"من أي أمر صائل السفر وآخر الوقت وكونهم محقين مطلوبين غير طالبين إلا لخشية الكر فيصلي الإمام ببعض ركعة ويطول في الأخرى حتى يخرجوا ويدخل الباقون وينتظر في المغرب متشهدا ويقوم لدخول الباقين.
وتفسد بالعزل حيث لم يشرع وبفعل كثير لخيال كاذب.
وعلى الأولين بفعلها له"] .
قوله: باب: "وشروط جماعة الخوف من أي أمر صائل السفر".
أقول: الظاهر ثبوت مشروعية صلاة الخوف من كل أمر يخاف منه في السفر والحضر ولا يدل كونه ﷺ لم يصلها إلا من خوف خاص وفي إسفاره على أنها لا تصلى من خوف من غير آدمي ولا تصلى في الحضر فإن العلة التي شرعت لها كائنة في الجميع ولا يصح التمسك بأنه ﷺ لم يصلها في المدينة مع اشتداد الملاحمة والمدافعة لأنه ﷺ اشتغل هو وأصحابه بمواقعة الأحزاب حتى قال له عمر يا رسول الله ما كدت اصلي العصر حتى كادت الشمس
[ ١٩٠ ]
تغرب فقال له النبي ﷺ: "والله ما صليتها"، قال جابر فقمنا إلي بطحان فتوضأ النبي ﷺ للصلاة وتوضأنا فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب هكذا في البخاري ["٥٩٦، ٥٩٨، ٤١١٢"، مسلم "٦٣١"، الترمذي "١٨٠"، النسائي "٣/٨٤"]، من حديث جابر وفي الموطأ أن الذين فاتهم الظهر والعصر والمغرب وأنهم صلوا بعد هدوء من الليل.
وأيضا قد أخرج النسائي وابن حبان من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل قوله تعالي: ﴿فَرِجَالًا أو رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] .
وأما اشتراط أن تكون صلاة الخوف في آخر الوقت فلا دليل عليه بل تفعل في أول الوقت ووسطه وآخره على حسب ما يقتضيه الحال.
وأما اشتراط كونهم محقين مطلوبين غير طالبين فلم يرد ما يدل على ذلك وقد صلاها رسول الله ﷺ في كثير من المواطن وهو طالب للكفار غير مطلوب.
قوله: "فيصلي الإمام ببعض ركعة" الخ.
أقول: قد وردت صلاة الخوف على أنحاء مختلفة وثبت فيها صفات فأيها فعل المصلون فقد أجزأهم وقد ذكرنا ما ورد فيها من الأنواع في شرحنا للمنتقي وذكرنا جملة ما صح من ذلك فليرجع إليه فإن إيراده هنا يحتاج إلي تطويل يخالف ما هو الغرض لنا من التنبيه على الصواب والإرشاد إلي الحق.
وهذه الصفة التي ذكرها المصنف هي من جملة الصفات الواردة ولا وجه للاقتصار عليها فإن ذلك تضييق لدائرة قد وسعها الله على عباده.
قوله: "وتفسد بالعزل حيث لم يشرع".
أقول: إذا لم يوافق العزل صفة من الصفات الواردة فغاية ما هناك أنه أتى ببعض صلاته جماعة وبعضها فرادى وذلك لا يقتضي الفساد.
وأما فسادها بالفعل الكثير للخيال الكاذب فقد قدمنا في الفعل الكثير ما يغني عن الإعادة.
[فصل
فإن اتصلت المدافعة فعل ما أمكنه ولو في الحضر ولا تفسد بما لا بد منه من قتال وانفتال ونجاسة على آلة الحرب وعلى غيرها تلقى فورا ومهما أمكن الإيماء بالرأس فلا قضاء وإلا وجب الذكر والقضاء.
ويؤم الراجل الفارس لا العكس] .
قوله: "فصل فإن اتصلت المدافعة فعل ما أمكنه".
[ ١٩١ ]
أقول: يدل على هذا قول الله سبحانه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:٦]، وقوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ويدل على ذلك ما أخرجه أبو دأود ["١٢٤٩"] عن عبد الله ابن أنيس قال: بعثني رسول الله ﷺ إلي خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال: "اذهب فاقتله" قال: وحضرت صلاة العصر فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء يماء نحوه فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك، فقال: إني لفي ذاك فمشيت معه ساعة حتى أمكنني ثم علوته بسيفي حتى برد.
ومثل هذا من هذا الصحأبي المبعوث في هذا الأمر المهم لا يخفى على رسول الله ﷺ وفيه دليل على أنه يفعل ما أمكنه ولو بمجرد الايماء وإلي غير القبلة وفيه أنه لا يشترط ما تقدم من كونهم مطلوبين وفيه أن صلاة الخوف تصح أن تكون فرادى.
[ ١٩٢ ]