قد بينا دائرة التلفيق الممنوع سواء الباطل لذاته كإحلال المحرمات كالخمر والزنا ونحوهما أو الباطل لا لذاته، وإنما لعارض ويشمل أنواعًا ثلاثة:
الأول - تتبع الرخص عمدًا أي الأخذ بالأيسر بدون ضرورة ولا عذر.
الثاني - التلفيق الذي يستلزم نقض حكم القاضي.
الثالث - التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدًا، أو عن أمر مجمع
[ ١ / ١٢٤ ]
عليه لازم لأمر قلده وذلك في غير العبادات المحضة. فلا يؤخذ بالأيسر إذا أدى الأمر إلى الانحلال من مسؤولية التكاليف الشرعية أو العبث بالدين وقضايا الزواج، أو الإضرار بالبشر، أو الفساد في الأرض، أو الإضرار بالمصلحة الاجتماعية.
فلا يجوز مثلًا التلفيق أو الأخذ بالأيسر للتخلص من فريضة الزكاة، باستخدام الحيل (١) قبيل مضي العام بإعطاء الشخص مدينا ً له من الزكاة بقدر ماعليه، ثم يطالبه بالوفاء، فإذا وفاه برىء وسقطت الزكاة عن الدافع. أو يلجأ المزكي لتصرف صوري بيعًا أو هبة ثم يسترد المال إليه، فهذه حيلة محرمة باطلة لاتسقط فرض الزكاة (٢) لأن في ذلك إضرارًا بمصلحة الفقراء، وتآمرًا على حقوقهم الثابتة شرعًا في أموال الأغنياء. كما لا يصح الإفتاء بأيسر المذاهب في أحكام الزكاة دفعًا لحاجة الفقير، وإنما يفتى بما يحقق المصلحة، فيفتي مثلًا بمذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء بإيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وبإخراج زكاة الأرض الخراجية (التي فتحت عنوة) مع الخراج، فيكون الواجب في تلك الأرض الخراج والعشر معًا، لأن العشر واجب ديني على المسلمين، والخراج واجب اجتهادي ليكون موردًا للجماعة ممثلة بالدولة لسد حاجاتها ونفقاتها العامة.
ومن الواجب أن تكون الغاية من الأخذ بالأيسر الحفاظ على مقاصد الشريعة، والتزام سياستها وحكمتها التشريعية، ورعاية مصلحة الناس كافة في المعاملات والعقوبات وأداء الأموال والعلاقات الزوجية لا المصلحة الخاصة، وعدم إهدار مصلحة أهم مما دونها، واتقاء المفسدة الكبرى بالدنيا عند الضرورة،
_________________
(١) قال ابن القيم: لايجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة (أعلام الموقعين: ٢٢٢/ ٤).
(٢) أعلام الموقعين: ٢٥٨/ ٣،٣٢٠.
[ ١ / ١٢٥ ]
وأن يكون الشرع هو معيار تحقيق المصلحة ودرء المفسدة. ومقاصد الشريعة هي: حفظ الدين (من عقائد وعبادات)، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وينبغي التدرج في الحفاظ عليها بحسب مراتبها وهي الضروريات أولًا، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات.
أما الضروريات: فهي التي يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدت اختلت الحياة في الدنيا، وضاع النعيم وحل العقاب في الآخرة. أي أنها كل مالا بد منه لحفظ المقاصد الخمسة الأصلية.
وأما الحاجيات: فهي التي يحتاج الناس إليها لرفع الحرج عنهم فقط، بحيث إذا فقدت وقع الناس في الضيق والحرج دون أن تختل الحياة. فقد تتحقق بدونها المقاصد الخمسة، ولكن مع المشقة والضيق.
وأما التحسينيات: فهي المصالح التي يقصد بها الأخذ بمحاسن العبادات ومكارم الأخلاق، كالطهارات وستر العورات. فهي بمثابة السور للحفاظ على المقاصد الخمسة الضرورية.