كتاب الزكاة
[فصل
تجب في الذهب والفضة والجواهر واللالئ والدر والياقوت والزمرد والسوائم الثلاث وما انبتت الأرض والعسل من ملك ولو وقفا أو وصية أو بيت مال لا فيما عداها الا لتجارة أو استغلال] .
قوله: فصل: "تجب في الذهب والفضة" الخ.
أقول: أما وجوب الزكاة في الذهب والفضة فلا شك في ذلك للأدلة الصحيحة وسيأتي الكلام عليها في باب زكاة الذهب والفضة.
وأما وجوبها في الجواهر المذكورة فليس على ذلك دليل ولعله يأتي تحقيق الكلام ان شاء الله عند ذكرها في باب زكاة الذهب والفضة.
وهكذا يأتي تفصيل الكلام على زكاة السوائم وأما انبتت الأرض والغسل.
[ ٢٢٧ ]
وأما وجوب الزكاة في الوقف والوصية وبيت المال فليس على ذلك دليل الا عمومات لا تنطبق دلالتها على محل النزاع.
وهكذا يأتي الكلام على زكاة التجارة والمستغلات وإنما أراد المصنف بعقد هذا الفصل حصر ما تجب فيه الزكاة.
[فصل
وإنما تلزم مسلما كمل النصاب في ملكه طرفي الحول متمكنا أو مرجوا وان نقص بينهما ما لم ينقطع وحول الفرع حول أصله وحول البدل حول مبدله ان اتفقا في الصفة وللزيادة حول جنسها وما تضم اليه قيل ويعتبر بحول الميت ونصابه ما لم يقسم المال أو يكون مثليا أو يتحد الوارث.
وتضيق بإمكان الأداء فيضمن بعده وهي قبله كالوجيعة قبل طلبها.
وإنما تجزئ بالنية من المالك المرشد وولي غيره أو الإمام أو المصدق حيث أجبرا أو أخذا من نحو وديع مقارنة لتسليم أو تمليك فلا تتغير بعد وان غير أو متقدمة تتغير قبل التسليم.
وتصح مشروطة فلا يسقط بها المتيقن ولا يردها الفقير مع اللإشكال] .
قوله: فصل: "وإنما تلزم مسلما".
أقول: جعل الإسلام شرطا للزوم الزكاة صواب ولا ينافيه القول بأن الكفار مخاطبون بالشرعيات لأن معنى خطابهم بها عند من قال به هو أنهم يعذبون بترك ما يجب فعله وفعل ما يجب تركه لأن ذلك مطلوب منهم في حال كفرهم ولم يذكر المصنف ها هنا اشتراط التكليف لان الزكاة من الواجبات المتعلقة بالأموال سواء كان المالك مكلفا أو غير مكلف ولكن لا يخفى عليك ان غير المكلف مرفوع عنه قلم التكليف فلا بد من دليل يدل على استحلال جزء من ماله وهو الزكاة ولم يرد في ذلك إلا عمومات يصلح ما ورد في رفع القلم عن غير المكلف لتخصيصها ولم يثبت عن النبي ﷺ شيء في خصوص ذلك يصلح للتمسك به ولا حجة في فعل بعض الصحابة والأموال معصومة بعصمة الإسلام فلا يحل استباحة شيء منها بمحرد مالا تقوم به الحجة لا سيما أموال الأيتام التي ورد في التشديد في أمرها ما ورد.
وأما حديث: "من ولي يتيما فليتجر له ولا يتركه تأكله الصدقة" فأخرجه الترمذي ["٦٤١"] والدارقطني والبيهقي وفي إسناده المثنى بن الصباح وهو ضعيف وقال أحمد بن حنبل ليس هذا الحديث بصحيح وروى بأسانيد أخرى فيها متروكون وضعفاء.
[ ٢٢٨ ]
وهكذا حديث: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة"، لا تقوم به الحجة فإنه رواه الشافعي مرسلا وروى من طرق لا تصح.
وأما وجوب الفطرة على غير المكلف فليس ذلك من تكليف غير المكلف بل من تكليف ولله كما صرحت به الأدلة وأنه يخرجها من مال نفسه عنه وعمن ينفقه.
وأما ما ورد في الزكاة من أنها تؤخذ من الأغنياء وترد في الفقراء فهذا متوجه إلي المكلفين كغيره من التكاليف ودعوى أن غير المكلفين داخلون في هذا مصادرة على المطلوب لأنه استدلال بمحل النزاع.
قوله: "كمل النصاب في ملكه طرفي الحول"
أقول: قد دلت الأدلة في كل نوع من الأنواع التي تجب فيها الزكاة على إن له نصابا معلوما يتعلق الوجوب به ويسقط الوجوب إن لم يكمل فمن زعم انه يثبت الوجوب في دون النصاب من كل نوع فقد خالف الأدلة الصحيحة فإن تمسك بعمومات أو مطلقات فقد ترك العمل بالمخصصات والمقيدات وذلك تقصير في الاجتهاد وترك لما يجب العمل به وإعمال لبعض الأدلة وإهمال للبعض الآخر.
وأما ما ورد في الشريكين فسياتي أنه ﷺ جعل اجتماع الغنم في المسرح والمراح بمنزلة الاجتماع في الملك.
وأما قوله: "طرفي الحول" فذلك فيما كان حول الحول شرطا له لأما كان المعتبر فيه حصول نصاب منه عند حصوله كما أخرجت الأرض.
ثم الظاهر انه لا بد من استمرار كمال النصاب في جميع الحول من كل نوع من الأنواع التي اعتبر فيها الحول فإذا نقص المال عن النصاب في بعض الحول ثم كمل بعد ذلك استأنف التحويل من عند كماله إذا لم يكن النقص لقصد التحيل لعدم وجوب الزكاة.
وظاهر ما ورد في اعتبار الحول انه لا بد ان يكون النصاب كاملا من أوله إلي آخره كما في حديث على عند [أحمد "١/١٤٨"، وأبي دأود "١٥٧٣"، والبيهقي: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي دأود والترمذي بلفظ: "من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول".
وحديث علي أيضا عند أبي دأود عن النبي ﷺ قال: "إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار" وقد نقل عن البخاري تصحيحه وحسنه ابن حجر.
وقد ورد اعتبار الحول من حديث عائشة عند ابن ماجه [١٧٩٢"]، والدارقطني والبيهقي والعقيلي وفي إسناده حارثة بن أبي الرجال وفيه ضعف ومن حديث أنس عند الدارقطني وفيه
[ ٢٢٩ ]
حسان بن سياه وهو ضعيف ومن حديث ابن عمر أيضا عند الدارقطني والبيهقي وفيه إسماعيل بن عياش. ومجموع هذه الأحاديث تقوم به الحجة في اعتبار الحول واعتبار ان يكون النصاب كاملا من أول الحول إلي آخره ولا يشترط أن يكون في يده بل إذا كان في يد غيره وديعة أو نحوها وكان متمكنا من اخذه متى أراده فهو في حكم الموجود لديه وهكذا إذا كان دينا على الغير وكان يتمكن منه متى أراد فهو في حكم الموجود لديه لا إذا كان لا يتمكن منه متى أراد فهو في حكم المعدوم فيستأنف التحويل له من عند قبضه ومثله المال المأيوس من رجوعه إذا رجع.
قوله: "وحول الفرع حول أصله".
أقول: استدلوا على هذا بما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي عن سفيان بن عبد الله الثقفي ان عمر بن الخطاب قال له تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا تأخذها ولكنه قد ثبت في المرفوع ما يدل على عدم الاعتبار بالصغار فأخرج أحمد وأبو دأود والنسائي والدارقطني والبيهقي من حديث سويد بن غفلة قال اتانا مصدق رسول الله ﷺ فسمعته يقول ان في عهدي انا لا نأخذ من راضع لبن وهذا يدل على ان الزكاة لا تؤخذ من راضع لبن.
وظاهره عدم الفرق بين ان يكون منفردا أو مع الامهات واحاديث اعتبار الحول تدل على انه لا بد من ان يحول على الفرع وأما قوله وحول البدل حول مبدله فظاهر أحاديث الحول انه لا بد من ان يحول على البدل الحول لانه مال مستفاد وان كان بدلا عن مال اصلى فلا تأثير لذلك وهكذا لا يكون للزيادة حول جنسها بل لا بد ان يكون نصابا وحال عليها الحول فمن كان له نصاب ثم استفاد زيادة عليه فلا يجب في تلك الزيادة شيء حتى تكمل نصابا فإذا كملت نصابا فلا بد ان يحول عليها الحول عملا بظاهر الادلة وإذا لم تضم الزيادة إلي جنسها قعدم ضمها إلي غير جنسها بالأولى فلا وجه لقوله: "وما تضم اليه".
وأبعد من هذا كله قول من قال إنه يعتبر لحول الميت ونصابه فإن هذا تكليف يخالف موارد الشريعة لان الميت مات ولم تجب عليه زكاة والحي صار اليه المال ودخل في ملكه بعد ان كان في ملك غيره فكيف يخاطب بزكاة مالم يستقر في ملكه الا بعض الحول.
قوله: "وتضيق بإمكان الأداء".
أقول: المراد انه يتضيق الوجوب على من عليه الزكاة إذا كان الوجوب قد ثبت عليه بكمال النصاب وحول الحول فيما يعتبر فيه الحول بإمكان الأداء وهو ان لايحول بينه وبين المال حائل ويحضر المصرف فإذا لم يمكن الوصول إلي المال ولاحصور المصرف فتكليف المزكي بإخراج الزكاة والحال هكذا من تكليف مالا يطاق وأما مع إمكان الأداء فلم يبق للمزكي عذر في التأخير فإن فات المال ضمنه وكون الواجبات على الفور هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة خصوصوا الزكاة التي ثبت فيها انه يقاتل من هي عليه حتى يؤديها وان عصمة ماله ودمه متوقفة
[ ٢٣٠ ]
على اخراجها وثبت عنه ﷺ انه قال: "من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن منعها فأنا آخذها وشطرا من ماله عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالي" [أحمد"٥/٤٢٢"، أبو دأود "١٥٧٥"، النسائي "٢٤٤٤"]، وأما كونها تجزئ بالنية فلكو نها عمل من الاعمال التي يقول فيها ﷺ: "إنما الاعمال بالنيات" ويقول فيها: "لا عمل إلا بنية" بل هي ركن من أركان الإسلام وضرورية من الضروريات الدينية ما ذكره المصنف بعد هذا إلي آخر الفصل فهو غني عن البيان.
[فصل
ولا تسقط ونحوها بالردة ان لم يسلم ولا بالموت أو الدين لادمي أو لله تعالي وتجب في العين فتمنع الزكاة وقدتجب زكاتان من مال ومالك وحول واحد] .
قوله: فصل: "ولا تسقط ونحوها بالردة"
أقول: الزكاة قد لزمته في حال إسلامه فخروجه من الإسلام أو موته لا يسقط هذا الواجب الذي قد وجب عليه الا بدليل ولا دليل وقد صح عنه ﷺ انه قال: "فدين الله احق ان يقضي"، [البخاري "١٩٥٣"، مسلم "١٥٤/١١٤٨"]، والزكاة من دين الله نعم إذا رجع إلي الإسلام كان حديث: "الإسلام يجب ما قبله" دليلا على سقوطها عليه لان ظاهره عدم الفرق بين ما كان في أيام كفره أو ايام إسلامه وتقييده بما كان في أيام الكفر يحتاج إلي دليل.
وأما حديث: "أسلمت على ما اسلفت من خير" [البخاري "١٤٣٦"، مسلم "١٩٥، ١٢٣"، أحمد "٣/٤٠٢"]، فهو في الطاعات التي يفعلها الكافرفي حال كفره ثم يسلم بعد ذلك وهكذا لا تسقط الزكاة بدين على المزكي سواء كان من ديون الله سبحانه أو من ديون بني آدم لان وجوب الزكاة لا يرتفع بوجوب شيء آخر الا بدليل.
قوله: "وتجب في العين فتمنع الزكاة".
أقول: الثابت في أيام النبوة ان الزكاة كانت تؤخذ من عين المال الذي تجب فيه وذلك معلوم لا شك فيه وفي أقواله ﷺ ما يرشد إلي ذلك ويدل عليه كقوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلي اليمن: "خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر"، أخرجه أبو دأود ["١٥٩٩"، وابن ماجه "١٨١٤"، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين.
وإذا عرفت هذا صار مقدار الزكاة في حكم الخارج عن ملك المزكي فلا يكمل به النصاب ولا يلزم فيه الزكاة.
وأما قوله: "وقد تجب زكاتان من مال ومالك وحول واحد" فذلك غير صحيح وبيانه انهم مثلوا لذلك بمن بذر الارض بحب للتجارة قالوا فإنه عندالحصاد يلزمه زكاتان زكاة التجارة
[ ٢٣١ ]
وزكاة الحصاد ولا يخفاك ان ذلك الحب الذي كان للتجارة ان بذر به الارض بعد ان حال عليه الحول فقد وجبت الزكاة بحول الحول فإذا بذر به في الارض لم يبق للتجارة ولا وجبت زكاة الحصاد فيه بل في الخارج من الارض بعد ان صار ذلك الحب مستهلكا لا وجود له فزكاة التجارة وجبت في مال وزكاة الحصاد وجبت في مال آخر ولم تجب في مال واحد فهذه المسألة من اصلها مبنية على غير الصواب.
[ ٢٣٢ ]