من سماحة الإسلام ويسره، ما شرع من أحكام تتعلق بالصلاة في السفر، فكلما وجدت المشقة وجد التيسير، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٢.
والصلاة في السفر تختلف عنها في الحضر، لما يترتب على السفر من أحكام كقصر الصلاة إباحة الفطر في رمضان، وامتداد مدة المسح على الخفين، وسقوط الجمعة والنوافل ماعدا سنة الفجر، وسقوط العيدين والأضحية
والسفر هو مفارقة محل الإقامة، ويسن للمسافر فيه قصر الصلاة الرباعية: الظهر والعصر والعشاء سواء كان في بر أو بحر أو جو ولا يجوز قصر الصبح والمغرب بالإجماع، لأنهما لو قصرا لفات المقصود منهما، فقصر صلاة الصبح يجحف بها لقتلها ويجعلها وترًا، وقصر المغرب يخرجها عن كونها وترًا، والأصل إتباع النص.
وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين لا يكون إلا في السفر فقط، وهو سنة مؤكدة، ويكره الإتمام لغير سبب، فلا يجوز لمريض ونحوه، بخلاف الجمع، والدليل على ذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٨٥] . ٢ سورة البقرة، الآية [٢٨٦] .
[ ١٨١ ]
تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ ولا يكون والآية كما تبدو مقيدة بخوف الفتنة من الكفار أي (أن يمنعوكم من إتمام صلاتكم)، ولكن هذا القيد مرتفع بسنة الرسول ﷺ التي أخبر بها عن ربه، فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد آمن الناس! فقال: عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" ٢، فصارت إباحة القصر في الأمن صدقة تصدق الله بها علينا.
وأما السنة ٣ فقد تواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ كان يقصر في أسفاره حاجًا ومعتمرًا وغازيًا، وقال ابن عمر: إني صحبت٤ رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٥.
وقال عبد الله بن مسعود: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصلت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [١٠١] . ٢ رواه مسلم ١/٤٧٩، ٤٨٠ ح٦٨٩. ٣ انظر المغني: ابن قدامة ٢/٢٥٥. ٤ رواه مسلم ١/٤٧٩، ٤٨٠ ح٦٨٩. ٥ سورة الأحزاب، الآية [٢١] .
[ ١٨٢ ]
بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات، ركعات متقبلتان ١.
وقال أنس بن مالك: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين، حتى رجع، قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا٢.
وأما الإجماع: فقال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٤٨٣ ح٦٩٥. ٢ رواه مسلم ١/٤٨١ ح٦٩٣. ٣ المغني ابن قدامة ٢/٢٢٥.
[ ١٨٣ ]