- الفقه لغة: الفهم (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿قالوا: ياشعيب، ما نفقه كثيرًا مما تقول﴾ [هود:١١/ ٩١]، وقوله سبحانه: ﴿فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثًا﴾ [النساء:٤/ ٧٨].
- وفي الاصطلاح الشرعي: عرفه أبو حنيفة رحمه الله تعالى بأنه «معرفة النفس مالها وما عليها» (٢) والمعرفة: (هي إدراك الجزئيات عن دليل). والمراد بها هنا سببها: وهو الملكة الحاصلة من تتبع القواعد مرة بعد أخرى.
- وهذا تعريف عام يشمل أحكام الاعتقاديات، كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات أي الأخلاق والتصوف، والعمليات كالصلاة والصوم والبيع ونحوها، وهذا هو الفقه الأكبر. وعموم هذا التعريف كان ملائمًا لعصر أبي حنيفة الذي لم يكن الفقه فيه قد استقل عن غيره من العلوم الشرعية، ثم استقل، فأصبح
_________________
(١) يقال: فقه يفقه كعلم يعلم، أي فهم مطلقًا، سواء أكان الفهم دقيقًا أم سطحيًا، ويقال: فقه يفقه مثل كرم يكرم، أي صار الفقه له سجية. ويقال: تفقه الرجل تفقهًا: أي تعاطى الفقه، ومنه قوله تعالى: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة:٩/ ١٢٢].
(٢) مرآة الأصول:٤٤/ ١، التوضيح لمتن التنقيح: ١٠/ ١.
[ ١ / ٢٩ ]
علم الكلام (التوحيد) يبحث في الاعتقاديات، وعلم الأخلاق والتصوف كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحوها، يبحث في الوجدانيات. وأما الفقه المعروف حاليًا فموضوعه أصبح مقصورًا على معرفة ما للنفس وما عليها من الأحكام العملية، وعندئذ زاد الحنفية في التعريف كلمة (عملًا) لتخرج الاعتقاديات والوجدانيات.
- وعرف الشافعي ﵀ الفقه بالتعريف المشهور بعده عند العلماء بأنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (١).
- والمقصود بالعلم هنا: هو الإدراك مطلقًا الذي يتناول اليقين والظن؛ لأن الأحكام العملية قد تثبت بدليل قطعي يقيني، كما تثبت غالبًا بدليل ظني.
- والأحكام: جمع حكم، وهو مطلوب الشارع الحكيم، أو هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا. والمراد بالخطاب عند الفقهاء: هو الأثر المترتب عليه، كإيجاب الصلاة، وتحريم القتل، وإباحة الأكل، واشتراط الوضوء للصلاة.
- واحترز بعبارة (العلم بالأحكام) عن العلم بالذوات والصفات والأفعال.
- و(الشرعية): المأخوذة من الشرع، فيحترز بها عن الأحكام الحسية مثل: الشمس المشرقة، والأحكام العقلية مثل: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والأحكام اللغوية أو الوضعية، مثل: الفاعل مرفوع، أو نسبة أمر إلى آخر إيجابًا أو سلبًا مثل زيد قائم، أو غير قائم.
- و(العملية): المتعلقة بالعمل القلبي كالنية، أو غير القلبي مما يمارسه الإنسان مثل القراءة والصلاة ونحوها من عمل الجوارح الباطنة والظاهرة. والمراد أن أكثرها
_________________
(١) شرح جمع الجوامع للمحلي: ٣٢/ ١ ومابعدها، شرح الإسنوي:٢٤/ ١، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب: ١٨/ ١، مرآة الأصول: ٥٠/ ١، المدخل إلى مذهب أحمد: ص٥٨.
[ ١ / ٣٠ ]
عملي، إذ منها ماهو نظري، مثل اختلاف الدين مانع من الإرث. واحترز بها عن الأحكام العلمية والاعتقادية، كأصول الفقه، وأصول الدين كالعلم بكون الإله واحدًا سميعًا بصيرًا. وتسمى العملية أحيانًا: (الفرعية) والاعتقادية: (الأصلية).
- و(المكتسب) صفة للعلم: ومعناه المستنبط بالنظر والاجتهاد، وهو احتراز عن علم الله تعالى، وعلم ملائكته بالأحكام الشرعية، وعلم الرسول ﷺ الحاصل بالوحي، لا بالاجتهاد، وعلمنا بالبدهيات أوالضروريات التي لاتحتاج إلى دليل ونظر، كوجوب الصلوات الخمس، فلا تسمى هذه المعلومات فقهًا، لأنها غير مكتسبة.
- والمراد بالأدلة التفصيلية: ما جاء في القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس. واحترز بها عن علم المقلد لأئمة الاجتهاد، فإن المقلد لم يستدل على كل مسألة يعملها بدليل تفصيلي، بل بدليل واحد يعم جميع أعماله، وهو مطالبته بسؤال أهل الذكر والعلم، فيجب عليه العمل بناء على استفتاء منه. هذا .. وقد أصبح الفقه أخيرًا كما في قواعد الزركشي: هو معرفة أحكام الحوادث نصًا واستنباطًا، على مذهب من المذاهب.
- وموضوع الفقه: هو أفعال المكلفين من حيث مطالبتهم بها، إما فعلًا كالصلاة، أو تركًا كالغصب، أو تخييرًا كالأكل.
- والمكلفون: هم البالغون العاقلون الذين تعلقت بأفعالهم التكاليف الشرعية.
- خصائص الفقه:
- الفقه: هو الجانب العملي من الشريعة، والشريعة: كل ماشرع الله تعالى لعباده من الأحكام، سواء بالقرآن، أم بالسنة، وسواء ماتعلق منها بكيفية
[ ١ / ٣١ ]
الاعتقاد، ويختص بها علم الكلام أو علم التوحيد، أو بكيفية العمل، ويختص بها علم الفقه.
- وقد بدأت نشأة الفقه تدريجيًا في حياة النبي ﷺ وفي عصر الصحابة، وكان سبب نشوئه وظهوره المبكر بين الصحابة هو حاجة الناس الماسة إلى معرفة أحكام الوقائع الجديدة، وظلت الحاجة إلى الفقه قائمة في كل زمان لتنظيم علاقات الناس الاجتماعية، ومعرفة الحقوق والواجبات لكل إنسان، وإيفاء المصالح المتجددة، ودرء المضار والمفاسد المتأصلة والطارئة.