من لا يستطيع الحج والعمرة بنفسه وقد اكتملت له الشروط كمن لا يستطيع الركوب، ولا يقدر عليه ولا يثبت على المركوب، ولا يرجى برؤه؛ فإنه يلزمه أن يُنيب من يحجُّ عنه ويعتمرُ (١)؛ لحديث ابن عباس
﵄ أن امرأةً من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأَحُج عنه؟ قال: «نعم»، وذلك في حجة الوداع (٢)، وفي رواية لمسلم: «فحجي عنه» (٣).
ولحديث أبي رَزِين - ﵁ -: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: «فحج عن أبيك واعتمر» (٤)، فإن تُوفِّيَ من وجب عليه الحج ولم يحج أُخْرِجَ عنه من ماله ما يُحجُّ به عنه ويُعتَمرُ (٥)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله - ﷺ - أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزئ عن
_________________
(١) المغني لابن قدامة، ٥/ ١٩، وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لابن تيمية، ١/ ١٣٣، و١٨٣، والروض المربع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٥١٨، وأضواء البيان، ٥/ ٩٣، وشرح الزركشي، ٣/ ٣١.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري، برقم ١٨٥٤، ومسلم، برقم ١٣٣٤.
(٣) مسلم، برقم ١٣٣٤.
(٤) أخرجه أصحاب السنن: أبو داود، برقم ١٨١٠، والترمذي، برقم ٩٣٠، والنسائي، برقم ٣٦٣٨، وابن ماجه، برقم ٢٩٠٦، وصححه الألباني في: صحيح النسائي، ٢/ ٥٥٦، وفي صحيح أبي داود، ١/ ٣٤١، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ١٥٢، وصحيح الترمذي، ١/ ٢٧٥، وتقدم تخريجه.
(٥) المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٦، و٣٨، و١٩، وشرح العمدة في بيان الحج والعمرة، ١/ ١٨٣.
[ ١١ ]
أمها أن تحج عنها؟ قال: «نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها أكان يجزئ عنها؟» قال: نعم، قال: «فلتحج عن أمها» (١).
وعن ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم. قال: «فاقضوا الذي له فإن الله أحق بالوفاء» (٢)، وفي رواية «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (٣)، وفي رواية أن رجلًا قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فقال: «فاقضِ الله فهو أحق بالقضاء» (٤).
· ولا يجوز أن يحج النائب عن غيره إلا بعد أن يحج عن نفسه؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال رسول الله - ﷺ -: «من شبرمة؟» قال: أخٌ لي، أو قريبٌ لي، قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حج عن نفسك ثم عن شبرمة» (٥).
· وينبغي أن يحرص المستنيب على اختيار الوكيل الصالح الذي يعرف
_________________
(١) أخرجه أحمد، ١/ ٢١٧، ٢٤٤، ٢٧٩، والنسائي، برقم ٢٦٣١، وابن خزيمة، برقم ٣٠٣٤، ٣٠٣٥، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٥٥٩.
(٢) أخرجه البخاري، برقم ١٨٥٢.
(٣) أخرجه البخاري، برقم ٧٣١٥.
(٤) أخرجه البخاري، برقم ٦٦٩٩.
(٥) أخرجه أبو داود، برقم ١٨١١، وابن ماجه، برقم ٢٩٠٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٤١، وإرواء الغليل، ٤/ ١٧١.
[ ١٢ ]
أحكام الحج والعمرة، ويراقب الله - ﷿ - في ذلك؛ لأن هذا من أسباب القبول، وعلى الوكيل أن يخلص النية لله سبحانه، ويَعْلم أنه لا ينبغي لأحدٍ على الصحيح أن يأخذ مالًا يحج به عن غيره إلا لأحد رجلين:
١ - رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج، ويحسن إليه بقضاء هذا الدين، إما لصلةٍ بينهما أو رحمة عامة بالمؤمنين، فيأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه، ويردّ الباقي الفاضل من المال، وهذا محسن والله يحب المحسنين.
٢ - رجل يحبّ الحج ورؤية المشاعر، وهو عاجز عن النفقة فيأخذ ما يقضي حاجته ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج.
والخلاصة: أن المستحب للوكيل أن يأخذ المال ليَحُجَّ، لا أن يحُجَّ ليأخذ، وهذا يُرجَى له الثواب العظيم، وأن يُعطى مثل أجر من وكَّله أو حج عنه إن شاء الله تعالى (١)، قال النبي - ﷺ -: «الخازن الأمين الذي يؤدي ما أُمِر به طيبةً به نفسه أحد المتصدقين» (٢).
أما من أخذ المال، وأراد الدنيا بعمل الآخرة، ولم يقصد إلا الحطام الفاني، فليس له في الآخرة من نصيب (٣).
_________________
(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٤ - ٢٠، بتصرف.
(٢) أخرجه البخاري، برقم ٢٢٦٠، ومسلم، برقم ١٠٢٣.
(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ٢٨، و٢٠.
[ ١٣ ]