صلاة الجمعة لا يرخص في عدم حضورها إلا عذر عام أو خاص، وهي أوكد من صلاة الجماعة بإجماع المسلمين على أنها فرض عين، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٤.
أما الجماعة: فالقول الراجح أنها فرض عين.
_________________
(١) ١ سورة (الجمعة:٩) .
[ ٢٦٣ ]
وتسقط الجمعة والجماعة لعذر مما يأتي:
أولا: من الأعذار العامة:
المطر الشديد، والثلج الذي يبل الثياب، والبرد والوحل الذي يشق على الناس المشي فيه، وكل عذر يشق معه أداء الصلاة في المسجد..، لما روي عن نافع أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح فقال: "ألا صلوا في الرحال، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال "١.
قال ابن بطال: "أجمع العلماء أن التخلف عن الجماعة شدة المطر والظلمة والريح، وما أشبه ذلك مباح"٢.
ثانيًا: من الأعذار الخاصة:
١- المرض الذي يشق على صاحبه لو ذهب يصلي، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٣ وعن أم المؤمنين عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "مروا أبا بكر يصل بالناس" ٤.
قال ابن المنذر: "لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض"٥.
٢- مدافعة أحد الأخبثين، البول والغائط، ويلحق بهما الريح، لقول
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٤٨٤ ح ٦٩٧. ٢ طرح التثريب في شرح التقريب: الحافظ العراقي ٢/٣١٨. ٣ سورة (التغابن:١٦) . ٤ رواه البخاري ١/١٧٦ كتاب الأذان باب إذا بكى الإمام في الصلاة. ٥ الإحكام شرح أصول الأحكام: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ١/٣٩٧.
[ ٢٦٤ ]
النبي ﷺ: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" ١، والنفي بمعني النهي، لأن المدافعة تقتضي انشغال القلب عن الصلاة بما يحدث خللا في العبادة، بينما ترك الجماعة خلل في أمر خارج عن العبادة، والمحافظة على ذات العبادة أولى، إضافة إلى أن الاحتباس يضر البدن.
٣- من يحضره طعام محتاج إليه متمكن من تناوله، للحديث السابق: "لا صلاة بحضرة طعام" ٢.
٤- الخوف من وقوع ضرر في النفس أو المال أو العرض، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من سمع المنادي، فلم يمنعه من إتباعه عذر " قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى" ٣، ومن ذلك مرافق المريض أو من يحتضر، يعذر بترك الجمعة ان خشي أن يموت وهو غير حاضر، وأحب أن يبقى عنده ليلقنه الشهادة.
٥- ملازمة غريم له يطالبه ويؤذيه ولا شيء معه.
٦- فوات رفقة في سفر طاعة أو سفر مباح، كمن يخشى أن يفوته موعد السيارة أو موعد إقلاع الطائرة، وهذا عذر من وجهين: الأول: فوات مقصده إذا انتظر صلاة الجمعة، الثاني: انشغال القلب كثيرًا.
٧- غلبة النعاس، كمن انهمك في عمل أو عاد من سفر فأخذه النعاس،
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٣٩٣ ح ٥٦٠. ٢ رواه مسلم ١/٣٩٣ ح ٥٦٠. ٣ رواه أبو داود ١/٣٧٤ ح ٥٥١، وقال الألباني: صحيح، دون جملة العذر وبلفظ ولا صلاة له في صحيح سنن أبي داود ١/١١٠ ح ٥١٥.
[ ٢٦٥ ]
فإن صلى على حاله لم يدر ما يقول، فهو معذور، لحديث أبي قتادة مرفوعًا: "إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها"١.
٨- تطويل الإمام في الخطبة والصلاة طولًا زائدًا عن السنة، ودليل ذلك ما روى النسائي عن جابر قال: " مر رجل من الأنصار بنا ضحين على معاذ وهو يصلى المغرب، فافتتح بسورة البقرة، فصلى الرجل ثم ذهب، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال أفتانٌ يا معاذ؟ ألا قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوهما"٢.
٩- سرعة الإمام بحيث تمنع المأموم من فعل ما يجب، فإن وجد مسجد آخر تقام فيه الجمعة وجبت عليه لزوال العذر.
١٠- أكل ما ينتن الفم، من الثوم والبصل والكراث، ونحو ذلك، مما يؤذي المخاطبين وينفر من آكلها. والنهى عن حضور المسجد ليس لعذر، ولكنه دفع أذيته. لأنه يؤذي الملائكة، ويؤذي بني آدم، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "..فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" ٣، أما الأكل فهو حلال بالإجماع.
فإن أمكنه إزالة الرائحة من الفم، فيحضر لزوال الأذى، فإن أكل ما ينتن فمه تحايلًا لترك الجمعة، فلا تسقط، ويحرم، لما روي عن أنس أنه سئل عن الثوم، فقال: قال رسول الله ﷺ: "من أكل
_________________
(١) ١ رواه الترمذي ١/٣٣٤ ح ١٧٧ وقال: حديث حسن صحيح. ٢ رواه النسائي ٢/٢٦٨ كتاب الافتتاح، باب القراءة في المغرب بسبح اسم ربك، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ١/٢١٣ ح ٩٤١. ٣ رواه مسلم ١/٣٩٥ ح ٥٦٤.
[ ٢٦٦ ]
من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا" ١.
وكذا من ببدنه أو ثوبه ريح خبيثة لا يسهل عليه إزالته، والمراد بالعذر سقوط الإثم، مع أخذه الأجر كاملًا، لقول النبي ﷺ: "إذا مرض أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" ٢.
أما آكل البصل والثوم، فلا يكتب له أجر الجماعة لأن سقوط الجماعة في حقه لدفع أذاه.
١١- أن يكون عاريًا لا لباس له٣.
قال السيوطي: "كل عذر أسقط الجماعة أسقط الجمعة إلا الريح العاصف، فإن شرطها الليل، والجمعة لا تقام ليلًا"٤.
وقال: "الأعذار المرخصة في ترك الجماعة نحو أربعين"٥.
وإذا طرأ بعض الأعذار أثناء الصلاة، أتمها المصلي خفيفة، وإلا خرج منها، لأن الرسول ﷺ عاتب معاذًا حين أطال صلاته، ولم يعاتب الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذ في سورة البقرة.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٣٩٤ ح ٥٦٢. ٢ رواه البخاري ٤/١٧ كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة. ٣ روضة الطالبين: النووي ١/٣٤٥،٣٤٦. ٤ الأشباه والنظائر: السيوطي ص ٤٤١. ٥ المصدر السابق ص ٤٣٩.
[ ٢٦٧ ]