أولًا - حقيقة النية أو تعريفها: النية لغة: قصد الشيء وعزم القلب عليه (١)، قال الأزهري: يقال نواك الله: أي حفظك. وتقول العرب: نواك الله: أي صحبك في سفرك وحفظك. وبعبارة أخرى: النية: القصد: وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه، من غير تردد. والنية وإرادة الفعل مترادفان، وتعم كل منهما الفعل الحالي والاستقبالي.
وفَرَق بعض اللغويين بين النية والعزم بجعل النية: الإرادة المتعلقة بالفعل الحالي، والعزم: الإرادة المتعلقة بالفعل الاستقبالي. لكن يردّ على هذا الفارق بتفسير النية بالعزم مطلقًا في كتب اللغة.
والنية في الشرع: عزم قلبي على عمل فرضي أو غيره. أو عزم القلب على عمل فرضًا كان أو تطوعًا. وهي أيضًا: الإرادة المتعلقة بالفعل في الحال أو في المستقبل. وبناء عليه: إن كل فعل صدر من عاقل متيقظ مختار لايخلو عن نية، سواء أكان من قبيل العبادات أم من قبيل العادات. وذلك الفعل هو متعلَّق الأحكام الشرعية التكليفية من الإيجاب والتحريم، والندب والكراهة والإباحة. وما خلا عن النية فهو فعل غافل، فهو لاغٍ، لايتعلق به حكم شرعي. فإذا صدر الفعل من غير عاقل متيقظ، بأن كان من مجنون أو ناسٍ أو مخطئ أو مكرَه، فإنه لاغٍ، لايتعلق به حكم تكليفي مما ذكر، لعدم وجود النية والقصد والإرادة فيه، ولايعتبر شرعًا، ولايتعلق به طلب ولاتخيير.
وأما إذا كان الفعل من الأفعال العادية كالأكل والشرب والقيام والقعود والبطش والمشي والنوم ونحوها صادرًا من العاقل المتيقظ بدون نية، فحكمه الإباحة، إن لم يقترن بمايوجب حظره أو طلبه، ويكون معتبرًا شرعًا.
_________________
(١) المجموع للنووي: ٣٦٠/ ١ ومابعدها، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص٢٤ طبع دار الفكر بدمشق.
[ ١ / ١٥١ ]
وأما الحكم ببطلان وضوء الناسي، وضمان المتلفات من المجنون والصبي ونحوهما، وضمان الدية بقتل النفس أو قطع عضو، أو إزالة معنى من المعاني كالسمع والبصر والبطش والحركة إذا وقع ذلك خطأ أو شبه عمد، مع عدم نية القتل أو القطع، فهو ليس من باب التكليف الشرعي بشيء بل من باب الحكم الوضعي، أي جعل الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو فاسدًا أو عزيمة أو رخصة، أي أن الإتلاف مثلًا سبب موجب للتعويض أو للضمان مطلقًا، سواء صدر من صغير أو كبير، من عاقل أو مجنون.
ويلاحظ أن المراد بالنية في الصيام هو العزم أو الإرادة الكلية وهو المعنى العام للنية، أي أن الصيام يصح بتبييت النية من الليل، دون اشتراط مقارنتها لبدء الصوم وهوطلوع الفجر، فلو نوى ثم أكل، وصام، صح صومه، أما غير الصيام من العبادات التي تتطلب لصحتها مقارنة النية ببدء الفعل فلابد فيها من القصد تحقيقًا: وهو الإرادة المتعلقة ببدء الفعل، فالنية المعتبرة فيه هي القصد تحقيقًا، أي النية المقترنة ببدء تنفيذ الفعل، وهو المراد بالنية عند عدّها لدى الشافعية من أركان العبادة، كالوضوء والغسل والتيمم والصلاة والزكاة والحج، ومثلها كنايات العقود والفسوخ، فلابد فيها من القصد تحقيقًا الذي هو النية المقارنة للفظ الكنائي أو الكتابة وإشارة الأخرس التي يفهمها الفطن، وكذا الاستثناء في الأقارير (الإقرارات) والطلاق، والتعليق في الطلاق بكلمة (إن شاء الله) فلابد فيها من النية بمعنى القصد تحقيقًا قبل الفراغ من المستثنى منه، أي اقتران النية بالكلام المتصل ببعضه.
وخلاصة الكلام في بيان حقيقة النية تظهر فيما يأتي: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: اعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره. والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:
[ ١ / ١٥٢ ]