لعدم الصلاة وهو زيادة على مجرد الفرضية وعلى فرض ورود دليل يدل على أن هذا النفي لا يتوجه إلي الذات فقد قدمنا لك أن تقدير الصحة هو أقرب المجازين إلي الذات فيتعين تقدير الصحة.
هذا على فرض أنه لم يرد ما قدمنا بلفظ: "لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" فكيف وقد ورد وثبت فإن ذلك يقطع النزاع ويرفع الخلاف ويدفع في وجه من زعم أن الذي ينبغي تقديره ها هنا هو الكمال.
إذا عرفت هذا فاعلم أنه قد ورد في حديث المسيء من وجه صحيح أن النبي ﷺ علمه أن يقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن يقرأ ثم قال له: "اصنع ذلك في كل ركعة" [أحمد "٤/٣٤٠"، أبو دأود "٨٥٧، ٨٥٨، ٨٥٩، ٨٦١"، النسائي "٢/١٩٣"]، وهذا دليل قوي على وجوب الفاتحة في كل ركعة وقد أخرجه أحمد وابن ماجه في حديث المسيء من رواية رفاعة بن رافع بأسناد صحيح وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي بإسناد صحيح.
فتقرر لك بهذا فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة بالأدلة الصحيحة فدع عنك القيل والقال والمجادلة بما لا يتفق من المقال عند فحول الرجال فإن كل ذلك لا يسمن ولا يغني من جوع.
قوله: "سرا في العصرين وجهرا في غيرهما".
أقول: أما قراءته ﷺ في الصلوات المفروضة فقد تبين أمرها وعرف ما كان يجهر فيه منها وما كان يسر فيه لكنه لم يرد في تعليم المسيء أنه ﷺ قال له: اقرأ في صلاتك كذا جهرا وفي
[ ١٣١ ]
صلاتك كذا سرا، بل أمره بالقراءة وهي أعم من أن يأتي بها سرا أو جهرا فيكون فعله للجهر في بعض الصلوات وهي الفجر والمغرب والعشاء والإسرار في البعض الآخر وهما الظهر والعصر كالبيان لذلك الأمر للمسيء فيتم حينئذ القول بوجوب الجهر فيما جهر فيه رسول الله ﷺ والإسرار فيما أسر فيه لا بدليل كون فعله بيانا للمجمل ولا بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" بل بما في حديث المسيء.
قوله: "ويتحمله الإمام عن السامع"
أقول: قوله تعالي: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله ﷺ: "وإذا قرأ فأنصتوا" [أحمد "٢/٤٢٠"، أبو دأود "٦٠٤"، النسائي "٢/١٤١"، ابن ماجة "٨٤٦"، مسلم "٦٣"]، يدل على أن الإمام يتحمل القراءة عن السامع.
وعلى تقدير ما قيل من عدم دلالة الآية على المطلوب وعدم انتهاض الحديث للاستدلال به فقد أغنى عن ذلك الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب" [أحمد "٥/٣١٦"، أبو دأود "٨٢٣"، الترمذي "٣١١"] .
وإن هذا الحديث قد أفاد فائدتين الأولى النهي عن القرآن خلف الإمام والثاني وجوب قراءة الفاتحة خلفه وهذا ظاهر واضح لا ينبغي التردد في مثله لصحته ووضوح دلالته.
قوله: "وعلى المرأة أقله من الرجل".
أقول: لم يرد دليل يدل على هذا إلا مجرد ملاحظة ما هو اقرب إلي الستر وأبعد من الفتنة وأقل الجهر إذا كان مجزئا للرجال فهو مجزىء للنساء بالأولى.
قوله: "ثم ركوع بعد اعتدال ثم اعتدال تام وإلا بطلت إلا لضرر أو خلل طهارة".
أقول: فرضية الركوع والاعتدال منه معلوم بالضرورة الشرعية وبطلان صلاة من لم يفعل ذلك أصلا أو لم يفعله حتى يطمئن معلوم بالأدلة الصحيحة كحديث المسيء فإنه صرح فيه بقوله: "ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما" الحديث، مع قوله ﷺ: "لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره" وهو حديث صحيح [الترمذي "٢٦٥"، أحمد "٤/١٢٢"، ابن ماجة "٨٧٠"]، وورد عند أحمد ["٤/٢٢"]، وغيره بلفظ: "لا ينظر الله إلي صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده" وقد قال للمسيء "ارجع فصل فإنك لم تصل".
وأما الاستدلال على عدم البطلان بقوله للمسيء بعد تعليمه: "إذا انتقصت من ذلك شيئا فقد انتقصت من صلاتك" فلا دلالة له على ذلك لأن انتقاصه من صلاته بترك ركن من أركانها يخرجها عن الصورة المطلوبة للشارع وقد قال لهذا المسيء نفسه "ارجع فصل فإنك لم تصل" فوجب حمل هذا الانتقاص على الإسقاط المبطل للصلاة جمعا بين الروايتين.
ولأهل الرأي في عدم إيجاب الطمأنينة كلام يعرف فساده من يعرف الاستدلال ويدري بكيفيته وقد أفضى ذلك إلي أن يصلي غالب عامتهم وبعض خاصتهم صلاة لا ينظر الله إلي
[ ١٣٢ ]
صاحبها ولا تجزئه كما نطق بذلك رسول الله ﷺ فكانت هذه الرؤية النازلة بهم هي ثمرتهم المستفادة من تقليدهم.
قوله: "ثم السجود على الجبهة مستقرة".
أقول: قد ثبت في حديث المسيء أنه ﷺ أمره بأن يمكن جبهته من الأرض وأخرج الترمذي من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي ﵌ كان إذا سجد أمكن جبهته وأنفه الأرض وقال حسن صحيح وأخرج النسائي ["١١١٣"] من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة لا اكف الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين"، وأخرجه مسلم بلفظ ["٢٣١/٤٩٠"]: "على سبع ولا أكف الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف" الحديث وفي لفظ الصحيحين [البخاري "٨١٢"، مسلم "٢٣٠/٤٩٠"، أبو دأود "٨٩٠"، الترمذي "٢٧٣"، النسائي "١٠٩٣"]، من حديث ابن عباس اقتصر علي ذكر الجبهة دون الأنف، وقد ثبت في ألفاظ الأحاديث في الصحيحين وغيرهما بلفظ أمرنا النبي ﷺ أمرنا أمر النبي ﷺ. [البخاري"٨٠٩"] .
وبهذا البيان يتضح لك ان رواية ذكر الجبهة مع الإشارة إلي الأنف لبيان أن السجود على الجبهة لا يكون تأما كاملا إلا بوضع الأنف معها.
ومع هذا فقد أغنانا على ذلك ذكرهما معا في الأحاديث كما اشرنا إليه وقد اجتمع في السجود على الجبهة والأنف البيان للسجود المأمور به في القرآن المعلوم وجوبه بالضرورة الشرعية بالقول والفعل فكان ذلك كافيا في فرضية السجود على تلك الأعضاء من غير انضمام أمر الأمة بذلك فكيف وقد ثبت كما ذكرناه لك وحينئذ تعرف أنه لا وجه لما ذكره الجلال من تلك المقأولات التي هي بمعزل عن التحقيق.
واعلم أن الأمر بالسجود على هذه الأعضاء لا بد أن يكون على الأرض أو على ما هو عليها من حصير أو نحوه فلا يجعل المصلي بين هذه الأعضاء وبين ذلك حائلا لا من حي ولا من غيره فإن فعل خالف ما أمر به مع كون ذلك بيانا لمجمل القرآن ولهذا حكم المصنف على من لم يسجد على هذه الأعضاء بلا حائل بينها وبين الأرض بالبطلان لسجدته ولكنه ربما يقال إن الذي سجد على هذه الأعضاء مع حائل قد سجد عليها وفعل ما أمر به فإنه يصدق عليه لغة وعرفا وشرعا أنه قد سجد عليها فكون الحائل مانعا من صحة السجود الموجود في الخارج يحتاج إلي دليل فإن جاء به صافيا عن شوب الكدر صالحا للحجية فبها ونعمت وإلا فلا نسلم أن ذلك السجود الموجود في الخارج كلاسجود مع كونه على الأعضاء التي وقع الأمر بالسجود عليها.
ومما يؤيد هذا ما في الصحيحين [البخاري "٣٨٥"، مسلم "١٩١/٦٢٠"] وغيرهما من حديث [النسائي "١١٦"]، من حديث أنس قال كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
[ ١٣٣ ]
قوله: "ثم اعتدل بين كل سجودين".
أقول: هذا فرض ركني لا ينبغي أن يقع في مثله خلاف وهو بيان للسجود المأمور به في القرآن وصح في حديث المسيء في الصحيحين وغيرهما بلفظ "ثم ارفع حتى تطمئن جالسا".
فيا عجبا لمن لم يقل بفرضية هذا الركن وتلاعب به في صلاته وترك ما هو الشرع الواضح والركن الذي لا صلاة لمن لا يأت به فيها.
قوله: "ثم الشهادتان".
أقول: لا وجه للاقتصار على مجرد الشهادتين لأنهم استدلوا على وجوبها بما وقع من الأوامر عنه ﷺ بالتشهد فينبغي إيجاب أحد التشهدات بنفس الدليل الذي استدلوا به على وجوب الشهادتين
وحاصل ما استدل به الموجبون للتشهد ما وقع من امره ﷺ مع قول ابن مسعود وكنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد فإن هذا يدل على أنه فرض عليهم ولم يأت القائلون بعدم وجوبه بحجة مقبولة إلا قولهم إنه لم يذكر في حديث تعليم المسيء وصدقوا لم يذكر في حديث المسيء لكن إذا تقرر أن حديث تعليم المسيء متأخر عن مشروعية التشهد أما إذا كان حديث المسيء متقدما فلا مانع من أن يتجدد إيجاب واجبات لم يشتمل عليها فإن جهل التاريخ كان القول بالوجوب أرجح لأنه قد وجد ما يقتضي الوجوب ولم يتيقن ما يصرفه عن ذلك فوجب على الوجوب عملا بدليله.
لا يقال إن الأصل البراءة للذمة لأنا نقول لا براءة بعد وجود الدليل الدال على الوجوب إلا بوجود ما يصرفه عن حقيقته.
قوله: "والصلاة على النبي وآله".
أقول: أدلة وجوب ذلك في الصلاة دون أدلة وجوب التشهد وقد عرفناك ما في ذلك ووجهه أن التشهد قد صرحت الأحاديث بمحله وأين يقال وأما الأحاديث الواردة بتعليم كيفية الصلاة فليس فيها ذكر إيقاع ذلك في التشهد.
وأما ما ورد في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود عند ابن حبان وابن خزيمة والحاكم والبيهقي وصححوه والدارقطني أنهم قالوا كيف نصلي عليك في صلاتنا فليس فيه أن ذلك في التشهد بل هو مطلق في جنس الصلاة ومع هذا فلم يذكر الصلاة في حديث المسيء الذي هو مرجع الواجبات.
وقد أطلنا البحث في هذا في شرح المنتقى فليرجع إليه.
قوله: "والنصب والفرش هيئة".
أقول: أصح ما ورد عن النبي ﷺ وأكثر ما روى هو أن يتورك [أحمد "٥/٤٢٤"، أبو دأود "٧٣٠"، الترمذي "٣٠٤"، النسائي "٣/٣٤"] المصلي عند قعوده لهذا التشهد وقد ورد النصب [البخاري "٨٢٨"، أبو دأود "٧٣٤، ٩٦٧"]، والفرش ورودا يسيرا بالنسبة إلي التورك وورد صفة ثالثة هي
[ ١٣٤ ]
أنه ﷺ كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه الأيمن وساقه [مسلم "١١٢/ ٥٧٩"]، فلا وجه لاقتصار المصنف على هيئة واحدة وتأثيرها على ما هو أصح منها.
قوله: "ثم التسليم على اليمين واليسار".
أقول: أشف ما استدل به القائلون بالوجوب هو حديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فإن هذا الحديث يدل على أنهما جزاءان للصلاة وعلى تسليم دلالة هذا على الوجوب فإنما يتم ذلك لو قدرنا تأخره عن حديث المسيء فإنه لم يذكر فيه السلام.
وقد عرفناك أن واجبات الصلاة قد انحصرت فيه الا أن يأتي ما يدل على الوجوب ويثبت تأخره عن حديث المسيء لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وأما الخلاف في التسليم هل هو واحدة أو اثنتان أو ثلاث فالأدلة الصحيحة الكثيرة قد دلت على تسليمتين [أبو دأود "٩٩٧"، أحمد "٤/٣١٦"]، والدليل الدال على كفاية الواحدة على تقدير صلاحيته للحجية لا يعارض أحاديث التسليمتين لأنها مشتملة على زيادة غير منافية للمزيد ولم يرد في مشروعية الثلاث شيء يعتد به.
وأما ما ذكره المصنف ﵀ من الأنحراف فلا يتم السلام المشروع إلا بالانحراف وهكذا لا يكون سلأما مشروعا إلا بالتعريف لأنه الصفة الثابتة عنه ﷺ.
وأما قصد الملائكة فلم يدل دليل على ذلك.
قوله: "وكل ذكر تعذر بالعربية فبغيرها".
أقول: دل على هذا ما وقع في رواية من حديث المسيء بلفظ: "فإن كان معك قرآن وإلا فأحمد الله وكبره وهلله" [أبو دأود "٨٦١"]، ووقع في حديث ابن أبي أوفى عند أحمد ["٤/٣٥٣" و"٤/٣٥٦"]،وأبي دأود ["٨٣٢"]، والنسائي "٢/١٤٣"]، وغيرهم أن رجلا قال للنبي ﷺ لا استطيع شيئا من القرآن فقال له ﷺ: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" وفي إسناده مقال لا يوجب سقوط الاستدلال به فمن لم يقدر على قراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن عدل إلي هذا الذكر مع إيجاب التعلم عليه وتضييقه حتى يحفظ الفاتحة وقرآنا معها فبصلي بذلك ما فرضه الله عليه وهكذا من كان مستعجم اللسان وتعذر عليه شيء من أذكار الصلاة بالعربية كالتشهد والتوجه فله أن يأتي بمعنى ذلك بلسانه حتى يتعلم ذلك الذكر الذي تعذر عليه حال وجوب الصلاة عليه وقد جعل الله في الأمر سعة لكن مع تحتم تعلم ما شرعه الله لعباده من اذكار الصلاة خصوصا الفاتحة وما يتيسر معها من القرآن لما قدمنا من الأدلة الدالة على أنها لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب بل لا تجزىء ركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
وأما إيجاب التأخير إلي آخر الوقت فليس على ذلك دليل وقد قدمنا الكلام على هذا في قوله: "وعلى ناقص الصلاة أو الطهارة التحري لآخر الاضطرار"
قوله: "ويصح الاستملاء لا التلقين والتعكيس".
[ ١٣٥ ]
أقول: قال الله سبحانه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال النبي ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فالذي لا يحفظ القرآن يستملي من المصحف ويتلقن من الغير ويقرأ ما يقدر عليه ولو غير بعض تغيير.
وإن كان أخرس لا يقدر على النطق ولا يسمع ما يقال له ولا يتعلم بالإشارة فليس عليه شيء فما كلف الله العباد إلا بما يدخل تحت طاقتهم ولا يكلف أحدا منهم بما لا يطيقه.
قوله: "ولا يلزم المرء اجتهاد غيره لتعذر اجتهاده"
أقول: إن كان مجتهدا فهو لا يحتاج إلي اجتهاد غيره قط ولا يتعذر عليه الاجتهاد من كل وجه أصلا وأقل الأحوال أن يرجع إلي البراءة الأصلية عند اشتباه الأمر ثم أقل أحوال المجتهد أن يكون مستحضرا للمرجحات التي يحتاج إليها عند تعارض الأمور أو التباس راجحها من مرجوحها.
نعم إذا كان هذا المجتهد ممن يجوز للمجتهد أن يقلد غيره ولم يطق في الحال خلوصا عما ورد عليه ولا مخرجا مما نابه إلا بالعمل بقول الغير كان له ذلك ولكن ليس هذا الذي هذه صفته هو المجتهد المطلق بل هو مجتهد المذهب وهو مقلد وليس بمجتهد وهكذا من ظن أنه قد صار مجتهدا في بعض المسائل دون بعضها فإنها قد تتخبط عليه الأمور وتضطرب عليه المسائل ولكن هذا ليس هو المجتهد المطلق بل هو إلي المقلدين أقرب وبهم أشبه:
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها
[فصل
وسنتها التعوذ والتوجهان قبل التكبير وقراءة الحمد والسورة في الأوليين سرا في العصرين وجهرا في غيرهما والترتيب والولاء بينهما والحمد أو التسبيح في الأخريين سرا كذلك وتكبير النفل وتسبيح الركوع والسجود والتسميع للإمام والمنفرد والحمد للمؤتم وتشهد الأوسط وطرفا الأخير والقنوت في الفجر والوتر عقيب آخر ركوع بالقرآن.
وندب المأثور من هيئة القيام والقعود والركوع والسجود.
والمرأة كالرجل في ذلك غالبا] .
قوله: "فصل وسننها التعوذ والتوجهان قبل التكبيرة".
أقول: من له حظ من علم السنة المطهرة ورزق نصيبا من إنصاف يعلم أن جميع الأحاديث الواردة في التعوذ والتوجهان مصرحة بأنه ﷺ كان يفعل ذلك بعد تكبير الافتتاح وهذا مما لا يكاد أن يشك فيه عارف أو يخالط فيه ريب وكان يتوجه بعد التكبيرة ويتعوذ بعد التوجه قبل
[ ١٣٦ ]
قبل افتتاح القراءة وقد ثبت عنه ألفاظ في التعوذ أيها فعل المصلي فقد فعل المشروع وثبت عنه توجهات أيها توجه به المصلي فقد فعل السنة ولكنه ينبغي للمتحري في دينه أن يحرص على فعل أصح ما ورد في التوجهات وأصحها حديث أبي هريرة في الصحيحين [البخاري "٢/٢٢٧"، مسلم "١٤٧/٥٩٨"]، وغيرهما [أبو دأود "٧٨"، ابن ماجة "٨٠٥"، النسائي "٦٠"، أحمد "٢/٢٣١ و٤٩٤"]، قال كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وامي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" فهذا أصح ما ورد في التوجهات حتى قيل إنه قد تواتر لفظه فضلا عن معناه ثم فيه التصريح بأنه كان يتوجه بهذا في صلاته ولم يقيد بصلاة الليل كما ورد في بعض التوجهات فالعمل عليه والاستمرار على فعله هو الذي ينشرح له الصدر وينثلج له القلب وإن كان جميع ما ورد من وجه صحيح يجوز العمل عليه ويصير فاعله عاملا بالسنة مؤديا لما شرع له.
وأصح ما ورد في التعوذ حديث أبي سعيد عند أحمد ["٣/٥٠"]، والترمذي ["٢٤٢"]، وأبي دأود ["٧٧٥"]، والنسائي ["٢/١٣٢"] عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام إلي الصلاة استفتح ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه".
واعلم أن المصنف ومن قال بقوله قد قسموا التوجه إلي توجهين كبير وصغير وجاءوا بما ورد في الكتاب العزيز هربا من أن يقع في الصلاة ما ليس من القرآن فكان حاصل ما اختاروه المخالفة لجميع ما جاءت به السنة.
أما ما جعلوه توجها صغيرا فلم يثبت ذلك عن رسول الله ﷺ قط وهو ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، فهذا هو في القرآن هكذا وليس هو من التوجهات ولو كان التوجه جائزا بكل ما فيه دعاء في القرآن لكان التوجه غير مختص بما ذكروه بل بكل ما فيه دعاء أو حمد أو توحيد أو عبادة أو استعاذة.
وأما التوجه الكبير فقالوا هو أن يقول وجهت وجهي للذي فطر السمأوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وأنا من المسلمين وهذا وقد ورد التوجه به من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عند مسلم ["٦/٥٧"، وأحمد ["٢/٧٢٧"، والترمذي ["٢٦٦"]، وغيرهم [أبو دأود "٧٦٠"، النسائي "٢/٨٩٧"]، ولكن مع زيادة وهو قوله بعد "وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت" إلي آخر الحديث بطولة فكان الأولى لهم أن يتوجهوا بكل ما ورد في حديث على مع أنه مقيد في صحيح مسلم بصلاة الليل وإن اطلقه غيره فحمل المطلق على المقيد متعين.
ومع هذا فالحديث قد وقع التصريح فيه في سنن أبي دأود أنه كان إذا قام إلي
[ ١٣٧ ]
الصلاة كبر ثم قال ففي هذا التوجه الذي أخذوا ببعض الفاظه وجعلوها توجها ما يدفع قولهم إنه قبل تكبير الافتتاح.
قوله: "والحمد والسورة في الأوليين"
أقول: هذا هو الثابت عن النبي ﷺ ثبوتا متواترا لا يكاد أن يقع فيه اختلاف أنه كان يقرأ في كل واحدة من الركعتين الأوليين الفاتحة وسورة وقد يقرأ سورتين وقد يقرأ سورة طويلة.
ولكن قد عرفناك أن الأدلة قد دلت على وجوب الفاتحة في كل ركعة دلالة بينة واضحة ظاهرة.
وما ذكره من كون القراءة تكون سرا في العصرين وجهرا في غيرهما فذلك هو الثابت عنه ﷺ ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة وقد قدمنا ما يفيد هذا.
قوله: "والولاء بينهما"
أقول: لم يأت في هذا دليل يخصه وقد كان ﷺ بعد فراغه من قراءة الفاتحة يسكت سكتة طويلة ثم يقرأ السورة وهذا مما يدفع كون الموالاة من غير فصل سنة ثم السكوت بين الفاتحة والسورة للدعاء وإن طال الفصل لا يخالف السنة فقد ندب الشارع إلي الدعاء في الصلاة مطلقا ومقيدا ببعض مواضعها فلا وجه لإدخال هذا في مسنونات الصلاة.
ولو جعل المصنف مكانه إطالة الركعتين الأوليين وتخفيف الركعتين الأخريين فقد ثبت عنه أنه كان يطيل القيام في الركعتين الأوليين من الظهر ويقوم في الأخريين على النصف من قيامه في الأوليين ثم يقوم في الأوليين من العصر قدر نصف قيامه في الأوليين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من وقوفه في الأوليين منهما وكان ينبغي له أن يذكر في هذا الفصل المشتمل على ذكر سنن الصلاة السنة العظمى والخصلة الكبرى التي هي أشهر من شمس النهار وهي العلم الذي في رأسه نار وذلك سنة الرفع عند افتتاح الصلاة فإنه قد ثبت من طريق خمسين من الصحابة منهم العشرة المبشرة بالجنة.
ثم سنة الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه ثم سنة ضم اليد اليمنى على اليسرى فإن هذه سنن ثابتة بأحاديث متواترة منها ما هو عن طريق عشرين من الصحابة ومنها ما هو اكثر من طريق عشرين ومنها ما هو من طريق نحو العشرين.
ثم سنة التأمين الثابتة بالأحاديث المتواترة هذا على فرض أنه سنة فقط وإن كانت الأحاديث مصرحة بوجوبه.
ثم سنة طول البقاء عند الاعتدال من الركوع والإتيان بذلك الدعاء الوارد فيه ثم سنة طول البقاء عند الاعتدال بين السجودين والإتيان بذلك الدعاء الوارد فيه لا سيما وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان قيامه فركوعه فاعتداله من الركوع فسجوده فاعتداله بين السجدتين فسجوده قريبا من السواء فإن هذه ونحوها سنن ينبغي الاعتناء بشأنها وإرشاد الأمة إلي فعلها وترغيبهم فيها وترهيبهم من تركها والتصريح لهم بأن المحروم من حرمها
[ ١٣٨ ]
فدع عنك نهبا صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل
قوله: "والحمد أو التسبيح في الأخريين".
أقول: هذا التخيير العجيب والتشريع الغريب عبرة للمعتبرين ومغربة خبر للناظرين فإنه قد علم كل من يعرف السنة المطهرة أن رسول الله ﷺ لم يجعل هذا التسبيح عوضا عن فاتحة الكتاب في شيء من صلاته المنقولة إلينا التي اشتملت عليها مجاميع السنة على اختلاف أنواعها ولا ثبت عنه أنه شرع لأحد من أمته أن يجعل هذا التسبيح عوضا عن الفاتحة أو أنه خيرهم بين الفاتحة وبينه لا في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف وغاية ما ورد ما قدمنا في حديث المسيء صلاته أنه إذا لم يستطع القراءة سبح وهذا أمر آخر لأنه مشروط بعدم القدرة على القراءة ثم هو رخصة في حالة التعذر مع أنه غير معذور من تعلم ما يقرأ به في صلاته فما لنا وللتخيير بينه وبين الفاتحة التي هي أشرف سورة بالنص في أشرف عبادة وهي الصلاة مع ما ورد من الأدلة الدالة على وجوب الفاتحة في كل ركعة فانظر إلي هذه المجازفة التي يتبرأ عنها قلم كل من له وزن خردلة من إنصاف.
وأما القول بأن التسبيح أفضل من الفاتحة فأغرب وأعجب ولا يأتي التطويل في رده بفائدة لوضوح بطلانه لكل ناظر في علم الأدلة.
والعجب من الجلال في شرحه لهذا الكتاب فإنه جعل معظم مقصده الانتصار لنفاة الأذكار كالأصم وابن علية الذين خالفوا قطعيات الشريعة الثابتة في هذه العبادة بالأدلة التي هي الجبال الرواسي.
فما لك والتلدد نحو نجد وقد غصت تهامة بالرجال
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
قوله: "وتكبير النقل".
أقول: هذه السنة ثابتة من فعله ﷺ ثبوتا متواترا لا يشك في ذلك من له اطلاع على كتب السنة المطهرة وما وقع من ترك الجهر بة أو تركه بالمرة فمن ترك السنن وظهور البدع.
قوله: "وتسبيح الركوع والسجود"
أقول: وهذه السنة متواترة من فعله ﷺ والتسبيح المشروع هو "سبحان ربي العظيم" في الركوع "وسبحان ربي الأعلى" في السجود وأقل ما يفعله المصلي من ذلك ثلاث تسبيحات في الركوع وثلاث تسبيحات في السجود ويختمها بقوله "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" [البخاري "٤٩٦٨"، مسلم "٢١٧/٤٨٤"، أبو دأود "٨٧٧"، ابن ماجة "٨٨٩"]، وقد ورد أنه يقول المصلي "سبحان ربي العظيم وبحمده" في الركوع وسبحان ربي الأعلى وبحمده في السجود من طرق ضعيفة.
[ ١٣٩ ]
فالاقتصار على ما ذكرناه هو الأولى وأما من قال إن التسبيح في الركوع هو أن يقول المصلي سبحان الله العظيم وبحمده وفي السجود سبحان الله الأعلى وبحمده فلا أصل لذلك وقد وردت الأحاديث الصحيحة في الأدعية التي تقال في الركوع والسجود والاعتدال من الركوع والاعتدال بين السجودين وهي ثابتة ثبوتا متواترا ومن منع الأدعية في الصلاة فقد خالف السنة مخالفة ظاهرة فإن مجموع ما وردت مشروعيته من الأدعية في الصلاة لا يفي به إلا مؤلف مستقل ولكن هجر كتب السنة يوقع في مثل هذا.
قوله: "والتسميع للإمام والمنفرد والحمد للمؤتم".
أقول: قد ورد ما يدل على أنه يجمع بين التسميع والحمد كل مصل إمأما كان أو مأموما أو منفردا وقد أوضحت ذلك في شرح المنتقي والزيادة مقبولة.
قوله: "والتشهد الأوسط"
أقول: الأوامر بالتشهد لم تخص التشهد الأخير بل هي واردة في مطلق التشهد فما قدمنا في التشهد الأخير من الاستدلال على وجوبه فهو بعينه دليل على وجوب التشهد الأوسط ومع هذا فالتشهد الأوسط مذكور في حديث المسيء الذي هو مرجع الواجبات ولم يرد ذكر التشهد الأخير في حديث المسيء فكان القول بإيجاب التشهد الأوسط أظهر من القول بإيجاب الأخير.
وأما الاستدلال على عدم وجوب الأوسط بكون النبي ﷺ تركه سهوا ثم سجد للسهو فهذا إنما يكون دليلا لو كان سجود السهو مختصا بترك ما ليس بواجب وذلك ممنوع.
قوله: "وطرفا الأخير".
أقول: الأدلة التي ثبت بها وجوب التشهد هي مشتملة على الطرفين فإيجاب البعض بها دون البعض تحكم يأباه الإنصاف ولم يرد ما يدل على تخصيص وسط التشهد الأخير بالوجوب دون طرفيه قط.
قوله: "والقنوت في الفجر والوتر عقيب آخر ركوع بالقرآن".
أقول: إثبات هذا في سنن الصلاة لم يأت دليل يدل عليه فإن الأحاديث الواردة في هذا مصرحة باختصاصه بالنوازل وأن النبي ﷺ كان يفعله إذا نزلت بالمسلمين نازلة فيدعو لقوم أو على قوم ولم يثبت غير هذا إلا الدعاء المروي عن الحسن ابن علي [أحمد "١/١٩٩"، أبو دأود ""١٤٢٥"، الترمذي "٤٦٤"، الترمذي ١٧٤٥"، ابن ماجة "١١٧٨"] مرفوعا بلفظ: "اللهم اهدني فيمن هديت" إلخ فإن ذلك دعاء علمه رسول الله ﷺ أن يجعله في الوتر فهو من جملة الأدعية الواردة في الصلاة وينبغي فعله فإنه حديث قد صححه جماعة من الحفاظ ولا مقال فيه بما يوجب قدحا ولا يفعل هذا الدعاء إلا في هذا الموضع لا كما يفعله طائفة بعد الركوع في الركعة الثانية من صلاة الفجر فإنه لم يدل على ذلك دليل.
والحاصل أنه قد ورد الدعاء في النوازل في جميع الصلوات وفي بعضها وقبل الركوع وبعده.
[ ١٤٠ ]
وأما قوله: "بالقرآن" فلم يرد في هذا شيء قط وإنمكا قال به من قال لأنه سمع أن في صلاة الفجر قنوتا مع كونه يمنع الدعاء في الصلاة إلا بالقرآن فتحصل له من هذا أن يقول بما قال.
قوله: "وندب المأثور من هيئات القيام والقعود والركوع والسجود".
أقول: هذه الهيئات الواردة في هذه الأركان بالأحاديث الصحيحة حكمها حكم ما ثبت بأفعاله ﷺ إن لم يرد فيها إلا مجرد الفعل ولها حكم ما ورد من أقواله إن ثبتت بالقول وإذا اجتمع في شيء منها القول والفعل كان حكمها حكم ما ثبت بالقول والفعل ولا وجه للحكم على جميعها بأنها مندوبة فقط لأن الندب في الاصطلاح الحادث لأهل الأصول والفروع هو رتبة قاصرة عن رتبة ما يقولون فيه إنه مسنون ثم تخصيص هيئات هذه الأربعة الأركان بالذكر دون ما عداها من الأركان والأذكار لا وجه له.
والحاصل أن المقال في هذا المقال أن واجبات الصلاة إذا كانت منحصرة في حديث المسيء صلاته إلا ما ورد فيه دليل يدل على وجوبه بعده فما عدا ذلك ليس بواجب فإن ثبت عن النبي ﷺ أنه فعله أو أرشد إليه كان ذلك سنة ثابتة وطريقة نبوية فإن لازمه أو إرشدا إليه مؤكدا كان ذلك سنة لها مزيد خصوصية بما وقع لها من اعتنائه ﷺ بشأنها فاحفظ هذا لتسلم به من تخليطات المخلطين وتخبطات المتخبطين الذين خلطوا الشرع الصافي بالاصطلاحات الحادثة المتواضع عليها بين طائفة من الناس.
قوله: "والمرأة كالرجل في ذلك غالبا".
أقول: النساء شقائق الرجال فما شرعه الله للرجال من هذه الشريعة فالنساء مثلهم إلا أن يأتي دليل على إخراجهن من ذلك الشرع العام كان ذلك مخصصا لهن وسواء كان التخصيص متضمنا للتخفيف وذلك ما اختص وجوبه بالرجال من الأحكام كالجهاد أو متضمنا لتغليظ عليهن كالحجاب.
وبهذا تعرف أنه لا وجه لتخصيص هذا الموضع بالذكر لهن فإن غالب الأبواب قد تختص النساء فيه بما يخالف الرجال ولو نادرا.
[فصل
"وتسقط عن العليل بزوال عقله حتى تعذر الواجب وبعجزه عن الإيماء بالرأس مضطجعا وإلا فعل ممكنه ومتعذر السجود يومىء له من قعود وللركوع من قيام فإن تعذر فمن قعود ويزيد في خفض السجود ثم مضطجعا ويوجه مستلقيا ويوضئه غيره وينجيه منكوحه ثم جنسه بخرقة ويبنى على الأعلى لا الأدنى فكالمتيمم وجد الماء"] .
قوله: فصل: "وتسقط عن العليل بزوال عقله".
[ ١٤١ ]
أقول: لا وجه للتقييد بالعليل بل مجرد زوال العقل موجب لسقوط الصلاة وغيرها إذ لا يتعلق بمن لا عقل له شيء من التكاليف الشرعية وقد أورد الجلال ها هنا إشكالات زائفة ساقطة لا يرد شيء منها والعجب العجيب أنه جعل النتيجة التي تنحل بها تلك الإشكالات حمل أمر النائم والناسي والحائض بالقضاء على الندب فجاء بما يخرق الإجماع خرقا لا يرقع وبما يخالف الأدلة التي هي أوضح من شمس النهار وهكذا يقع في مثل هذه المضايق من جعل أوهام ذهنه وغلطات فكره بالمنزلة التي جعلها فيها هذا المحقق.
قوله: "وبعجزه عن الإيماء بالرأس مضطجعا".
أقول: قوله سبحانه وتعالي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم" يدلان على أنه إذا أمكنه الايماء بعينيه أو بحاجبيه كان ذلك حتما عليه ولا يسقط عنه بمجرد عجزه عن الإيماء برأسه فقد تصيب الإنسان علة يعجز عندها عن الايماء برأسه كما يقع في الأمراض العصبية مع ثبات عقله وقدرته على الايماء بعينيه وحاجبيه.
وأما اختيار المصنف ﵀ لهيئة الاضطجاع وتقديمها على غيرها فمدفوع بما ثبت في البخاري ["١١١٧"]، وهو عند أحمد ["٤/٤٢٦"] وأهل السنن [أبو دأود "٥٩٢"، الترمذي "٣٠٢"، النسائي "١٦٦٠"، ابن ماجة "١٢٢٣" الأربع وغيرهم أن عمران بن الحصين كان به بواسير فسأل النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب" وفي رواية للنسائي "فإن لم تستطع فمستلقيا"، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وهذا الحديث الصحيح يغني عن غيره من الأحاديث الواردة في هذا الباب فإنها لا تخلو من مقام ومعلوم أن من صلى على جنب أو مستلقيا لا يتمكن إلا من مجرد الايماء فلا حاجة إلي الاستدلال على لزوم الايماء فإن هذا الحديث الصحيح يفيد ذلك ويقتضيه.
قوله: "ويوضئه غيره وينجيه منكوحه".
أقول: إذا بلغ المرض بصاحبه إلي هذا الحد فقد جعل الله له فرجا ومخرجا بالتيمم قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] الآية وقد قدمنا الكلام على التقيد بقوله تعالي: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾
قوله: "ويبنى على الأعلى لا الأدنى فكالمتيمم وجد الماء"
أقول: لا دليل على هذا أصلا والواجب عليه أن يفعل ما يمكنه فإذا كان مقعدا وأمكنه القيام أتم صلاته قائما ولا يرفض ما قد فعله فقد نهى الله سبحانه عن إبطال الأعمال فقال ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] .والقياس على المتيمم مختل لما عرفناك فيما سبق في باب التيمم أن الأدلة قد دلت على أنه لا يعيد من صلى بالتيمم ثم وجد الماء لا قبل الفراغ من الصلاة ولا بعده.
[ ١٤٢ ]
[فصل
"وتفسد باختلال شرط أو فرض غالبا وبالفعل الكثير كالأكل والشرب ونحوهما وما ظنه لاحقا به منفردا أو بالضم أو التبس ومنه العود من فرض فعلي إلي مسنون تركه ويعفى عن اليسير وقد يجب كما تفسد الصلاة بتركه.
ويندب كعد المبتلي الأذكار والأركان بالأصابع أو الحصى.
ويباح كتسكين ما يؤذيه ويكره كالحقن والعبث وحبس النخامة وقلم الظفر وقتل القمل لا إلقائه وبكلام ليس من القرآن ولا من أذكارها ومنهما خطابا بحرفين فصاعدا.
ومنه الشاذة وقطع اللقطة إلا لعذر وتنحنح وأنين غالبا ولحن لا مثل له فيهما أو في القدر الواجب ولم يعده صحيحا والجمع بين لفظتين متباينتين عمدا والفتح على إمام قد أدى الواجب أو انتقل أو في غير القراءة أو في السرية أو بغير ما أحصر فيه وضحك منع القراءة ورفع الصوت إعلأما إلا للمار أو المؤتمين وبتوجه واجب خشي فوته كإنقاذ غريق أو تضيق وهي موسعة قيل أو أهم منها عرض قبل الدخول فيها وفي الجماعة والزيادة من جنسها بما سيأتي إن شاء الله تعالي"]
قوله: فصل: "وتفسد باختلال شرط".
أقول: هذا صواب إذا قد تقررت الشرطية بدليلها الذي يفيدها حسبما قدمنا ذلك ولتعلم أن هذا الحكم منا بعدم المشروط عند عدم شرطه ليس هو بمجرد ما ذكره أهل الأصول في حقيقة الشرط بل للأدلة الدالة على انعدام الذات أو صحتها بانعدام ذلك الشرط ولهذا جزمنا فيما تقدم بأن ما ورد فيه دليل يفيد هذا المفاد فهو شرط ولا يشكل على هذا حديث "من قاء أو رعف أو مذى فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته" [ابن ماجة "١٢٢١"]، ووجه إشكاله أن يقال قد بطل الوضوء وهو شرط بالدليل الصحيح ولم يؤثر عدمه في عدم المشروط لقوله: "وليبن على صلاته" لأنا نقول هذا الحديث لا تقوم به حجة لأنه لم يصح رفعه إلي رسول الله ﷺ كما صرح بذلك جماعة من الأئمة منهم الشافعي وأحمد وأبو زرعة ومحمد بن يحيى الذهلي وابن عدي وأبو حاتم الرازي والدارقطني والبيهقي وفي إسناد المرفوع من لا تقوم به الحجة وأصح من هذا الحديث وأرجح حديث طلق بن علي أو علي ابن طلق عند أحمد ["١/٨٦" [، وأهل السنن [أبو دأود "٢٠٥"، الترمذي "١١٦٦"]، وغيرهم: "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد الصلاة" وصححه ابن حبان ولا يضر تفرد جرير بن عبد الحميد بالزيادة وهي قوله وليعد الصلاة فإنه إمام ثقة.
ولا يشكل على هذا أيضا حديث ذي اليدين ووجه الإشكال أنه خرج رسول الله ﷺ من الصلاة فأخبره ذو اليدين بأنه صلى ثلاثا فقط فقال: "أحق ما يقول ذو اليدين؟ " لأنا نقول هذا
[ ١٤٣ ]
الخروج والكلام الواقع منه ﷺ هو حال اعتقاده لتمام الصلاة وعدم نقصها فالبناء على ما مضى منها هو لهذا والدليل وإن دل على أن الكلام مبطل للصلاة فهو كلام العامد لا كلام من كان ساهيا أو في حكم الساهي.
قوله: "أوفرض"
أقول: الحق أن الفروض لا توجب فساد الصلاة بل يأثم تاركها وتجزئه صلاته لأن الأدلة الدالة عليها إنما اقتضت وجوبها ولم تقتض أن الصلاة تنعدم بانعدامها ولو اقتضت ذلك لما كنت فروضا بل تكون شروطا.
وأما إذا كان الفرض ركنا من الأركان كالركوع والسجود فالركن يختل صورة ما هو ركن فيه باختلاله فالصورة المطلوبة بكمالها غير موجودة فإن تركه عمدا بطلت الصلاة وإن تركه سهوا فعله ولو بعد الخروج من الصلاة كما فعل النبي ﷺ الركعة الرابعة بعد أن سلم من ثلاث ركعات في حديث ذي اليدين.
قوله: "وبالفعل الكثير" الخ.
أقول: قد خبط المفرعون في هذا المقام خبطا طويلا واضطربت آراء جماعة من الجتهدين العاملين بالأدلة المؤثرين لما صح من الرواية.
والحق الحقيق بالقبول أن يقال إن الصلاة بعد انعقادها والدخول فيها لا تفسد إلا بمفسد قد دل الشرع على أنه مفسد كانتقاض الوضوء ومكالمة الناس عمدا أو ترك ركن من أركانها الثابتة بالضرورة الشرعية عمدا.
فمن زعم أنه يفسدها إذا فعل المصلي كذا فهذا مجرد دعوى إن ربطها المدعي بدليلها نظرنا في الدليل فإن أفاد فساد الصلاة بذلك الفعل أو الترك فذاك وإن جاء بدليل يدل على وجوب ترك الفعل كحديث "اسكنوا في الصلاة" [مسلم "٨٧/١١٩"]، فإنه حديث صحيح فيقال له هذا أمر بالسكون وغاية ما فيه وجوب السكون وترك ما لم يكن من الحركات الراجعة إلي ما لا يتم الإتيان بالصلاة إلا به فمن فعل ما ليس كذلك من الأفعال كمن يحرك يده أو رأسه أو رجله لا لحاجة فقد أخل بواجب عليه ولزمه إثم من ترك واجبا.
وأما أنها لا تفسد به الصلاة فلا.
فإن قلت هل يمكن الإتيان بضابط يعرف به ما لا يفسد الصلاة وما يفسدها من الأفعال قلت لا بل الواجب علينا الوقوف موقف المنع حتى يأتي الدليل الدال على الفساد.
ومما يصلح سندا لهذا المنع ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٥١٦"، "٥٩٩٦"، مسلم "٥٤٣"]، وغيرهما [أبو دأود "٩١٧، ٩١٨،٩١٩، ٩٢٠"، النسائي "٧١١، ١٢٠٤، ١٢٠٥"، أحمد "٥/٢٩٥، ٢٩٦"]، من حديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت النبي ﷺ فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وفي رواية لمسلم وأبي دأود بينا نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلي الصلاة إذ خرج علينا وأمامه بنت أبي العاص بنت بنته
[ ١٤٤ ]
على عاتقه فقام رسول الله ﷺ في مصلاه وقمنا خلفه وهي في مكانها الذي هي فيه فكبر وكبرنا حتى إذا أراد رسول الله ﷺ أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها فما زال رسول الله ﷺ يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته.
وهذا الحديث الصحيح إذا سمعه المقلد الذي قد تلقن أن الفعل الكثير من مفسدات الصلاة وتلقن أن تحريك الإصبع مثلا ثلاث حركات متوالية لا حق بالفعل الكثير موجب لفساد الصلاة خارت قواه واضطرب ذهنه فإن هذه الصبية لا تقدر على أن تستمسك على ظهره ﷺ إلا وعمرها ثلاث سنين فصاعدا فأخذها من الأرض ووضعها على الظهر وكذلك إنزالها ووضعها على الأرض يحتاج إلي مزأولة وأفعال تحصل الكثرة لدى هذا المقلد بما هو ليس من ذلك بكثير.
ثم مما يصلح أيضا أن يكون سندا للمنع حديث أنه ﷺ صلى على المنبر وكان إذا أراد السجود نزل عنه إلي الأرض فسجد ثم يعود وفعل كذلك حتى فرغ من صلاته والحديث في الصحيحين وغيرهما فإن كان ولا بد من تقدير الفعل الكثير المخالف لمشروعية السكون في الصلاة فليكن ما زاد على ما وقع منه ﷺ في هذين الحديثين فإنه فعل هذه الأفعال في صلاته الفريضة والمسلمون يصلون خلفه وهو القدوة والأسوة وإنما فعل ذلك لبيان جوازه وأنه لا ينافي ما شرعه الله في الصلاة ومن قال بخلاف هذا فقد أعظم الفرية وقصر بجانب النبوة وأوقع نفسه في خطب شديد والهداية بيد الله سبحانه.
وبهذا تعرف أن ما جعله المصنف كثيرا بذاته أو بانضمام غيره إليه وإلحاق الملتبس بالكثير وذكره للعفو عن الفعل اليسير وإيجاب تارة وندب أخرى وكراهته التنزيهية في حالة وإباحته في أخرى لا مستند له إلا مجرد الرأي المحض فلا نطيل الكلام على ذلك.
قوله: "وبكلام ليس من القرآن ولا من أذكارها".
أقول: في الصحيحين [البخاري "١١٩٩"، مسلم "٥٣٨"] وغيرهما من حديث ابن مسعود قال كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: "إن في الصلاة شغلا" ولفظ أبي دأود ["٩٢٤"]، والنسائي ["٣/١٩"]: "إن الله ﷿ يحدث من امره ما شاء وإن الله سبحانه وتعالي قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة" وأخرجه عبد بن حميد وأبو بعلي وفيه: "وإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا".
وأخرج البخاري ["١٢١٧"، مسلم ["٣٦/٥٤٠"] وغيرهما] ابن ماجة "١٠١٨"، النسائي "١١٨٩"، أحمد "٣/٣٣٤"] من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي"، وكان على راحلته متوجها إلي القبلة.
وأخرج البخاري ["٢٠٠"]، ومسلم ["٥٣٩"]، وغيرهما [أحمد "٤/٣٦٨"، أبو دأود "٩٤٩"،
[ ١٤٥ ]
الترمذي "٤٠٥"، النسائي "٣/١٨"]،عن زيد بن أرقم قال إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
فقد اجتمع في هذه الأحاديث الأمر بترك الكلام والنهي عن فعله في الصلاة قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة.
واختلفوا في كلام الساهي والجأهل وقد ذكرت الخلاف في ذلك وما استدلوا به في شرحي للمنتقى.
ومما يستدل به على المنع من الكلام في الصلاة حديث معأوية بن الحكم السلمي عند مسلم ["٣٣/٥٣٧"] وغيره [أبو دأود "٩٣١"، النسائي "٣/١٤ – ١٨"، أحمد "٥/٤٤٧، ٤٤٨"] بلفظ: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" وفي لفظ لأحمد: "إنما هي التسبيح والتكبير والتحميد وقراءة القرآن".
والمراد بقوله: "لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" أي من تكليمهم ومخاطبتهم هذا هو المعنى العربي الذي لا يشك فيه عارف وليس المراد ما زعمه المانعون للدعاء في الصلاة من أن المراد لا يصلح فيها شيء مما هو من كلام الناس الذي ليس من كلام الله فإن هذا خلاف ما هو المراد وخلاف ما دلت عليه أسباب هذه الأحاديث الواردة في منع الكلام وخلاف ما ثبت في الصلاة من ألفاظ التشهد ونحوها وخلاف ما تواتر تواترا لا يشك فيه من لديه أدنى علم بالسنة من الأحاديث المصرحة بمشروعية الدعاء في الصلاة بألفاظ ثابتة عن النبي ﷺ وبألفاظ دالة على مشروعية مطلق الدعاء كقوله ﷺ: "وليتخير من الدعاء أعجبه إليه" [أحمد "١/٤٣٧"، النسائي "١٦٣"] .
وبالجملة فالمنع من الدعاء في الصلاة لا يصدر إلا ممن لا يعرف السنة النبوية ولا يدري بما اشتملت عليه كتبها المعمول بها والمرجوع إليها في جميع الأقطار الإسلامية وفي كل عصر وعند أهل كل مذهب.
ومن عجائب الغلو وغرائب التعصب قولهم إن القراءة الشاذة من جملة ما يوجب فساد الصلاة وجعلوها من كلام الناس وأنه لا يكون من كلام الله إلا ما تواتر وهي القراءات السبع.
والحق أن القراءات السبع فيها ما هو متواتر وفيها ما هو آحاد وكذلك القراءات الخارجة عنها وقد جمعنا في هذا رسالة حافلة ونقلنا فيها مذاهب القراء وحكينا إجماعهم المروي من طريق أهل هذا الفن أن المعتبر في ثبوت كونه قرآنا هو صحة السند مع احتمال رسم المصحف له وموافقته للوجه العربي وأوضحنا أن هذه المقالة أعني كون السبع متواترة وما عداها شإذا ليس بقرآن لم يقل بها إلا بعض المتأخرين من أهل الأصول ولا تعرف عند السلف ولا عند أهل الفن على اختلاف طبقاتهم وتباين أعصارهم.
قوله: "وتنحنح وأنين".
[ ١٤٦ ]
أقول: ليس هذا من كلام الناس ولا من التكلم في الصلاة ولا تشمله الأحاديث المشتملة على النهي عن الكلام ولا يحتاج إلي الاستدلال على الجواز بل الدليل على من زعم أن التنحنح والأنين من جملة المفسدات ولا دليل أصلا ولكن إذا فعله المصلي لا لسبب يقتضيه من عروض إنسداد في الصوت كما في التنحنح ولا من زيادة من الخشوع والتدبر كما في الأنين فهو لم يعمل بقوله ﷺ: "إن في الصلاة لشغلا" [الترمذي "٣/١٢"، ابن ماجة "٢٧٠٨"، أحمد "٢/٤٠"، وقد ثبت عنه ﷺ أنه تنحنح في صلاته وثبت عنه أنه كان يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. [أحمد "٤/٢٥، ٢٦"، أبو دأود "٩٠٤"، النسائي "٣/١٣"] .
قوله: "ولحن لا مثل له فيهما"
أقول: الإتيان بالقراءة على الوجه العربي والهيئة الإعرأبية هو المتعين على كل قارىء سواء كان في الصلاة أو خارجها وأما أن ذلك يوجب فساد الصلاة فلا.
فإنه لا بد من دليل يدل على الفساد كما عرفناك غير مرة.
وهكذا الجمع بين لفظتين متباينتين عمدا فإنه لا يوجب فسادا أصلا وإن كان على غير ما ينبغي أن تكون عليه القراءة وقد خرج النبي ﷺ على جماعة ما بين أسود وأبيض وعربي وعجمي وهم يقرأون القرآن فسره ذلك وقال: "اقرأوا فكل حسن" أحمد "٥/١٣٢"، الترمذي "٢٩٤٤"]، وقال لمختلفين في آيات القرآن من الصحابة مثل ذلك ونهاهم عن الاختلاف.
فدعوى كون اللحن أو الجمع بين لفظين من مفسدات الصلاة دعوى عاطلة عن البرهان خالية عن الدليل.
قوله: "والفتح على إمام" الخ.
أقول: جعل هذا من المفسدات من جمود المفرعين وقصور باعهم وعدم اطلاعهم على الأدلة فلو قدرنا عدم ورود دليل يدل على مشروعيته لكان من التعأون على البر والتقوى فكيف وقد ورد ما يدل على مشروعيته فمن ذلك حديث "من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنما التصفيق للنساء" وهي في الصحيحين البخاري "٢٦٩٠"، مسلم "١٠٢/٤٢١"] وغيرهما [أبو دأود "٩٤١"، النسائي "٢/٨٢، ٨٣"، أحمد "٥/٣٣٢"، ٣٣٣"]، وثبت في الصحيحين [البخاري "١٢٠٣" مسلم "١٠٦"، ١٠٧، ٤٢٢"وغيرهما [النسائي "١٢٠٧، ١٢٠٨، ١٢٠٩، ١٢١٠"، ابن ماجة "١٠٣٤"، الترمذي "٣٦٩"، أبو دأود "٩٣٩"، أحمد "٢/٢٦١"]، أنه ﷺ قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" وأخرج أبو دأود وابن حبان والأثرم عن المسور بن يزيد المالكي قال قال صلى النبي ﷺ فترك آية فقال له رجل يا رسول الله آية كذا وكذا قال: "فهلا أذكرتنيها" وإسناده لا بأس به وأخرج أبو دأود والحاكم وابن حبان من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه فلما انصرف قال لأبي هل كنت معنا قال نعم قال فما منعك ورجال إسناده ثقات وأخرج الحاكم عن أنس قال كنا نفتح على الأئمة على عهد رسول الله ﷺ قال ابن حجر قد صح عن أبي عبد الرحمن السليمي أنه قال: قال علي: إذا استطعمك الإمام فأطعمه.
[ ١٤٧ ]
وأما ما أخرجه أبو دأود عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: "يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة" فهذا في إسناده من رمى بالكذب ومع ذلك ففيه انقطاع ولو كان هذا صحيحا ما صح عن علي ما ذكرنا من قوله: إذا استطعمك الإمام فأطعمه وقد ثبت في الصحيح [البخاري "٦٨٤"، مسلم "١٠٢/٤٢١"]، في قصة صلاة أبي بكر بالناس أنهم لما شاهدوا النبي ﵌ صفقوا لأبي بكر ولم يثبت أن النبي ﷺ أمرهم بالإعادة مع انهم فتحوا على أبي بكر بما هو غير مشروع للرجال.
والحاصل أن الفتح على الإمام بالآية التي نسيها وبالتسبيح إذا وقع منه السهو في الأركان ستة ثابتة وشريعة مقدرة فالقول بأنه من المفسدات للصلاة باطل وأبطل من هذا ما ذكره المصنف من تقييده للفساد بهذه القيود التي هي مجرد خيال مختل أو رأي معتل.
قوله: "وضحك منع القراءة".
أقول: قد قدمنا في الوضوء أن حديث الأعمى الذي روي أنه تردى فضحك بعض من كان يصلي خلف النبي ﷺ فأمرهم بإعادة الوضوء والصلاة لا تقوم به الحجة ولا يصلح للاستدلال به وذكرنا هنالك ما ورد أن الضحك يبطل الصلاة وذكرنا من قال به فارجع إلي ما ذكرناه هنالك.
قوله: "ورفع الصوت إعلأما إلا للمار أو المؤتمين".
أقول: لا دليل يدل على أن هذا من مفسدات الصلاة أصلا ثم مشروعية التسبيح للرجال عند الفتح على الإمام هو من رفع الصوت إعلأما بلا شك ولا شبهة وهكذا الفتح على الإمام بالآية التي أحصر فيها هو من رفع الصوت إعلأما وقد قدمنا لك الأدلة الدالة على هذا ثم استثناء المار والمؤتمين يدل على أنه لا بأس عند المصنف ومن قال بقوله برفع الصوت إعلأما إذا كان فيه مصلحة فهو يفيد جوازه في كل ما فيه مصلحة عائدة على الواحد والجماعة من المصلين فلا وجه للفرق على ما يقتضيه كلام المصنف.
والحاصل أن غالب هذه الأمور التي جعلها المصنف من مفسدات الصلاة ليس لها مستند إلا مجرد الدعأوي والشكوك والوسوسة وما بمثل هذه الخرافات تثبت الأحكام الشرعية التي تعم بها البلوى والله المستعان.
قوله: "وبتوجه واجب خشي فوته كإنقاذ غريق".
أقول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما عمادان من أعمدة الشريعة المطهرة قد دل عليهما كتاب الله ﷿ في كثير من الآيات ودلت عليها السنة المطهرة في الأحاديث المتواترة التي لا شك فيها بل هذان العمادان هما أعظم أعمدة الدين ثم أعظم أنواع هذين العمادين هو ما يرجع إلي حفظ نفوس المسلمين فمن ترك مسلما يغرق وهو يقدر على إنقاذه واستمر في صلاته فقد ارتكب أعظم المنكرات وترك أهم المعروفات فلا هو عمل بالأدلة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا عمل بما ورد في حق المسلم على المسلم
[ ١٤٨ ]
ومنها أن يحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه ومنها أن: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" [البخاري "٢٤٤٢"، مسلم "٢٥٨٠"، أبو دأود "٤٨٩٣"، الترمذي "١٤٢٦"]، وأي إسلام له أعظم من تركه يموت غرقا وهو بمرأى منه ومسمع وأين عمل هذا المصلي الذي آثر الاستمرار في صلاته على أخيه الذي صار في غمرات الموت بأحاديث المحبة منها "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا". [مسلم "٥٤"، أبو دأود "٥١٩٣"، الترمذي "٢٦٨٨"، ابن ماجة "٣٦٩٢"] .
فالحاصل أن هذا المصلي قد ترك أعظم الواجبات وارتكب أعظم المحظورات المنكرات واستمراره في صلاته منكر عظيم وقبيح شنيع فإن الله سبحانه قد طلب منه ما هو أهم من ذلك وأعظم وأقدم وهو يؤدي صلاته إذا كان في الوقت سعة وإذا ضاق عنها ولم يدرك شيئا منها فقد جعل الله القضاء لمن فاته الأداء بل يجب على المصلي ترك الصلاة والخروج منها فيما هو دون هذا بكثير وذلك نحو أن يرى من يريد فعل منكر كالزنا وشرب الخمر وهو يقدر على منعه والحيلولة بينه وبين ما هم به من المعصية وهو إذا استمر في صلاته تم لذلك العاصي فعل تلك المعصية فالواجب عليه الخروج من الصلاة وإنكار ذلك المنكر.
والحاصل أن هذه الشريعة المطهرة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد والموازنة بين أنواع المصالح وأنواع المفاسد وتقديم الأهم منها على ما هو دونه ومن لم يفهم هذا فهو لم يفهم الشريعة كما ينبغي والأدلة الدالة على هذا الأصل من الكتاب والسنة كثيرة جدا لا يتسع لها هذا المؤلف.
وقد ذكر الجلال ها هنا أبحاثا ساقطة البنيان مهدومة الأركان ليس في الاشتغال بدفعها إلا تضييع الوقت وشغلة الحير وإذا قد عرفت ما ذكرناه فيه تعرف الكلام على قوله: "أو تضيق وهي موسعة" وعلى قوله: "قيل أو أهم منها عرض قبل الدخول فيها".
ومما يؤيد ما حررناه لك في هذا البحث حديث جريج الثابت في الصحيح [البخاري"٢٣٥٠"، أحمد "٢/٣٨٥"]، أنها دعته أمه وهو يصلي فقال اللهم أمي وصلاتي وتردد أيهما أقدم فعوقب تلك العقوبة والحال أن إجابته لأمه وقضاء حاجتها لا تفوت باستمراره في صلاته وإكمالها فكيف إذا كان الاستمرار في الصلاة يحصل به هلاك مسلم وكان الخروج منها محصلا لحياته.
وهذا وإن كان من شرع من قبلنا فقد حكاه لنا رسول الله ﷺ ولم يذكر ما يخالفه في شرعنا فكان شرعا لنا كما تقرر في الأصول.
[ ١٤٩ ]