الأخذ بالأيسر ينبغي ألا يكون متخذًا للعبث في الدين أو مجاراة أهواء النفوس أو للتشهي وموافقة الأغراض، لأن الشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، قال الله تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن﴾ [المؤمنون:٧١/ ٢٣]، ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء:٥٩/ ٤]، فلا يصح رد المتنازع فيه إلى أهواء النفوس. وهناك آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله سبحانه: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن
[ ١ / ١٢٦ ]
أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [القصص:٢٨/ ٥٠]، ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ [المائدة:٥/ ٤٩]، ﴿ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله﴾ [ص:٣٨/ ٢٦].
وبناءً عليه ألزم العلماء المفتي في إفتائه ألا يتبع أهواء الناس (١) بل يتبع المصلحة والدليل الراجح، والمصلحة المعتبرة هي مصلحة الكافة كما بينا. قال تعالى لنبيه: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا﴾ [الجاثية:٤٥/ ١٨ - ١٩]، قال القرافي في الإحكام والشيخ عليش في فتاويه (٢): «أما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام إجماعًا».
وقال ابن القيم: لايجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه (٣) وهذا المعنى هو الذي حمل الشاطبي - كما بينت سابقًا - على منع تتبع الرخص، فقد قال: وقد أدى إغفال هذا الأصل (أي اتباع أحد الدليلين أو القولين من غير ترجيح) إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بمالايفتي به غيره من الأقوال، اتباعا ً لغرضه، وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق (٤).
وهذا يدلنا على أن مراعاة المصلحة الخاصة في الأخذ بالأيسر أمر غير مرغوب فقهًا وشرعًا، وإنما ينبغي مراعاة المصلحة العامة أو مصلحة الكافة.
_________________
(١) أعلام الموقعين: ٧٤/ ١، الموافقات: ١٤٢/ ٤ ومابعدها، الاعتصام: ١٧٦/ ٢.
(٢) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك: ٦٨/ ١، الإحكام للقرافي: ص٧٩.
(٣) أعلام الموقعين: ٢٢٢/ ٤.
(٤) الموافقات: ١٣٥/ ٤.
[ ١ / ١٢٧ ]
وإذا كان اتباع الأهواء محرما ً لزم تقييد الأخذ بأيسر المذاهب بوجود حالة الضرورة أو الحاجة، لأن (الضرورات تبيح المحظورات) و(الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة) والضرورة: مايترتب على عصيانها خطر. أما الحاجة: فهي مايترتب على عدم الاستجابة إليها عسر وصعوبة. والمراد بكون الحاجة عامة: أن تكون شاملة جميع الأمة، والمراد بكونها خاصة أن يكون الاحتياج لطائفة متخصصة من الأمة كأهل بلد أو حرفة، لا أن تكون فردية (١).
ولست مع الشاطبي في أن العمل بالضرورة أو الحاجة أخذ بما يوافق الهوى (٢)، لأن الضرورات والحاجات تتجدد بحسب التطور. ولابد من مراعاة ضوابط الضرورة الشرعية والحاجة (وهي أن تكون قائمة لامتوقعة، ويقينية أو غالبة الظن، وملجئة أو محرجة إلخ) (٣).