ويجوز لراكب السفينة أن يصلي الفرض فيها لعذر شرعي، لما ذكرنا من الأدلة السابقة، ويصلي على قدر الاستطاعة، فإن تمكن من الصلاة قائمًا، وإلا صلى جالسا، وإن تمكن من الركوع ركع، وإلا أومأ برأسه، وإن تمكن من السجود سجد، وإلا أومأ بأسه، فإن أومأ بالركوع والسجود جعل السجود أخفض من الركوع.
ويجب استقبال القبلة عند الافتتاح وكلما دارت، إن تمكن، فإن عجز، صلى على حسب حاله حرصًا على أداء الصلاة في وقتها.
وما يقال في السفينة، يقال في القطار ونحوه من وسائل المواصلات.
واختلف أهل العلم فيمن يصلي في السفينة قاعدًا وهو قادر على القيام على قولين:
الأول: أجازه أبو حنيفة، لما روي عن سويد بن غفلة أنه قال: سألت أبا بكر وعمر ﵄ عن الصلاة في السفينة فقالا: إن كانت جارية يصلي قاعدًا، وإن كانت راسية يصلي قائمًا، وعلل الكاساني جواز القعود مع القدرة على القيام: بأن سير السفينة سبب لدوران الرأس غالبًا١.
الثاني: لا يجوز وإن فعله لا يصح، وإليه ذهب أبو يوسف
_________________
(١) ١ بدائع الصنائع: الكاساني ١/١٠٩، ١١٠.
[ ٢١٠ ]
ومحمد بن الحسن، وقال زفر والشافعي: لا يجزئه إلا أن يصلي قائمً١.
واستدلوا بحديث عمران بن الحصين أنه قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" ٢، وقد أمر النبي ﷺ عمران أن يصلي قائمًا، فإن عجز صلى قاعدًا، فلا ينتقل من القيام إلى القعود إلا عند عدم الاستطاعة التي تمنعه من القيام، والمصلي في السفينة هنا قادر على القيام، فلا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى.
وروي أن النبي ﷺ لما بعث جعفر بن أبي طالب ﵁ إلى الحبشة، أمر أن يصلي في السفينة قائمًا، إلا أن يخاف الغرق، ولأن القيام ركن من الصلاة، فلا يسقط إلا بعذر ولم يوجد٣.
والراجح: القول الثاني؛ لإسناده على أدلة صحيحة صريحة، وما استدل به أبو حنيفة من قول أبي بكر وعمر ﵄، فيحتمل أن يكون ذلك لأن سير السفينة سبب لدوران الرأس غالبًا، أو لغير عذر، وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال سقط به الاستلال.
وتجوز الصلاة في السفينة قيامًا جماعة إذا أمكنهم ذلك، فإذا لم يستطيعوا الصلاة في السفينة قيامًا جماعة، وأمكنهم الصلاة فرادى قيامًا، فهل يصلي كل واحد منفردًا أم يصلون جلوسًا جماعة؟ على ثلاثة أقوال:
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/١٠٧ ٢ رواه البخاري ٢/٤١ كتاب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب. ٣ بدائع الصنائع: الكساني ١/١٠٩ (بتصرف يسير)
[ ٢١١ ]
قال في الإنصاف١: خير بينهما على الصحيح من المذهب وقيل: صلاته في الجماعة أولى، وقيل: تلزمه الصلاة قائمًا.
ورجع صاحب الإنصاف القول الثالث، وعلل بقوله: لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، وهذا قادر، والجماعة واجبة تصح الصلاة بدونها.
_________________
(١) ١ الإنصاف في معرفة الراجع من الخلاف: المرداوي ٢/٣٠٩.
[ ٢١٢ ]