معنى القبلة لغة وشرعا:
والقبلة لغة: الجهة، وكل ما يستقبل من الشيء.
وشرعا: يراد بها البيت الحرام، الكعبة.
حكم استقبال القبلة:
واستقبال البيت الحرام عند الصلاة واجب، لقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١ فاستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، لقول الرسول ﷺ للمسيء صلاته: "..إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر " ٢.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفنا نحو الكعبة"٣.
وقد جاءت بعض الآثار أن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة قبل الهجرة بين الركنين، والكعبة بين يديه، ووجهه إلى بيت المقدس.
ومن تمكن من رؤية الكعبة، وجب عليه استقبال عينها، فإن حال
_________________
(١) ١ سورة البقرة لآية [١٤٤] . ٢ رواه مسلم ١/٢٩٨ح٣٩٧. ٣ رواه مسلم ١/٣٧٤ح٥٢٥.
[ ١٠١ ]
بينه وبينها حائل استقبل جهتها، وتحرى لذلك قدر الإمكان، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢، وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.." ٣.
وقال أهل العلم: لا يضر الانحراف اليسير، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" ٤، قاله لأهل المدينة لأن قبلتهم جنوب.
بم تعرف القبلة؟
وتعرف القبلة بالمحاريب في المساجد، أوببيت الإبرة (البوصلة)، فإن خفيت لغيم أو ظلمة سأل من يدله عليها، فإن عدم اجتهد وصلى إلى جهة اجتهاده، وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، حتى لو ظهر له خطؤه بعد فراغه من صلاته، فإن تبين خطؤه في جهة القبلة أثناء الصلاة، توجه إلى القبلة ولا يقطع صلاته، والدليل على ذلك ما رواه ابن عمر ﵄، قال: "بينما الناس في صلاة الصبح بقباء، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة"٥، والشاهد في هذا الحديث أنهم لم يقطعوا صلاتهم عندما تغيرت القبلة واستداروا إلى الكعبة.
فإن اختلف في جهة القبلة، صلى كل منهم إلى ما يعتقد، والجاهل
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية [٢٧٦] ٢ سورة التغابن، آية [١٦] . ٣ رواه مسلم ١/٩٧٥ح١٣٣٧. ٤ رواه الترمذي في سننه ٢/١٧٣ح٣٤٢.وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٠٩ ح٢٨٢. ٥ رواه مسلم ١/٣٧٥ ح٥٢٦.
[ ١٠٢ ]
بعلامتها يتبع العارف.
متى يسقط استقبال القبلة؟
ويسقط استقبال القبلة في المواضع التالية:
١- عند العجز عنه، كالأعمى الذي لا يجد من يوجهه، والمريض الذي ليس عنده من يوجهه، والمأسور المقيد إلى جهة غير القبلة، وقبلتهم هي الجهة التي يقدرون على استقبالها، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١، ولقول النبي ﷺ: ".. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " ٢.
٢- عند الخوف من آدمي أو غيره على النفس أو المال، فيستقبل الخائف الجهة التي يقدر على استقبالها، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ٣، ورجالا: أي مشاة على أرجلكم، وذلك قد لا يكون جهة القبلة، قال ابن عمر ﵄: مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله ابن عمر ﵄، ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ"٤.
٣- صلاة النفل للمسافر، لما ثبت في صحيح مسلم، عن ابن عمر ﵄، "أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيث توجهت به" ٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية [٢٨٦] . ٢ رواه مسلم ١/٩٠٧ ح١٣٣٧. ٣ سورة البقرة، آية [٢٣٩] . ٤ رواه البخاري ٥/١٦٢،١٣٦ كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا.﴾ . ٥ رواه مسلم ١/٤٨٦ح٧٠٠.
[ ١٠٣ ]
وورد من حديث أنس "أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه"١.
يتنفل الراكب على دابته، ويستحب له أن يتجه إلى القبلة عند تكبيرة الإحرام، ويومئ بالركوع والسجود، وتكون إيماءة السجود أخفض من الركوع، ويصلي حيث اتجه به ركابه.
ولا بد أن يستشعر المصلي وهو يتوجه إلى القبلة، أنه يعبد الله بهذا التوجه، لأنه ينفذ أمره، قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٢، وعليه أن يتوجه بقلبه في صلاته إلى خالقه.
وما أجمل الشعور بالوحدة التي تجمع المسلمين في صلاتهم، يعبدون ربا واحدا، ويتجهون قبلة واحدة، يضمهم وحدة الدين عقيدة وسلوكا، إنه شعور يملأ النفس عزة وأمنا، قوة ويقينا وثباتا.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود ٢/٢١ح١٢٢٥، وقال الحافظ المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢/٥٩ح١١٧٩: إسناده حسن. ٢ سورة البقرة، آية [١٤٤] .
[ ١٠٤ ]