وهناك بين التابعين فقهاء آخرون: مثل عكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، ومحمد بن سيرين، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأعرج، وعلقمة النخعي، والشعبي، وشريح، وسعيد بن جبير، ومكحول الدمشقي، وأبو إدريس الخولاني.
- وفي أول القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع الهجري وهو الدور الذهبي للاجتهاد، لمع في الأفق ثلاثة عشر مجتهدًا دونت مذاهبهم، وقلدت آراؤهم وهم (١): سفيان بن عيينة بمكة، ومالك بن أنس بالمدينة، والحسن البصري بالبصرة، وأبو حنيفة وسفيان الثوري (١٦١ هـ) بالكوفة، والأوزاعي (١٥٧هـ) بالشام، والشافعي والليث بن سعد بمصر، وإسحاق بن راهويه بنيسابور، وأبو ثور وأحمد، وداود الظاهري، وابن جرير الطبري ببغداد.
- إلا أن أكثر هذه المذاهب لم يبق إلا في بطون الكتب، لانقراض أتباعها، وظل بعضها قائمًا مشهورًا إلى يومنا هذا، وسأذكر هنا لمحة موجزة عن أئمة المذاهب الكبرى الثمانية المعروفة عند أهل السنة والشيعة، وبعض الفرق المعتدلة. الذين ما يزال أتباعهم موجودين كالإباضية، أو الذين فقدوا الأشياع والأتباع كالظاهرية (٢).
- أولًا - أبو حنيفة - النعمان بن ثابت (٨٠ - ١٥٠ هـ) مؤسس المذهب الحنفي:
- هو الإمام الأعظم أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زُوَطَى الكوفي من أبناء فارس الأحرار، ولد عام (٨٠)، وتوفي عام (١٥٠ هـ) ﵀، عاصر أوج
_________________
(١) تاريخ الفقه الإسلامي للسايس: ص٨٦.
(٢) إن أفضل مايقرأ عن الأئمة المجتهدين ماكتبه عنهم أستاذنا المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة.
[ ١ / ٤٣ ]
الدولتين الأموية والعباسية. وهو من أتباع التابعين، وقيل: من التابعين، لقي أنس ابن مالك، وروى عنه حديث: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
- وهو إمام أهل الرأي، وفقيه أهل العراق، صاحب المذهب الحنفي، قال الشافعي عنه: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»، كان تاجر قماش بالكوفة.
- أخذ علمه في الحديث والفقه عن أكثر أعيان العلماء، وتفقه في مدة ثمانية عشر عامًا بصفة خاصة بحمَّاد بن أبي سليمان، الذي أخذ الفقه عن إبراهيم النخعي، تشدد في قبول الحديث، وتوسع في القياس والاستحسان. وأصول مذهبه: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان. له في علم الكلام كتاب الفقه الأكبر، كما له مسند في الحديث، ولم يؤثرعنه كتاب في الفقه.
- وأشهر تلامذته أربعة:
- ١ ًـ أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم الكوفي (١١٣ - ١٨٢هـ): قاضي القضاة في عهد الرشيد، كان له الفضل الأكبر على مذهب أبي حنيفة في تدوين أصوله، ونشر آرائه في أقطار الأرض، وكان مجتهدًا مطلقًا.
- ٢ ً
_________________
(١) محمد بن الحسن الشيباني (١٣٢ - ١٨٩هـ): ولد بواسط، وكان والده من أهل حرستا بدمشق، ونشأ بالكوفة، وعاش في بغداد، وتوفي بالري، تفقه أولًا على أبي حنيفة، ثم أتم تعلمه على أبي يوسف، ولازم مالك بن أنس مدة، وانتهت إليه رياسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف، وكان نابغة من أذكياء العلم ومجتهدًا مطلقًا، صنف التصانيف الكثيرة التي حفظ بها فقه أبي حنيفة، فهو صاحب الفضل في تدوين المذهب الحنفي، وكتبه (ظاهر الرواية) هي الحجة المعتمدة عند الحنفية.
[ ١ / ٤٤ ]
٣ ً ــ أبو الهذيل، زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي (١١٠ - ١٥٨ هـ): ولد في أصبهان، وتوفي بالبصرة، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، ومهر في القياس، حتى صار أقيس تلامذة أبي حنيفة وأصحابه، وكان مجتهدًا مطلقًا.
- ٤ ً ــ الحسن بن زياد اللؤلؤي (المتوفى عام ٢٠٤ هـ): تتلمذ أولًا لأبي حنيفة، ثم للصاحبين: أبي يوسف ومحمد، اشتهر برواية الحديث، وبرواية آراء أبي حنيفة، لكن روايته دون رواية كتب (ظاهر الرواية) للإمام محمد، ولم يبلغ في الفقه درجة أبي حنيفة وصاحبيه.