هذا بحث في النية المشروعة (القصد أو الإرادة) والنية غير المشروعة (الباعث السيء) وأحكامها وأحوالها في مجال العبادات من طهارة وصيام وزكاة وحج وغيرها، والمعاملات من عقود بيع وزواج وهبة وكفالة وحوالة ونحوها، وفسوخ كالطلاق لإنهاء رابطة الزواج، وتروك كترك المكروه والحرام، وإزالة النجاسة ورد المغصوب والعواري وإيصال الهدية وغير ذلك مما لا تتوقف صحته على النية، ومباحات وعادات كالأكل والشرب والجماع ونحوها مما يثاب عليه المسلم ثواب العبادات عند استحضار النية فيها. ولا مشقة عليه في القيام بها، بل هي مألوفة لنفسه، مستلذة يقبل عليها بدافع ذاتي أو بالغريزة والفطرة.
[ ١ / ١٤٦ ]
أهمية البحث وخطته:
تمتاز الشريعة الإسلامية بسبب شمولها لأمور الدين والدنيا بأنها نظام روحي ومدني معًا، وينقسم الحق فيها باعتبار وجود المؤيد القضائي وعدمه إلى نوعين: حق دياني وحق قضائي.
الأول: هو الذي لايدخل تحت ولاية القضاء، وإنما يكون الإنسان مسؤولًا عنه أمام الله تعالى.
والثاني: هو ما يدخل تحت ولاية القاضي، ويمكن لصاحبه إثباته أمام القضاء. وتظهر ثمرة القسمة بينهما في أن الأحكام الديانية تبنى على النوايا والواقع والحقيقة، وأما الأحكام القضائية فتبنى على ظاهر الأمر، ولا ينظر فيها إلى النوايا وواقع الأمر، فمن طلَّق امرأته خطأ، ولم يقصد إيقاع الطلاق، يحكم القاضي بوقوع طلاقه، عملًا بالظاهر واستحالة معرفة الحقيقة. وأما ديانة فيحكم المفتي بعدم وقوع الطلاق، وللإنسان أن يعمل بذلك فيما بينه وبين الله تعالى.
فحق الديانة يعتمد على النية، والنية أساس الديانة (١)، وهو الحق الأبدي الخالد الذي يبقى ولا يتغير، وهو مناط الثواب والعقاب بين يدي الله تعالى؛ لأن الإسلام دين قبل كل شيء، والدينونة جوهر الإسلام، وهي محصورة بأن تكون لله ﷿ وحده.
أما القوانين الوضعية فلا ينظر فيها للنوايا والبواطن والخفايا ولا مجال فيها لفكرة الحلال والحرام بالمعنى الديني، وإنما العبرة للظواهر ورصد واقع الحياة من خلال التعامل القائم، وتنظيمه على وفق النظام السائد في المجتمع والدولة.
_________________
(١) روى البيهقي والطبراني عن أنس بن مالك حديثًا هو: «نية المؤمن خير من عمله» لكنه ضعيف، كما ذكر السيوطي في الجامع الصغير، وقال الحافظ المناوي: والحاصل أن له عدة طرق تجبر ضعفه.
[ ١ / ١٤٧ ]
وقد أدى تطبيق القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية إلى إضعاف الوازع الديني، وانحسار هيمنة الدين ورقابة الإله في السر والعلن على تصرفات الناس، وغياب ميزان التقوى في كسب الحقوق والتنازل عنها، مما أفقد الاهتمام بالنية. ولكن بروز مثل هذه الظاهرة المرضية في مجتمعاتنا لا يثنينا عن ضرورة التذكير المستمر برصيد الإسلام وقيمه وأحكامه؛ لأنه النظام الأمثل والأخلد والأصلح للبشرية لتصحيح مسيرة الناس، وتجاوز الانحرافات والأخطاء، ولأنه الأساس الذي يحاسب عليه الإنسان في الضمير العام بين البشر، ولدى أحكم الحاكمين في الدار الآخرة.
ومن أهم مقومات الرصيد الإسلامي في نطاق الأحكام الشرعية التي يلزم بها المكلفون: النية الصحيحة، فهي معيار لتصحيح الأعمال، فحيث صلحت النية، صلح العمل، وحيث فسدت فسد العمل. ولا تصير أعمال المكلفين المؤمنين معتبرة شرعًا، ولا يترتب الثواب على فعلها إلا بالنية. وقد اعتبر حديث عمر ﵁ المشهور وهو «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى» أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، فهو أحد أصول الدين، وعليه تدور غالب أحكامه، وهو نصف الإسلام، قال أبو داود: «إن هذا الحديث نصف الإسلام؛ لأن الدين إما ظاهر وهو العمل، أو باطن وهو النية» وهو أيضًا ثلث العلم، قال الإمام الشافعي وأحمد رحمهما الله: يدخل في حديث (الأعمال بالنيات) ثلث العلم، قال البيهقي وغيره. وسبب ذلك أن كسب العبد يكون بقلبه، ولسانه، وجوارحه، والنية أحد أقسامه الثلاثة. وروي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه. ولذا استحب العلماء أن تستفتح به الكتب والمصنفات، ليكون ذلك منبِّهًا طالب العلم أن يصحح نيته لوجه الله تعالى في طلب العلم وعمل الخير ونفع نفسه وأمته وبلاده. وبناء عليه قال العلماء: «إن قاعدة: الأمور بمقاصدها ثلث العلم».
[ ١ / ١٤٨ ]