ومن مقدمات الصلاة، دخول الوقت، فلا صلاة قبله، لأن الصلاة لها أوقات محدودة لابد أن تؤدى فيها، وتتعين قبل خروجه، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ١.
وقد بين الإسلام عدد الصلوات المفروضة في اليوم والليلة، قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ٢، و(دلوك الشمس) زوالها عن كبد السماء، وهو بداية وقت الظهر، (إلى غسق الليل) وهو بداية ظلمة الليل، ويدخل فيه العصر والمغرب والعشاء، (وقرآن الفجر) أي وأقم صلاة الفجر، وفي هذه الآية إشارة مجملة إلى الأوقات.
وعن أنس ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، كم افترض الله ﷿ على عباده من صلوات؟ قال: "افترض الله على عباده صلوات خمسا" قال يارسول الله هل قبلهن أو بعدهن شيئًا قال: "افترض الله على عباده صلوات خمسًا" فحلف الرجل لا يزيد عليه شيئا، ولا ينقص منه شيئا، قال رسول الله ﷺ: "إن صدق ليدخلن الجنة" ٣.
والوقت أهم شروط الصلاة، وأحقها بالمراعاة، وإن ترتب على
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [١٠٣] . ٢ سورة الإسراء، الآية [٧٨] . ٣ رواه النسائي ١/٢٢٨،٢٢٩ كتاب الصلاة، باب كم فرضت في اليوم والليلة؟، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ١/١٠٠ح٤٤٥.
[ ١٠٥ ]
ذلك فوات غيره من الشروط، كأن يتيمم خشية خروج الوقت، أو لا يستر عورته خشية فوات الوقت.
أوقات الصلاة:
ووقت الفجر: من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس.
ووقت الظهر: من زوال الشمس عن وسط السماء إلى أن يصير ظل كل شيء مثله.
ووقت العصر: من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، وقيل: حتى يكون ظل كل شيء مثليه.
ووقت المغرب: من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.
ووقت العشاء: من مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، وقيل: إلى ثلثي الليل، وقيل: إلى طلوع الفجر.
وقد حددت السنة مواقيت الصلاة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ حين زالت الشمس، فقال: قم يا محمد فصل الظهر حين مالت الشمس، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد فصل العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه فقال: قم فصل المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس سواء، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه فقال: قم فصل العشاء، فقام فصلاها، ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح، فقال: قم يا محمد فصل فقام فصلى الصبح ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى الظهر، ثم جاءه جبريل ﵇ حين كان فيء الرجل مثليه فقال: قم يا محمد فصل، فصلى العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه، فقال: قم فصل، فصلى المغرب، ثم جاءه
[ ١٠٦ ]
للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول فقال: قم فصل فصلى العشاء، ثم جاءه للصبح حين أسفر جدا، فقال: قم فصل، فصلى الصبح، فقال: ما بين هذين وقت كله" ١.
بم تدرك الصلاة؟
ولا تجزئ الصلاة قبل الوقت جهلا كانت أو عمدا، ويحرم تأخيرها عن وقتها لغير عذر شرعي، ولا يدرك الوقت إلا بركعة كاملة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" ٢، وهذا لجميع الصلوات، ولقوله ﷺ: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" ٣ والسجدة الركعة، وتقع الصلاة أداء.
فمن أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، ولا يجوز تعمد تأخير الصلاة إلى هذا الوقت.
حكم تأخير الصلاة لغير عذر:
-اختلف العلماء فيمن أخر الصلاة عن وقتها لغير عذر، هل يلزمه القضاء؟ وهل يلزمه تجزئة؟، على قولين:
الأول: يرى الجمهور أنها تجزئ ويجب عليه القضاء، لما رواه أبو
_________________
(١) ١ رواه النسائي ١/٢٦٣ كتاب المواقيت، باب أول وقت العشاء، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ١/١١٥ح٥١٢. ٢ رواه البخاري ١/١٤٥ كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الصلاة ركعة. ٣ رواه البخاري ١/١٣٩ كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب.
[ ١٠٧ ]
هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" ١، فإذا كان هذا حال المعذور، فالمتعمد من باب أولى، وعلى هذا الأئمة الأربعة.
والثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وهو مذهب الظاهرية أيضا، أنه لا يقضيها، ولو قضاها لا تجزئه، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ٢، فوقوع الصلاة قبل وقتها أو بعده أداء لها في غير موضعها الذي كتب الله. عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٣.
-وأجابوا عن حديث "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" ٤، بأن المعذور صلاته في الحقيقة ليست قضاء بل أداء، وقولهم بعدم وجوب القضاء على من لا عذر له ليس بغرض التخفيف، وإنما تنكيل له وعقوبة من الله أن لا يقبل صلاته.
لذا يجب أداء الصلاة المفروضة في وقتها، فمن أخرها لغير عذر أثم إثما عظيما، بخلاف من أخرها لعذر فلا إثم عليه، والعذر قد يكون مسقطا للصلاة كالحائض والنفساء، فلا قضاء عليهما لما فاتهما زمن الحيض والنفاس، وقد يكون العذر مباحا لتأخير الصلاة عن وقتها كالنوم والنسيان.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي ١/٣٣٤ح١٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٥٧ح١٤٩، الإرواء ١/٢٩١ح٢٦٣. ٢ سورة النساء، الآية [١٠٣] . ٣ رواه البخاري ٨/١٥٦ كتاب الاعتصام بالسنة، باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود، ومسلم ٢/١٣٤٤ح١٧١٨. ٤ ٤ رواه الترمذي ١/٣٣٤ح١٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٥٧ح١٤٩، الإرواء ١/٢٩١ح٢٦٣.
[ ١٠٨ ]
ويجب قضاء الفوائت مرتبة على الفور، لقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ١، ولما روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك" ٢، وينبغي مراعاة الترتيب في قضاء الفوائت، فعندما شغل الأحزاب النبي ﷺ عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، صلى رسول ﷺ العصر أولا ثم المغرب، لما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي ﷺ: "والله ما صليتها" فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب"٣.
وفي جمع النبي ﷺ للصلاة في سفره، كان يقدم الأولى على المتأخرة.
فإن خشي المصلي إن بدأ بالفائتة خروج وقت الحاضرة، بدأ بالحاضرة، وعليه أن يقضي الصلاة على صفتها تبعا لحالها الذي فاتت عليه، من عدد ركعاتها وسريتها وجهريتها، فلو ذكر صلاة حضر في سفر أداها على صفتها في الحضر، والعكس، لحديث أبي قتادة لما ناموا عن صلاة الصبح ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس، قال فيه: "..ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [١٤] . ٢ رواه البخاري ١/١٤٨ كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها. ٣ رواه البخاري ١/١٤٧،١٤٨ كتاب مواقيت الصلاة، بابمضن صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت.
[ ١٠٩ ]
يصنع كل يوم "١.
قال الخطابي: وفيه دليل على أنه إن ذكر الفائتة في وقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، صلاها ولم يؤخرها٢.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ١/٤٧٢، ٤٧٣ح٦٨١. ٢ أعلام الحديث: الخطابي ١/ ٤٥٣.
[ ١١٠ ]