والصلاة عبادة ويجب فيها إخلاص النية لله تعالى، واتباع الرسول ﷺ، ففي الحديث الذي رواه مالك بن الحويرث عن النبي ﷺ "وصلوا كما رأيتموني أصلي "١ فمن لم يتبع الرسول في عبادته، فعبادته مردوده لقول النبي ﷺ " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"٢.
لذا تبطل الصلاة ويفوت مقصودها، ويجب إعادتها بقول أو فعل ما يحرم فيها من الأمور الآتية:
١- أن يسلم في الصلاة قبل إتمامها عمدا، لأنه تكلم فيها أو سهوا وطال الفصل، لتعذر بناء الباقي عليها، ولا إثم عليه في السهو.
٢- الكلام عمدا في غير مصلحة الصلاة، أثناء الصلاة يبطلها، لما روي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ٣، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام٤.
ولما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا يارسول الله، كنا نسلم عليك في
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١/١٥٥ كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة.. ٢ رواه مسلم ٢/١٣٤٤ ح١٧١٨. ٣ سورة البقرة، الآية (٢٣٨) . ٤ رواه مسلم ١/٣٨٣ ح٥٣٩.
[ ١٥١ ]
الصلاة فترد علينا؟ فقال: "إن في الصلاة شغلا" ١ ولما روي من حديث معاوية بن الحكم السلمي عن النبي ﷺ قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن" ٢.
ولا تبطل الصلاة بكلام في غير مصلحتها جهلا من غير تعمد الخطأ، لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ٣. ولما روي عن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم؟ تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ، فبابي هو وأمي! ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما كهرني ولا ضربني وشتمني، قال: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" ٤.
فلم يأمر الرسول ﷺ معاوية بالإعادة رغم تعمده الكلام لأنه كان جاهلا
ولا تبطل الصلاة بما يعرض للمصلي من عطاس وسعال وجشاء، لأنه مغلوب عليه، وتبطل بتشميت العاطس، لحديث معاوية، وكذا تبطل برد السلام أو بالمبادرة به عمدا من غير جهل
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٣٨٢ح٥٣٨. ٢ رواه مسلم ١/٣٨١،٣٨٢ح٥٣٧. ٣ سورة الأحزاب، الآية (٥) . ٤ رواه مسلم ١/٣٨١، ٣٨٢ح ٥٣٧.
[ ١٥٢ ]
قياسا على تشميت العاطس، وتبطل بنفخ أو تنحنح عمدا من غير حاجة، لأن العبث ينافي الصلاة، ولا تبطل للحاجة. قال علي ابن أبي طالب ﵁: " كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان، مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا أتيته وهو يصلي يتنحنح لي"١.
١- القهقة، بأن يضحك المصلي بصوت يسمعه هو أو غيره، تبطل به الصلاة، قل أو كثر، لمنافاته الصلاة تماما، لأنه أقرب للهزل واللعب، ما لم يغلبه الضحك فلم يملك معه نفسه، فالراجح أنه لا تبطل به، لعدم تعمد ذلك.
أما التبسم بدون قهقهة فلا تبطل به الصلاة لعدم ظهور صوت، وقد روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "القهقهة تبطل الصلاة ولا تنقض الوضوء" ٢.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة، وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها٣.
٤، ٥- الأكل والشرب الكثير عمدا أو سهوا، لخروجه عن هيئة الصلاة في الفرض والنافلة، ولا تبطل بالأكل اليسير سهوا في الفرض والنافلة، ولا تبطل بيسير شرب عمدا في النافلة، لما ثبت في الأثر أن عبد الله بن الزبير ﵄ كان يطيل النفل وربما عطش
_________________
(١) ١ رواه ابن ماجه ٢/١٢٢٢ح ٣٧٠٨، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه ص ٢٩٩ح ٨٠٩. ٢ رواه الدارقطني ١/١٧٣ح٥٨، وقال العظيم آبادي: خالفه إسحاق بن بهلول عن أبيه في لفظه. ٣ المغني: ابن قدامه ٢/٥١.
[ ١٥٣ ]
فشرب يسيرا. قال ابن قدامه: ويروي عن ابن الزبير وسعيد بن جبير، أنهما شربا في التطوع. وعن طاوس أنه لا بأٍس به١.
والنفل أخف من الفرض، بدليل سقوط بعض الواجبات في النفل وثبوتها في الفرض، كالقيام واستقبال القبلة في صلاة النافلة في السفر، فلما كانت النافلة مظنة الطول الكثير، سمح بالشرب اليسير، وتعرف القلة والكثرة بالعرف.
ويرى كثير من أهل العلم، أن يسير الشرب عمدا في النفل كالفرض لأن الأصل تساوي الفرض والنفل، وعليه يحرم الشرب قليله وكثيره في الفرض والنفل وهذا أحوط.
العمل الكثير من غير جنس الصلاة متواليا لغير ضرورة، وتعرف الكثرة بالعرف، وهو ما يخيل لمن ينظر إليه أنه ليس في الصلاة، فإن قال الناس: هذا عمل ينافي الصلاة، والذي يشاهد حركات هذا الرجل يقول: أنه لا يصلي، فهذا كثير مبطل للصلاة، بخلاف اليسير، كحمل طفل، وفتح باب قريب يمينا أو شمالا أو أمام المصلي أثناء صلاته واستقباله القبلة، أو دفع حكة، فهذا كله يسير لا يبطل الصلاة شابه فعل النبي ﷺ، لما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها٢.
_________________
(١) ١ المغني: ابن قدامة٢/٦١،٦٢. ٢ رواه البخاري ١/١٣١كتاب الصلاة، باب إذا حمل جابية صغيرة على عنقه في الصلاة.
[ ١٥٤ ]
وروي عنه ﷺ أنه فتح الباب لعائشة وهو في الصلاة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "جئت ورسول الله يصلي في البيت والباب مغلق، فمشى حتى فتح لي ثم رجع إلى مكانه"١.
ووصفت الباب في القبلة.
وعن أبي هريرة ﵁: "أمر رسول الله ﷺ بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب"٢.
فلو كان العمل الكثير من جنس الصلاة عمدا بطلت الصلاة، وإن لم يتعمد سجد للسهو، وإن كان من غير جنس الصلاة بضرورة، فلا تبطل الصلاة ولو كثر لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ٣، والذين يمشون على أرجلهم لا شك عملهم كثير، وإن كان العمل الكثير من غير جنس الصلاة غير متوال، كأن يتحرك في الركعة الأولى حركة ليست كثيرة، وكذلك في كل ركعة، وعند جمع الحركات تكون كثيرة، لاتبطل لتفرق الفعل.
وتبطل الصلاة للعمل الكثير من غير جنسها متواليا لغير ضرورة عمدا، ولا تبطل سهوا، ما لم يغير الصلاة عن هيئتها ويخرجها عن كونها صلاة، فالسهو كالعمد حينئذ تبطل به الصلاة، فلو سها بعمل كثير لا ينافي الصلاة منافاة بينة، فلا تبطل صلاته لأن فعل المحظور على وجه السهو لا يلحق فيه إثم ولا إفساد، ويعذر صاحبه بالجهل والنسيان.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي ١/٤٩٧ ح٦٠١ وقال: حديث حسن غريب. ٢ رواه الترمذي ٢/٢٣٣، ٢٣٤ ح٣٩٠ وقال: حديث حسن صحيح. ٣ سورة البقرة، الآية (٢٣٩) .
[ ١٥٥ ]
٧- وإن سبح به ثقتان أو نبهه امرأتان بالتصفيق، لزيادة فعل أو نقص فعل من أفعال الصلاة، فلم يرجع وأصر ولم يجزم بصواب نفسه، بطلت صلاته لتركه الواجب عمدا، وليس للمأمومين اتباعه لبطلان صلاته، فإن اتبعوه بطلت صلاتهم ما لم يكونوا جاهلين.
٨- زيادة فعل من جنس الصلاة عمدا يبطلها، قياما كان أو قعودا أو ركوعا أو سجودا، لأن هذه الأفعال تغير هيئة الصلاة، لقول النبي ﷺ: " من عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"١، كأن يركع مرتين في الركعة الواحدة عمدا في غير صلاة الكسوف، ويسجد ثلاث مرات في الركعة الواحدة عمدا، أو يقعد محل القيام عمدا، أو يقوم محل القعود عمدا.
ولا تبطل بما لايغير هيئة الصلاة، كما لو رفع المصلي يديه إلى حذو منكبيه في غير موضع الرفع.
٩- سجود الشكر في الصلاة يبطلها، لأن سببه ليس منها، ومثله من سجد في الصلاة لسهو صلاة أخرى.
١٠- ترك ركن من أركان الصلاة أو شرط من شروطها عمدا من غير عذر شرعي، لقول النبي ﷺ للمسيء صلاته: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ٢، فمن ترك الركوع أو السجود عمدا بلا عذر بطلت صلاته، وكذا من انصرف عن التوجه إلى القبلة، أو أحدث أثناء الصلاة فصلاته باطلة.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٢/١٣٤٤ ح١٧١٨. ٢ رواه البخاري ١/١٨٤ كتاب الأذان باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها..
[ ١٥٦ ]