الفرض شرعا: ما أثيب فاعله، وعوقب تاركه. والوضوء: استعمال ماء طاهر في الأعضاء الأربعة. وكان فرضه مع فرض الصلاة، رواه ابن ماجة١، ذكره في المبدع ٢.
قال الشيخ تقي الدين: لم يرد الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود ٣.
وهو من خصائص هذه الأمة كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وليس عند أحد من أهل الكتاب خبر أن واحدا من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعا عندهم، ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء.
فصل
وفروض الوضوء ستة: أحدها: غسل الوجه والفم، والأنف منه ٤، فالمضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين ٥ لأن غسل الوجه فيهما واجب بغير خلاف; وهما منه ظاهرا بدليل أحكام خمسة:
١- إفطار الصائم بتعمد وصول القيء إليهما.
٢- ولا يفطر بوصول الطعام إليهما.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج١/ ٩٩. ٢ المبدع ج١/ ١١٣. ٣ الاختيارات: ١٠. ٤ يريد المضمضة والاستنشاق. ٥ يعني الطهارة عن الحدث الأكبر والحدث الأصغر..
[ ١٨ ]
٣- لا يحد بوضع الخمر فيهما.
٤- ولا ينشر الرضاع وصول اللبن إليهما.
٥- ويجب غسلهما من النجاسة.
وهذه أحكام الظاهر. ولو كانا باطنين انعكست هذه الأحكام. وعنه: أنهما واجبان في الأكبر دون الأصغر ١. وقال مالك والشافعي: مسنونان فيهما.
الثاني: غسل اليدين مع المرفقين.
والثالث: مسح الرأس، والأذنان منه، لقوله ﷺ: "الأذنان من الرأس"٢ رواه ابن ماجه ٣
الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين; لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٤ الآية.
الخامس: الترتيب على ما ذكر الله، لأنه أدخل الممسوح بين مغسولين، ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب.
السادس: الموالاة، وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله، لأنه ﷺ "رأى رجلا يصلي، وفي قدمه لمعة لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء" ٥ رواه أحمد وغيره. ٦
١ الإنصاف ١/ ١٥٢.
٢ الترمذي: الطهارة (٣٧)، وابن ماجه: الطهارة وسننها (٤٤٤) .
٣ نيل الأوطار ج١/ ١٧٧.
٤ سورة المائدة آية: ٦.
٥ مسلم: الطهارة (٢٤٣)، وأبو داود: الطهارة (١٧٣)، وابن ماجه: الطهارة وسننها (٦٦٦)، وأحمد (١/٢١،١/٢٣) .
٦ أبو داود ج١/ ١٢٨.
[ ١٩ ]
والنية شرط لطهارة الأحداث كلها، لحديث عمر المتفق عليه ١. فينوي رفع الحدث، أو يقصد الطهارة لما لا يباح إلا بها.
قال الشيخ تقي الدين: وتجب النية لطهارة الحدث لا الخبث، وهو مذهب جمهور العلماء ٢. ولا يجب نطقه بها سرا باتفاق الأئمة الأربعة؛ واتفق الأئمة الأربعة على أنه لا يشرع الجهر بها، ولا تكرارها، وينبغي تأديب من اعتاده. وكذا في بقية العبادات لا يستحب النطق بها ٣ والجهر بلفظها منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة المسلمين، ويعزل عن الإمامة إن لم يتب، انتهى ٤.
والوضوء مرة مرة; أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، لحديث رواه ابن ماجه ٥.
فصل
وصفة الوضوء أن ينوي، ويسمي، ويغسل كفيه ثلاثا، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا، ثم يغسل وجهه ثلاثا، وحده من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وما فيه من شعر خفيف. ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا، ويدخلهما ٦ في الغسل.
_________________
(١) ١ يريد حديث: إنما الأعمال بالنيات الحديث انظر نيل الأوطار ج١/ ١٤٧. ٢ الاختيارات: ١١. ٣ إلا عند الإحرام وذبح المتقرب بها كالأضحية والعقيقة والهدي. ٤ الاختيارات: ١١. ٥ نيل الأوطار ج١/ ١٨٩. ٦ أي المرفقين.
[ ٢٠ ]
ثم يمسح رأسه كله، لحديث عبد الله بن زيد ١. عنه يجزئ مسح بعضه، لحديث المغيرة ٢.
قال في الاختيارات: ويجوز مسح بعض الرأس لعذر، قاله القاضي في التعليق ٣. ولا يسن تكرار مسح جميعه، وهو ظاهر مذهب الإمام مالك ٤ وأحمد ٥ وأبي حنيفة ٦. ثم يغسل رجليه - إلى الكعبين - ويدخلهما في الغسل.
ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول ما ورد في الهدي. وكل حديث في أذكار الوضوء التي تقال عليه فكذب غير التسمية في أوله، وقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين" إلى آخر الحديث ٧.
ولو كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته لم تصح طهارته، وقيل تصح، وهي الصحيح، واختاره ٨. وألحق به كل يسير منع حيث كان من البدن كدم وعجين. انتهى ٩.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ج١/ ١٧١. ٢ نيل الأوطار ج١/ ١٨٤. ٣ الاختيارات: ١١. ٤ شرح منح الجليل مختصر خليل ج١/ ٤٧. ٥ الإنصاف ج١/ ١٦٣. ٦ بدائع الصنائع ج١/ ٢٢. ٧ تكملته: واجعلني من المتطهرين، انظر شرح النووي على صحيح مسلم و٣/ ١٢١. ٨ أي شيخ الإسلام ابن تيمية إلا أنه نص على اليسير في الاختيارات: ١٢. ٩ من الاختيارات: ١٢.
[ ٢١ ]
ويكره الزيادة على الثلاث، لحديث عمرو بن شعيب، رواه أبو داود والنسائي ١. ويكره الإسراف في الماء، لحديث سعيد رواه ابن ماجه. وتباح معاونته، ويباح تنشيف أعضائه من ماء الوضوء، وقال في الهدي: ولم يكن يعتاد تنشيف أعضائه في الوضوء ٢.
[ ٢٢ ]