تارك الصلاة:
تهاون كثير من المسلمين في الصلاة، فغفلوا عنها وأضاعوها، بل ربما هانت على بعضهم فتركها مطلقًا، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ١
إنه وعيد الله بالويل للذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وإن صلوها بعد ذلك، قال الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا ٥٩) ٢، روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله ﷿ ﴿فسوف يلقون غيًا﴾، قال: نهر في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم ٣.
وعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو أن صخرة زنة عشر عشروات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفًا، ثم تنتهي إلى غي وأثام. فقلت: ما غي وأثام؟ قال: بئران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل جهنم، فهذا الذي ذكر الله في كتابه ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ٤ ﴿أَثَامًا﴾ ٥ " ٦.
_________________
(١) ١ سورة الماعون، الآيات ح ٧:٤. ٢ سورة مريم، الآية ٥٩. ٣ رواه الحاكم في المستدرك ٢/٣٧٤، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ٤ سورة مريم، الآية (٥٩) . ٥ سورة الفرقان، الآية ح ٦٨. ٦ رواه الطبراني في الكبير ٨/٢٠٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٣٨٩: وفيه ضعفاء قد وثقهم ابن حبان، وقال: يخطئون.
[ ٢٧٢ ]
وعن جابر قال: قال رسول الله ﵌: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" ١ قال الشوكاني: "الحديث يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، ولا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة منكرًا لوجوبها، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة، وإن كان تركه لها تكاسلًا مع اعتقاده لوجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف الناس في ذلك"٢.
قال ابن القيم: "لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزنى والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة"٣.
وتارك كالصلاة المكتوبة الكلف بها، إن كان منكرًا لوجوبها غير معذور كفر لجحده، ولو فعلها، لإنكاره ما علم من الدين بالضرورة، وتكذيبه الله ورسوله، ويقتل، لقول النبي ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه" ٤، وتطبق عليه أحكام المرتد.
وإن كان معتقدًا وجوبها وتركها كسلًا حتى خرج الوقت، ففي ذلك خلاف بين أهل العلم، قيل: كافر كفرًا مخرجًا من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل، وقيل: لا يكفر، بل يفسق، فإن تاب، وإلا قتل حدًا.
وقيل لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي أو يموت.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٨٨ ح ٨٢. ٢ نيل الأوطار: الشوكاني ١/٣٤٠، ٣٤١. ٣ كتاب الصلاة وحكم تاركها: ابن قيم الجوزية ص ١٦. ٤ رواه البخاري ٨/٥٠ كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة.
[ ٢٧٣ ]
وذهب إلى القول الأول جماعة من السلف، وهو مروي عن على بن أبي طالب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي وذهب إلى القول الثاني مالك والشافعي، وذهب إلى القول الثالث أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي١. واحتج الموجبون للقتل بقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٢، فجعلت الآية شرط تخلية سبيلهم التوبة، وأول عمل إقامة الصلاة، فإن لم يتحقق الشرط يجب القتل، ويقول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" ٣ والأحاديث في ذلك كثيرة.
واحتج أصحاب القول الثاني على عدم الكفر بقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يشاء﴾ ٤، وبما قال النبي ﷺ في حديث معاذ بن جبل الذي رواه أنس بن مالك: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار.." ٥، وورد نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار: الشوكاني ١/٣٤١. ٢ سورة التوبة، الآية (٥) . ٣ رواه البخاري ١/١١، ١٢ كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم. ٤ سورة النساء، الآيتان (٤٨)، (١١٦) . ٥ رواه مسلم ١/٦١ ح ٣٢.
[ ٢٧٤ ]
واحتج أصحاب القول الثالث على عدم الكفر بأدلة أصحاب القول الثاني، وعلى عدم القتل بما روي عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة" ١، وليس فيه الصلاة.
قال الشوكاني: "والحق أنه كافر يقتل، أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها، مقتض لجواز الإطلاق، ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون، لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرًا، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها"٢ وقد علل الشوكاني القول بوجوب القتل، بما شرطه الله في القرآن من التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلا يخلى من لم يقم الصلاة، وبما صح من السنة التي تقضي صراحة بوجوب القتل. وذكر أن دليل مانعي القتل: "لا يحل دم امرئ مسلم"، لا يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحة ٣.
وما سيق من الأدلة التي ترى عدم كفر تارك الصلاة وعدم قتله، وتأويلها لم صرحت به الأحاديث بكفر تارك الصلاة إلى أنه كفر نعمة لا كفر ملة، أو كفر دون الكفر الأكبر، فيرد على هذا من وجوه:
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٨/٣٨ كتاب الديات، باب النفس بالنفس والعين بالعين ٢ نيل الأوطار: الشوكاني ١/٣٤١، ٣٤٢. ٣ المصدر السابق ١/٣٤١.٣٤١.
[ ٢٧٥ ]
أولا:
تارك الصلاة هدم ركنًا من أركان الإسلام، وهذا يقتضي تقويض البناء الإسلامي في داخله، وخروجه من دائرة الإسلام إلى الكفر، خاصة وأن الصلاة هي الحد الفاصل بين متضادين فلا وجه للتداخل بينهما..
والنصوص الدالة على الكفر المخرج من الملة صحيحة صريحة لا تحتاج إلى تأويل، ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك" ١
وقوله ﷺ: "عرى الإسلام، وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر، حلال الدم، شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان" ٢، وهل يستحل الدم إلا لمن خرج عن الإسلام؟
أما ما سيق من الأدلة على أن تارك الصلاة لا يكفر، عندما نتأمله نجد عدم تعارضه مع القائلين بالكفر ٣، وقد دل الإجماع على كفر تارك الصلاة ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن كان مقرًا للصلاة في الباطن معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل، وهو لا يصلي، هذا لا
_________________
(١) ١ رواه ابن ماجه ١/٣٤٢ ح ١٠٨٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/١٧٧ ح ٨٨٥. ٢ أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٤٨ وقال: رواه أبو يعلى بتمامه، ورواه الطبراني في الكبير بلفظ بني الإسلام على خمس. وقال في الترغيب والترهيب ١/٣٨٢: رواه أبو يعلي بإسناد حسن. ٣ أنظر رسالة في حكم تارك الصلاة لسماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين. ٤ كتاب الصلاة وحكم تاركها: ابن قيم الجوزية ص ٥١.٥٠.
[ ٢٧٦ ]
يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقرًا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين١.
واختلف٢ أهل العلم القائلين بقتله، أيقتل حدًا أم يقتل كفرًا؟
ويترتب على ذلك، أيستتاب أم لا؟
- فمن ذهب إلى قتله حدًا جعل حد ترك الصلاة القتل، والحدود تجب بأسبابها المتقدمة كالزنى، ولا تسقطها التوبة بعد الرفع إلى الإمام.
ومن ذلك إلى قتله كفرًا، يرون الاستتابة، لأن هذا قتل لترك واجب، شرعت له الاستتابة كقتل الردة، لأن هذا قتل لترك واجب، شرعت له الاستتابة كقتل الردة، بل الاستتابة هنا أولى لأن احتمال رجوعه أقرب، حيث أن التزامه للإسلام يحمله على التوبة مما يخلصه من العقوبة في الدنيا والآخرة، وهذا القول هو الصحيح.
لأن أسوأ أحواله أن يكون كالمرتد، وقد اتفق الصحابة على قبول توبة المرتدين ومانعي الزكاة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٣، وهذا يعم المرتد وغيره، فالمشهور أنه يستتاب، فإن تاب ترك وإلا قتل.
ــ واختلف أهل العلم فيما يقتل لتركه. قال الشوكاني: "هل يجب القتل لترك صلاة واحدة أو أكثر؟ فالجمهور أنه يقتل لترك صلاة واحدة، والأحاديث قاضية بذلك، والتقييد بالزيادة لا دليل عليه، قال أحمد بن حنبل: إذا دعي إلى الصلاة فامتنع، وقال: لا أصلي حتى خرج وقتها
_________________
(١) ١ مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٢/٤٨. ٢ انظر كتاب الصلاة وحكم تاركها ابن قيم الجوزية ص٢٤.٢٣. ٣ سورة الأنفال، الآية (٣٨) .
[ ٢٧٧ ]
وجب قتله"١.
وعن معاذ قال: أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات، قال: " ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدًا - فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله " ٢.
واختلف أهل العلم القائلون بوجوب قتل تارك الصلاة في كيفية قتله، فقيل: يقتل بالسيف ضربًا في عنقه وقيل: يضرب بالخشب إلى أن يصلي أو يموت، وقيل ينخص بالسيف حتى يموت لأنه أبلغ في زجره وأرجى لرجوعه.
واختار الجمهور ضرب العنق بالسيف لأنه أسرع لإزهاق النفس.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار: الشوكاني ١/٣٤٢. ٢ رواه أحمد ٥/٢٣٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٢٩٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعنه.
[ ٢٧٨ ]