في كل ركعة خمسة ركوعات قبلها ويفصل بينها الحمد مرة والصمد والفلق سبعا سبعا ويكبر موضع التسميع إلا في الخامس.
وتصح جماعة وجهرا وعكسهما وكذلك لسائر الإفزاع أو ركعتين لها.
وندب ملازمة الذكر حتى ينجلي ويستحب للاستسقاء أربع بتسلمتين في الجبانة ولو سرا وفرادى ويجأرون بالدعاء والاستغفار ويحول الإمام رداءه راجعا تاليا للمأثور] .
قوله: باب: "ويسن للكسوفين حالهما ركعتان في كل ركعة خمس ركوعات قبلها" الخ
أقول: هذا أكثر ما ورد في صلاة الكسوف فالأخذ به أخذ بالزيادة ولكن أصح ما ورد في صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان فإن هذا هو الثابت في الصحيحين [البخاري "١٠٥٢"، "مسلم "١٧/٩٠٧"]، وغيرهما [أحمد "١/٢٩٨، ٢٥٨، ٣٥٩"، النسائي "٣/١٤٦، ١٤٨"]، من طرق ثم دون هذا في الصحة مع كونه صحيحا في كل ركعة ثلاثة ركوعات وكذا ركعتان في كل ركعة أربعة ركوعات ثم دون هذين في الصحةركعتان في كل ركعة خمس ركوعات وورد ركعتان في كل ركعة ركوع وورد أن صلاة الكسوف تكون كأحدث صلاة صلوها.
فجملة ما ورد ركوع في كل ركعة وركوعان في كل ركعة وثلاثة في كل ركعة وأربعة في كل ركعة وخمسة في كل ركعة وكأحدث صلاة فهذه ست صفات وقد استشكل كثير من المحدثين وقوع مثل هذا الاختلاف مع كونه ﷺ لم يصل صلاة الكسوف إلا مرة واحدة وذكروا في الجمع وجوها ليس هذا موضع ذكرها وإذا تقرر لك أن مخرج هذه الأحاديث متفقا وأن القصة واحدة عرفت أنه لا يصح ها هنا أن يقال كما قيل في صلاة الخوف أنه يأخذ بأي الصفات شاء بل الذي ينبغي ها هنا أن يأخذ بأصح ما ورد وهو ركوعان في كل ركعة لما في الجمع بين هذه الروايات من التكلف البالغ.
ثم أعلم أنه قد اجتمع ها هنا في صلاة الكسوف الفعل والقول ومن ذلك قوله ﷺ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلي المساجد". البخاري ["١٠٤٤"] .
وفي رواية: "فصلوا وادعوا".
والظاهر الوجوب فإن صح ما قيل من الإجماع على عدم الوجوب كان صارفا وإلا فلا.
[ ١٩٧ ]
قوله: "ويفصل بينهما الحمد مرة والصمد والفلق سبعا سبعا".
أقول: كان يغني عن هذا الرأي البحث والاستحسان الصرف ما ثبت عن النبي ﷺ انه كان يقرأ بعد كل ركوع بسورة من الطوال ولا وجه ها هنا لتكرير الحمد بعد كل ركوع بل يقرأ بعد الدخول في الصلاة ثم يقرأ بين كل ركوعين بسورة من الطوال اقتداء برسول الله ﷺ.
وأما قوله: "ويكبر موضع التسميع"، فهو خلاف الثابت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين [البخاري "١٤٠٧"، مسلم "٩٠١"]، وغيرهما [أحمد "٦/١٦٨"، ابن ماجة "١٢٦٣"]، من حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يقول عند الارتفاع من الركوع: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" وكذلك كان يقول عند الارتفاع من الركوع الثاني.
وهكذا ينبغي أن يقال عند الارتفاع من سائر الركوعات لمن أراد أن يأتي بالزيادة على ركوعين في كل ركعة اقتداء بما فعله رسول الله ﷺ لأن الذي في رواية عائشة في هذا الحديث الذي فيه التسميع والتحميد هو في صلاته ﷺ ركعتين في كل ركعة ركوعان.
قوله: "وتصح جماعة وجهرا وعكسهما".
أقول: الثابت عنه ﷺ في هذه المرة التي صلى فيها صلاة الكسوف أنه صلاها جماعة وجهر فيها بالقراءة ولكن أمره ﷺ بالصلاة يتنأول صلاة الفرادى وصلاة الإسرار مع أنه ثبت من حديث سمرة عند أحمد ["٥/١٦"]، وأهل السنن [أبو دأود "١١٨٤"، النسائي "٣/١٤٠"]: "أن النبي ﷺ صلى بهم في الكسوف لا يسمعون له صوتا"، وقد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ولكن روايات الجهر أصح وأكثر ورأوي الجهر مثبت وهو مقدم على النافي.
قوله: "وكذلك لسائر الإفزاع".
أقول: إذا لم تثبت الصلاة لمثل ذلك كان فعلها لحدوث الأمر المفزع بدعة من هذه الحيثية لا من حيثية كونها صلاة ولم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء وما روي عن بعض الصحابة لم يصح ولو صح لم تقم به الحجة"
قوله: "وندب ملازمة الذكر حتى تنجلي".
أقول: ثبت في الصحيحين [البخاري "١٠٤٤"، مسلم "٩٠١"]، عن النبي ﷺ أنه قال في الكسوف: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا" وفي لفظ آخر فيهما [البخاري "١٠٥٩"، مسلم "٢٤/٩١٢"]، "فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلي ذكر الله ودعائه واستغفاره"، وفي لفظ لهما [البخاري "١٠٦٠"، مسلم "٩/٩٠٤"]: "فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنجلي".
قوله: "ويستحب للاستسقاء أربع بتسليمتين".
أقول: لم يرد عنه ﷺ أنه صلى أربعا ولا أرشد إلي صلاة الأربع بل الثابت عنه أنه صلى ركعتين فقط وثبت عنه أنه خطب بعد صلاته للركعتين وثبت عنه أنه استسقى في خطبة الجمعة وثبت أنه خطب قبل صلاة الركعتين والكل سنة.
وثبت عنه ﷺ: أنه جهر بالقراءة.
[ ١٩٨ ]
وأما قول المصنف ﵀ ولو سرا أو فرادى فذلك رجوع إلي ما هو أصل كل صلاة أنها تصح سرا وجهرا وجماعة وفرادى.
ولكن الاقتداء بالنبي ﷺ فيما ثبت عنه هو الذي ينبغي اعتماده.
وأما ما ذكره من الجأر بالدعاء والاستغفار فقد ثبت عن النبي ﷺ: "أنه كان يدعو ويحول وجهه إلي القبلة ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ولا يزال في الدعاء والتضرع".
وما ذكره من تحويل الرداء فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه حول رداءه وحول أصحابه ولا وجه لتقييد ذلك بحال الرجوع فقد كان النبي ﷺ يفعله حال الدعاء والخطبة.
وأما قوله: "تاليا للمأثور" فلم يرد في ذلك شيء يصلح للتمسك به لا في حال الخطبة والدعاء ولا في حال الرجوع ولكنه روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر بن الخطاب أنه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا ما رأيناك استسقيت فقال لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآية.
[فصل
"والمسنون من النفل ما لازمه الرسول ﷺ وأمر به وإلا فمستحب وأقله مثنى وقد يؤكد كالرواتب ويخص كصلاة التسبيح والفرقان ومكملات الخمسين.
فأما الترأويح جماعة وصلاة الضحى بنيتها فبدعة"] .
قوله: فصل: "والمسنون من النقل ما لازمه الرسول ﷺ وأمر به". الخ.
أقول: مراده أنه قد تبين أن ذلك الذي لازمه وأمر به نفل بدليل يدل على ذلك ولهذا قال من النفل فلا يرد عليه باعتبار عبارته شيء ولكنه يقال له ما لازمه فقط فهو سنة وما أمر به أمرا لا يراد به المعنى الحقيقي لوجود صارف فهو سنة وما اجتمع فيه القول والفعل فلا شك أن له مزيد خصوصية فهو آكد مما لم يرد فيه إلا أحدهما فإن أراد هذا المعنى فلا وجه لجعل البعض مسنونا والبعض مستحبا لأن المستحب والمندوب عنده وعند من يوافقه من أهل الأصول والفروع لهما رتبة دون رتبة المسنون.
والحق أن الكل يصدق عليه اسم السنة وإن كان بعضه آكد من بعض لكونه ثابتا بالسنة النبوية بل السنة تشمل ما ثبت وجوبه بالسنة فإن قلت هذا اصطلاح ولا مشاحة فيه قلت إذا جرى الاصطلاح على ما يخالف المعنى الشرعي فهو مدفوع من أصله.
قوله: "وأقله مثنى".
أقول: أما الإيتار بركعة فقد ثبت ثبوتا متواترا وذلك واضح ظاهر لكل من له أدنى اطلاع على السنة المطهرة وقد صح عن النبي ﷺ أنه وصف صلاة النفل بالليل والنهار أنها "مثنى
[ ١٩٩ ]
مثنى" [أحمد "٢/٢٦، ٥١"، أبو دأود "١٢٩٥"، الترمذي "٥٩٧"، النسائي "١٦٦٦"، ابن ماجة "١٣٢٢"، وخص صلاة الوتر بالزيادة فصلاها أربعا أربعا وورد ما يدل على جواز الزيادة على أربع متصلة وخصها أيضا بالنقصان فجوز الإيتار بركعة واجتمع في ذلك قوله وفعله.
قوله: "وقد يؤكد كالرواتب".
أقول: رواتب الفرائض قد اجتمع فيها القول والفعل وثبت ذلك ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة فهي داخلة في المسنون من النفل دخولا أوليا فأفرادها بالذكر تطويل بلا طائل.
قوله: "وقد يخص التسبيح".
أقول: كأنه لم يرد في النوافل دليل يخصها إلا هذه التي ذكرها وذلك من أغرب ما يقرع سمع من يعرف الأدلة فإنه قد ورد في الاثني عشر الركعة التي هي رواتب الفرائض "أن من صلاها في يوم وليلة بنى له بيت في الجنة" [مسلم "٧٢٨"، أبو دأود "١٢٥٠"، النسائي "٣/٢٦١"، الترمذي "٤١٥"، ابن ماجة "١١٤١". وورد في كل راتبة من هذه الرواتب بخصوصها من الترغيبات ما لا يخفى على عارف فورد في الأربع قبل الظهر والأربع بعدها "أن من صلاها حرمه الله على النار" [أحمد "٦/٤٢٦"، النسائي "١٧٥٩"]، وقال ﷺ: "رحم الله امرأ صلى أربعا قبل العصر" [أحمد "١/١١٧"، أبو دأود "١٢٧١"، الترمذي "٤٣٠"]، وقال ﷺ في الركعتين قبل الفجر: "إنها خير من الدنيا وما فيها"، [مسلم "٧٢٥"، أحمد "٦/٥٠"، ٥١"، الترمذي "٤١٤"، النسائي "١٧٥٩"، وقال: "لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل" [أبو دأود "١٢٥٨"]، بل ورد في غالب النوافل في الليل والنهار من الترغيب بالأحاديث الصحيحة ما لا يخفى على عارف بل ورد في صلاة الضحى التي جعلها المصنف بدعة ما أخرجه البخاري ومسلم [البخاري "٣/٥٦"، مسلم "٧٢١"]، وغيرهما [أبو دأود "١٤٣٢"، الترمذي "٧٦٠"، النسائي "١٦٧٧"]، من حديث أبي هريرة قال: أوصاني خليل ﷺ بثلاث بصيام ثلاثة أيام في كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام.
وثبت في الصحيح [مسلم "٧٢٠"]، "أنه يصبح على كل سلامي صدقة وأنه يجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
فالعجب من المصنف حيث يعمد إلي صلاة التسبيح التي اختلف الناس في الحديث الوارد فيها حتى قال من قال من الأئمة إنه موضوع وقال جماعة إنه ضعيف لا يحل العمل به فيجعلها أول ما خص بالتخصيص وكل من له ممارسة لكلام النبوة لا بد أن يجد في نفسه من هذا الحديث ما يجد وقد جعل الله في الأمر سعة عن الوقوع فيما هو متردد ما بين الصحة والضعف والوضع وذلك بملازمة ما صح فعله أو الترغيب في فعله صحة لا شك فيها ولا شبهة وهو الكثير الطيب.
قوله: "والفرقان".
أقول: رحم الله المصنف فإن هذه الصلاة التي جعلها مما خص بالتخصيص مكذوبة
[ ٢٠٠ ]
موضوعة لم يثبت فيها حرف عن رسول الله ﷺ ولا عن غيره من الصحابة وما روي في ذلك عن علي فلا أصل له وهكذا الاختيار والانتفاء والانتقاد، وبالجملة صنع من لا يفرق بين أصح الصحيح وأكذب الكذب.
قوله: "ومكملات الخمسين".
أقول: لا يعرف في السنة المطهرة استحباب مثل هذا ولا ثبت في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف وقد كان ﷺ يواظب على نوافل لا يخل بها في غالب الحالات.
فإن أراد المصنف ما كان يواظب عليه ﷺ مضموما إلي الفرائض فهو معروف وهو دون هذا العدد وإن أراد ما أرشد إليه أو كان يفعله في بعض الحالات فهو أكثر من هذا العدد.
فيا لله العجب حيث يعمد المصنف إلي مثل هذه الأمور التي لا دليل عليها أصلا فيجعلها مما خص من النوافل بمزيد مزية على غيرها فإن هذا صنع من لا يدري بالسنة أصلا.
قوله: "فأما الترأويح جماعة والضحى بنيتها فبدعة".
أقول: أما صلاة الترأويح فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى في ليال من رمضان وائتم به جماعة من الصحابة وعلم بهم فترك ذلك مخافة أن تفترض عليهم وهذا ثابت في أحاديث صحيحة في الصحيحين [البخاري "٢٠٠٩"، مسلم "١٧٣/٧٥٩"، وغيرهما [ابو دأود "١٣٧١"، النسائي "٤/١٥٦"، الترمذي "٨٠٨"، ابن ماجة "١٣٢٦"، أحمد "٢/٢٨١، ٢٨٩، ٤٠٨، ٤٢٣"]، وبهذا يتقرر أن صلاة النوافل في ليالي رمضان جماعة سنة لا بدعة لأن النبي ﷺ لم يتركها إلا لذلك العذر وثبت أيضا عند أحمد ["٥/١٥٩، ١٦٠، ١٦٣"]، وأهل السنن أبو دأود "١٣٧٥"، النسائي ""٣/٨٣، ٨٤"، "ابن ماجة ١٣٢٧"، الترمذي ٨٠٦"]، وصححه الترمذي ورجاله رجال الصحيح عن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يصل بنا حتى مضى سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلثا الليل ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال: "إنه من قام مع الإمام حتى يتصرف كتب له قيام ليلة" ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلث الشهر فصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح؟ قال: السحور.
ففي هذا الحديث أنه ﷺ صلى بهم في النافلة في ليالي رمضان جماعة فكيف تكون الجماعة بدعة كما قال المصنف ولم يقع من عمر إلا أنه لما خرج إلي المسجد فوجد الناس أوزاعا متفرقين يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أولى ثم عزم فجمعهم على أبي ابن كعب. [البخاري "٢٠١٠"]
فقد كانت الجماعة موجودة في المسجد بعد موت النبي ﷺ وقبل أن يجمعهم عمر وبهذا كله تعرف أن التجميع في النوافل في ليالي رمضان سنة لا بدعة.
وأما ما استحسنه جماعة من أهل العلم من جعل هذه الصلاة عشرين ركعة وجعل القراءة
[ ٢٠١ ]
في كل ركعة شيئا معينا فهذا لم يكن ثابتا بخصوصه لكنه من جملة ما يصدق عليه أنه صلاة وأنه جماعة وأنه في رمضان.
وأما صلاة الضحى التي جعلها المصنف بنيتها بدعة فكما قال الشاعر:
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل
وقد ذكرت في شرحي للمنتقي الأحاديث الواردة فيها وهي شيء واسع فمن أحب الوقوف على ذلك فليرجع إليه حتى يتبين له هذا الخبط والخلط الذي وقع من المصنف فإنه جعل السنن بدعا والبدع سننا والأمر لله العلي الكبير.
[ ٢٠٢ ]