وهي من بعد انبساط الشمس إلي الزوال ركعتان جهرا ولو فرادى بعد قراءة الأولى سبع تكبيرات فرضا يفصل بينهما الله أكبر كبيرا إلي آخره ويركع بثامنة وفي الثانية خمس كذلك ويركع بسادسة ويتحمل الإمام ما فعله مما فات اللاحق] .
قوله: باب: "وفي وجوب صلاة العيدين خلاف".
أقول: هذه العبارة لا تفيد السامع ولا يحسن السكوت عليها لأنه غالب مسائل الفروع هكذا فيها خلاف ولعله لم يتقرر دليل الوجوب للمصنف كما ينبغي وكان عليه أن يقف على ما دون الوجوب ويجزم به كعادته في هذا الكتاب حتى يكون لكلامه فائدة يستفيدها المقلد.
واعلم أن النبي ﷺ لازم هذه الصلاة في العيدين ولم يتركها في عيد من الأعياد وأمر الناس بالخروج إليها حتى أمر بخروج النساء العواتق وذوات الخدور والحيض وأمر الحيض أن يعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين حتى أمر من لا جلباب لها أن تلبسها صاحبتها من جلبابها وهذا كله يدل على أن هذه الصلاة واجبة وجوبا مؤكدا على الأعيان لا على الكفاية.
ويزيد ذلك تأكيدا أنه صلي الله عليه وسلم أمر الناس بالخروج لقضائها في اليوم الثاني مع اللبس كما تقدم، وهذا شأن الواجباتلا غيرها.
قوله: "وهي من بعد انبساط الشمس إلي الزوال".
أقول: قد قدمنا حديث أن النبي ﷺ أمر الناس أن يفدوا إلي مصلاهم لما أخبره الركب برؤية الهلال.
[ ١٩٢ ]
وأخرج أبو دأود ["١١٣٥"وابن ماجه "١٣١٧"]، أن عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ أنكر على الإمام الذي أبطأ بصلاة العيد ورجال إسناده عند أبي دأود ثقات.
وأخرج أحمد بن الحسن البناء عن جندب في كتاب الأضاحي قال كان النبي ﷺ يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح هكذا ذكره ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه.
وأخرج الشافعي في حديث مرسل أن النبي ﷺ كتب إلي عمرو ابن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر وذكر الناس.
قوله: "وهي ركعتان جهرا ولو فرادى".
أقول: أصل كل صلاة تصح فرادى كما تصح جماعة وصلاة العيد صلاة من الصلوات فمن ادعى أنها لا تصح فرادى كان عليه الدليل ولا يصلح لذلك أنه ﷺ ما صلاها إلا جماعة فإن غاية ما يستفاد من ذلك أن التجميع في العيد أولى ولا شك في ذلك ومحل النزاع الصحة فمن نفاها فهو المحتاج إلي الدليل.
وهكذا الجهر هو الثابت عنه ﷺ ولكنه لا ينفي صحة الإسرار.
قوله: "بعد قراءة الأولى سبع تكبيرات فرضا".
أقول: لم يصح في كون التكبير بعد القراءة شيء أصلا بل لم يكن في ذلك حديث ضعيف فضلا عن أن يوجد فيه حديث صحيح أو حسن وأما تقديم التكبير في الركعتين على القراءة ففيه حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ: "التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى والقراءة بعدهما كلتيهما"، أخرجه أبو دأود ["١١٥١"]، والدارقطني وأخرجه من غير ذكر تقديم التكبير على القراءة أحمد ["٦/١٤٠، ١٤١"]، وابن ماجه ["١٢٧٩"] .
قال العراقي إسناده صحيح وقال الترمذي في العلل المفردة عن البخاري إنه قال حديث صحيح.
وأخرج الترمذي عن عمرو بن عوف المزني أن النبي ﷺ كبر في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة قال الترمذي هو أحسن شيء في هذا الباب عن النبي ﷺ وأخرجه الدارقطني وابن عدي والبيهقي وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال الشافعي وأبو دأود إنه ركن من أركان الكذب وقال ابن حبان له نسخة موضوعة عن أبيه عن جده قال ابن حجر في التلخيص وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي وأجاب النووي في الخلاصة على المنكرين على الترمذي فقال لعله اعتضد بشواهد وغيرها قال العراقي في شرحه للترمذي إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري فقال قال في كتاب العلل المفردة سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال ليس في هذا الباب شيء أصح منه وبه أقول: انتهى.
وأخرج ابن ماجه ["١٢٧٧"]، عن سعد القرظ أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين في
[ ١٩٣ ]
الأولى سبعا قبل القراءة وفي الأخرى خمسا قبل القراءة وفي إسناده ضعف.
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا وتصلح للاحتجاج بها في كون التكبير قبل القراءة وفي كون التكبير سبعا في الأولى وخمسا في الثانية.
وقد وردت روايات أخر في عدد التكبير مقوية لهذه الأحاديث.
قوله: "ويفصل بينهما ندبا الله أكبر" الخ.
أقول: هذا الندب لا يستند إلي كتاب الله ولا إلي سنة رسول الله ولا إلي قول صحأبي ولا تابعي ومجرد أنه استحسنه فرد من أفراد العلماء لا يصلح لإثبات الندب فإن الندب هو أحد الأحكام الخمسة ولا يثبت إلا بدليل يدل عليه في هذا التسرع إلي التقول على الشرع بما لم يكن منه.
والحاصل أن صلاة العيد هي أن يكبر المصلي للإحرام ثم يكبر في الأولى سبع تكبيرات ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم يقوم إلي الركعة الثانية فيكبر خمسا ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن وإذا أراد أن يقتدي بالقراءة التي كان يقرأ بها رسول الله ﷺ في صلاة العيد قرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أو قرأ في الأولى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وفي الثانية بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ فهذا هو المروي عن رسول الله ﷺ في قراءته في العيدين.
وأما قوله: "ويتحمل الإمام ما فعله مما فات اللاحق" فلم يدل على هذا التحمل دليل وقد تقدم في أدلة قراءة الفاتحة في كل ركعة ما ينبغي اعتباره هنا وهكذا هذه الأحاديث المذكورة في تكبير صلاة العيدين يفعلها المؤتم كما يفعلها الإمام فلا يكون المؤتم مدركا للركعة إلا بقراءة فاتحتها والإتيان بما شرع فيها من التكبير.
[فصل
"وندب بعدها خطبتان كالجمعة إلا أنه لا يقعد أولا ويكبر في الأولى تسعا وفي آخرهما سبعا سبعا ومن خطبة الأضحى التكبير المأثور ويذكر حكم الفطرة والأضحية وتجزىء من المحدث وتارك التكبير وندب الإنصات ومتابعته في التكبير والصلاة على النبي ﷺ والمأثور في العيدين"] .
قوله: فصل: "وندب بعدها خطبتان كالجمعة".
أقول: هذا أعني كون الخطبتين بعد الصلاة هو الثابت عنه ﷺ في الأحاديث الصحيحة وأما كونهما مندوبتين فلما أخرجه النسائي ["١٥٧١" وابو دأود "١١٥٥" وابن ماجه
[ ١٩٤ ]
"١٢٩٠"]، من حديث عبد الله بن السائب قال شهدت مع النبي ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب"، وهذا الحديث هو من الأحاديث المسلسلة بيوم العيد وقد رويته مسلسلا بإسناد إلي النبي ﷺ في مجموعي الذي سميته إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر".
قوله: "إلا أنه لا يقعد أولا".
أقول: هذا صواب لأنه لم يرو عن النبي ﷺ أنه قعد في خطبة العيد بل كان يفرغ من الصلاة فيقوم ثم يخطب.
قوله: "ويكبر في الأولى تسعا" الخ.
أقول: لم يرد في ذلك دليل صحيح للتمسك به وأما ما رواه البيهقي عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أنه قال من السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى والثانية بسبع تكبيرات تترى فإن أراد سنة النبي ﷺ فالحديث مرسل وإن أراد سنة الصحابة فلا تقوم به الحجة إلا أن يكون إجماعا منهم قال ابن القيم وأما قول كثير من الفقهاء إنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم فيها سنة من النبي ﷺ ألبتة والسنة تقضي خلافها وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد انتهى.
وأما قوله: "وفي فصول الأولى من خطبة الأضحى التكبير المأثور" فلم يؤثر في ذلك شيء ألبتة فإن أراد أنه يستحب في فصول هذه الخطبة تكبير التشريق الذي سيأتي فهو لم يؤثر في خطبة العيد قط.
قوله: "ويذكر حكم الفطرة والأضحية".
أقول: أما ذكر حكم الفطرة في خطبة عيد الفطر فلم يثبت في ذلك شيء ولكنه إذا فعل ذلك الخطيب فهو من البيان الذي شرعه الله مع كون ذلك مزيد اختصاص بهذا اليوم.
وهكذا ذكر حكم الأضحية وما يجزىء منها وما لا يجزىء وبيان وقتها وما ينبغي للمضحي أن يفعله في أضحيته وقد ثبت عن النبي ﷺ: "أنه خطب يوم الأضحى فذكر مشروعية النحر بعد الصلاة وأن من نحر قبل الصلاة فليست بأضحية".
وأما كون الخطبة تجزىء من المحدث فذلك صواب لعدم الدليل على أن يكون الخطيب متطهرا.
وأما أنها تجزىء من تارك التكبير فتارك التكبير ابعد من البدعة من فاعله كما قدمنا.
وأما كون الإنصات مندوبا فلكون سامع الموعظة ينبغي له أن يفهمها وإذا اشتغل بالكلام ولم ينصت لم يفهمها فهو إنما يحسن من هذه الحيثية لا من حيث الدليل فإنه لم يرد في خطبة العيد ما يدل على ذلك ولا ورد ما يدل على المتابعة في التكبير ولا ورد ما يدل في خصوص خطبة العيد على المتابعة في الصلاة على النبي ﷺ ولكنه ورد ما يدل على مشروعية الصلاة عليه ﷺ عند ذكره وهم أعم من أن يكون في خطبة العيد أو في غيرها ولم يخص إلا خطبة الجمعة لوجوب الإنصات فيها.
[ ١٩٥ ]
قوله: "وندب المأثور في العيدين"
أقول: من المأثور في العيدين أن تكون الصلاة في الجبانة إلا لعذر من مطر أو نحوه وأن يخالف الإمام ومن معه الطريق فيرجعون في طريق غير الطريق التي جاءوا منها ورفع الصوت بالتكبير والتهليل وتعجيل الخروج لصلاة الأضحى وتأخيره لصلاة الفطر وأن لا يغدو لصلاة الفطر حتى يطعم ويخرج لصلاة الأضحى قبل أن يطعم وأن لا يصلي قبل صلاة العيد ولا بعدها وأن يلبس أحسن ما يجد ويتطيب بأجود ما يجد وأن يخرج إلي العيد ماشيا وأن يستكثر من الموعظة للرجال والنساء ويرغبهم في الصدقة.
[فصل
"وتكبير التشريق سنة مؤكدة عقيب كل فرض من فجر عرفة إلي آخر أيام التشريق ويستحب عقيب النوافل"] .
قوله: فصل: "وتكبير التشريق سنة مؤكدة" الخ.
أقول: قد ثبت الأمر بالذكر في الأيام المعدودة قال الله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرو: ٢٠٣]، وهي أيام التشريق وثبت عنه ﷺ مطلق التكبير وفي صحيح مسلم ["١١/٨٩٠"]، أنه ﷺ قال: "والحُيَّضُ يَكُنَّ خلف الناس يكبرن مع الناس".
وفي البخاري ["٩٢٨"]،: أن أم عطية قالت كنا نؤمر أن نخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم.
وثبت في الصحيح عن عمر أنه كان يكبر فيكبر من في المسجد ويكبر بتكبيرهم من في الأسواق وأنه كان يقع ذلك مرة بعد مرة في دبر الصلاة وغيرها من الأوقات.
والحاصل أن المشروع في ايام التشريق الاستكثار من ذكر الله ﷿ خصوصا التكبير والمراد مطلق التكبير وهو أن يقول الله أكبر ويكرر ذلك في الأوقات ومن جملتها عقب الصلاة ولا وجه لتخصيصه بعقب الصلاة ولا لجعل يوم عرفة من جملة الأيام التي يستحب فيها تكبير التشريق فإن أيام التشريق هي أيام النحر وهي يوم النحر ويومان بعده.
وأما يوم عرفة فهو من الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة التي قال الله سبحانه فيها: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] وثبت فيها كما في البخاري ["٩٦٩"]، وغيره [أحمد "١/٢٢٤" الترمذي "٧٥٧"، ابن ماجة "١٧٢٧"، أبو دأود "٢٤٣٨"]، من حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلي الله ﷿ من هذه الأيام"، يعني ايام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وما له ثم لم يرجع بشيء من ذلك".
وأخرج مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والحمد".
[ ١٩٦ ]