قال ابن القيم: وكان من هديه ﷺ تعظيم هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، وقد اختلف العلماء: هل هو أفضل أم يوم عرفة؟ على قولين: هما وجهان لأصحاب الشافعي١.
وجوب اجتماع المسلمين فيه وأداء صلاة الجمعة، ومن تركها من غير عذر ختم الله على قلبه بالجهل والجفاء والقسوة والإقفال، وكان من الغافلين.
وفيه ساعة إجابة، وهو يوم عيد يتكرر كل أسبوع، عن أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لايسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه، ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة" ٢.
قال ابن القيم: وكان ﷺ يقرأ في فجره بسورتي [ألم تنزيل] ٣ و[هل أتى على الإنسان] ٤، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما
_________________
(١) ١ زاد المعاد: ابن قيم الجوزية ١/٣٧٥. ٢ رواه ابن ماجه ١/٣٤٥،٣٤٤ح ١٠٨٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/١٧٩،١١٧٨ح ٨٨٨. ٣ سورة السجدة، الآيتان (١،٢) . ٤ سورة الإنسان، الآية (١) .
[ ٢٣٤ ]
كان النبي ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة، لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون.
وقد استحب بعض أهل العلم قراءة سورة الكهف في يومه، مستدلين بما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين"١.
يستحب فيه وفي ليلته كثرة الصلاة على النبي ﷺ، لما روي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا الصلاة على يوم الجمعة وليلة الجمعة" ٢.
الأمر بالاغتسال فيه، وهو سنة مؤكدة، وللناس٣ في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي والإثبات، والتفصي بين من به رائحة يحتلج إلى إزالتها، فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه، فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد.
ويستحب التطيب فيه وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع، والتجمل والسواك، لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك،
_________________
(١) ١ رواه الحاكم ٢/٣٦٨ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ٢ رواه البيهقي ٣/٢٤٩ كتاب الجمعة، باب ما يؤمر به في ليلة الجمعة ويومها، وروي ذلك من أوجه عن أنس بألفاظ مختلفة ترجع كلها إلى التحريض على الصلاة على النبي ﷺ ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وفي بعض إسنادها ضعيف. ٣ زاد المعاد: ابن القيم الجوزية ١/٣٧٧.
[ ٢٣٥ ]
ويمس من الطيب ما قدر عليه"١، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ٢.
وروي عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة" ٣.
ويستحب التبكير إلى المسجد فيه لصلاة الجمعة لغير الإمام، والاشتغال بالصلاة النافلة، والذكر، وقراءة القرآن، حتى يخرج الإمام للخطبة.
ويجب الإنصات للخطبة إذا سمعها، فإن ترك الإنصات كان لاغيا، ومن لغا فلا جمعة له، لما رواه علقمة قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات، الأول والثاني والثالث، ثم قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد" ٤.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٥٨١ح٨٤٦، وقال: إلا أن بكير لم يذكر: عبد الرحمن، وقال في الطيب: ولو من طيب المرأة. ٢ سورة الأعراف، الآية (٣١) . ٣ رواه احمد ٥/٣٤٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/١٧٢: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ٤ رواه ابن ماجه ١/٣٤٨، وقال: ضعفه ابن أبي حاتم، وباقي رجال الإسناد ثقات، فالإسناد حسن. وقد ضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه ص٨١ح ٢٢٦.
[ ٢٣٦ ]
الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" ١.
وعن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله ﷺ قال: "فإذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" ٢.
وقد بسط القول في فضل الجمعة وخصائصها، العلامة ابن القيم في زاد المعاد٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٥٨٢ح٨٥٠. ٢ رواه مسلم ١/٥٨٣ح ٨٥١. ٣ انظر زاد المعاد: ابن قيم الجوزية ١/٣٧٥: ٤٢٥.
[ ٢٣٧ ]