ثانيا: تعميم البدن بالماء
اتفق الفقهاء على أن تعميم البدن (الشعر والبشرة) بالماء من فروض الغسل.
قال النووي: "إفاضة الماء على جميع البدن شعره وبشرته واجب بلا خلاف ومن ثم يجب إيصال الماء إلى كل ظاهر الجسد ومنه ما تحت الشعر سواء كان الشعر الذي على البشرة خفيفا أو كثيفا يجب إيصال الماء إلى جميعه وجميع البشرة التي تحته بلا خلاف"١.
قلت: وقد استدل الفقهاء على ذلك بما جاء في صفة غسل
_________________
(١) (المجموع للنووي): ٢/١٨٠.
[ ٦٣ ]
النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ وكذا ميمونة ﵂.
فأما حديث عائشة ﵂ فقد قالت: "كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدء فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاثة غرفات بيده ثم يفيض على جسده كله"١.
أما حديث ميمونة ﵂: "توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليها الماء ثم نحى رجليه فغسلها هذا غسله من الجنابة"٢.
وهنا مسألتان متعلقتان بتعميم البدن بالماء في الغسل:
المسألة الأولى: في حكم المضمضة والإستنشاق في الغسل ذهب الحنفية٣ والحنابلة٤ إلى وجوبهما في الغسل وقالوا بأن الفم والأنف من الوجه لدخولهما في حده فتجب لهما المضمضة والإستنشاق في الطهارة الكبرى والصغرى.
أما المالكية٥ والشافعية٦ قالو بأنهما ليستا بواجبتين، لأن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، انظر في الفتح ١/٣٦٠ ٢ أخرجه البخاري، انظر في الفتح ١/٣٦١. ٣ حاشية ابن عابدين: (١/١٠٢) . ٤ كشاف القناع: (١/٩٦-١٥٤) . ٥ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (١/١٢٦) . ٦ مغني المحتاج: (١/٧٣) .
[ ٦٤ ]
الفم والأنف ليسا من ظاهر الجسد فلا يجب غسلها ومن هنا كانت المضمضة والإستنشاق من سنن الوضوء.
والصواب أنهما واجبان في الغسل كوجوبهما في الوضوء وهو قول شيخنا رحمه الله١.
المسألة الثانية:
نقض شعر المرأة لضفائرها في الغسل؟
ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية٢ والمالكية٣ والشافعية٤ إلى عدم وجوب نقض الضفائر في الغسل إذا كان الماء يصل إلى أصولها.
استدل الجمهور بما رواه مسلم من حديث أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: " لا: إنما يكفيك أن تحثي على شعر رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" ٥.
فمتى وصل الماء إلى أصول شعر المرأة فإنه لا يلزمها نقض ضفائرها أما إذا لم يصل إليه الماء فإنه يلزمها نقضها حينئذ.
أما الحنابلة ٦ ففرقوا بين غسل الجنابة والحيض والنفاس فوافقوا
_________________
(١) ١ الشرح الممتع: (١/٣٠٤) . ٢ حاشية ابن عابدين: (١/٣٠٤- ١٠٥) . ٣ حاشية الدسوقي على الكبير: (١/١٣٤) . ٤ المجموع شرح المهذب: (١/١٣٤) ٥ أخرجه مسلم: (١/٢٥٩-٢٦٠) . ٦ كشاف القناع: (١/١٥٤) .
[ ٦٥ ]
الجمهور في عدم وجوب نقض الشعر المضفور في غسل الجنابة وقالوا بوجوبه في غسل الحيض والنفاس، واستدلوا على وجوبه في الحيض بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: "انقضي شعرك وامتشطي" ١.
فقالوا-: ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور – ولأن الأصل وجوب نقض الشعر لتحقيق وصول الماء إلى ما يجب غسله فعفي عنه في غسل الجنابة لأنه يكثر فشق ذلك فيه والحيض بخلافه فيبقى على الأصل في الوجوب والنفاس في معنى الحيض.
والصحيح عدم وجوب نقض ضفائر شعر المرأة مطلقا في الجنابة والحيض والنفاس لاسيما حديث أم سلمة السابق ذكره في مسلم في رواية أخرى حيث قالت: "لا: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" ٢.
وهذه الزيادة يجب قبولها وهي صريحة في نفي الوجوب كما قال ذلك ابن قدامة ﵀ في المغني٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، انظر في فتح الباري: (١/٣١٧)، ومسلم: (٢/٨٧٠) . ٢ سبق تخريجه. ٣ المغني: (١/٢٢٦-٢٢٧) .
[ ٦٦ ]